أمل هباني

لا اعتقد أن أحدا يمكن أن يكون في ورطة أكثر من تلك التي تمر بها فتاة دبي التي سرب مرافق لها منحط الأخلاق تصوير فيديو وهي تجالس عدد من النساء والرجال السودانيين  في جلسة شرب خمر وترتدي فستان قصير  وتتحدث عن أن هنا (تقصد دبي ) مدينة متحضرة بالقانون وأنها تفعل ما يحلو لها دون أن يبتزها البوليس برشوة أو أبتزاز  بممارسة الجنس معها (تقصد النظام العام )وكانت تتحدث بمنتهى الوعي الحقوقي رغم سكرها  .ثم بعد أن نشر هذا الشخص القبيح الدواخل الفيديو وانفعل به المجتمع أكثر من إنفعاله بالبحث عن حل لمشكلة الرغيفة التي وصلت لجنيهين . اصدرت فيديو آخر أظهر كم هي نادمة ومتأثرة ومنكسرة بما فعلته واعتذرت لمجتمعها ولأسرتها ولكل الشعب السوداني الذي لم يعتذر رئيسه عما أوصله إليه بسياساته الخرقاء من قتل وجوع ومسغبة لم يقبل جله اعتذارها  . وكانت صاحبة الفيديو قد عادت إلى عقلها المغيب بروح الحياة الجماعية المتخلفة التي نحياها في السودان بعد أن ثارت وتمردت بعقلها الواعي وهي مخمورة . ولا لوم عليها فلربما أن أمها اصيبت بصدمة ووالدها وإخوتها يشعرون بالخجل والعار من فعل إبنتهم التي مرمغت عرضهم وكرامتهم في الأرض حسب المجتمع التقليدي المتخلف الذي يحيون فيه  . فخروج المرأة عن (الفريم) الإجتماعي الذي وضعه المجتمع لها عقوبته أشد من سياط النظام العام .

و ما تعرضت له هذه المرأة يعكس أزمتنا كنساء جميعا في مجتمع موغل في التقليدية وصرامة الأحكام الجماعية تجاه النساء بلا أي عقل أو وعي ونتساوى في ذلك متعلمنا وجاهلنا إلا قلة قليلة هي ذاتها لا تستطيع البوح بحرياتها الشخصية ولا مواجهة المجتمع بأن هذه ضمن الحريات التي يجب أن تتمتع بها المرأة كما الرجل تماما .فالرجل في السودان ورغم أن قانون النظام العام يترصده ويتربص بشربه للخمر إلا أن ذلك لم يضعه في موضع الوصمة الإجتماعية للمرأة التي تفعل ذلك . وفي ذات  وسائط التواصل الإجتماعي  يتندر ويتباه رجال كثر  بقصصهم مع الشرب  والخمر والمريسة والعرقي .  ومغامراتهم الرجولية المثيرة وهي لو كانت رجلا لمر الأمر على هذا النحو . وهذا ليس خطأ الرجال أو النساء  لأنها مفاهيم مجتمع بأكمله شبوا فيه  ووجدوا تلك الأمتيازات .. وحديث أي رجل مخمور  لا يشبه حديث (ر) فتاة الفيديو التي شعرت في تلك اللحظة أنها تحررت من قيود دولة بأكملها تجثم على أنفاسها وتمنعها ممارسة حريتها . وهي حرية لا تضر أحدا ولا تهدد الأمن القومي السوداني ولا الاماراتي  كما فعل ( أيمن  المأمون ) حينما اخترق النظام المصرفي في ذات الإمارات . وقدم رشاوى لموظفين كبار في الدولة للتجسس على حسابات نافذين لصالح مدير جهاز الأمن والمخابرات السابق محمد عطا (حسب مونت كاروو ) الصحفي المدون  .ولم يجرم المجتمع ود المامون لدرجة أن لجنة جودية تكونت للمطالبة بالعفو عنه تضم معارضين .وغير صفوة المجتمع من صحفيين وسياسيين وغيرهم لا أحد يعرف أو يأبه لما فعله أيمن المأمون . وكثيرين شوهو صورة السودان بسلوكهم المشين عشرات الأضعاف مما فعلت تلك الفتاة والتي لربما لو حكيت قصتها لغريب عن سياقنا الإجتماعي لضحك عليك وعلى سذاجتك لاعتبار أن سلوك هذه المرأة الشخصي يشوه سمعتك أنت لجنسيتكما المشتركة .

أن أزمة هذه المسكينة  في متاهتها الضيقة التي وجدت نفسها فيها   هي أزمتنا جميعا كنساء ، وهي أحدى أزمات   حركة حقوق المرأة السودانية التي (رغم نضالها الطويل )   لم تستطع أن ترفع صوتها خلال سبعة عقود (عدا اصوات ها وهناك  ) بأن حرية المرأة الشخصية هي ملك لها وحدها  تعيشها كما ترى هي وتريد وليس كما يريد والدها أو عمها أو جدتها أو مجتمعها أو حكومتها التي دخلت في الخط منذ عقود ثلاثة . وأنه كلما زادت إستقلالية المرأة بتعليمها واستقلالها الإقتصادي هذا يمنحها الحق والقدرة على إتخاذ قرار كيف تعيش حياتها الشخصية .ولربما أثر في ذلك  ضعف التعليم نفسه وتخلف مناهجه التي لا تشجع على حرية المرأة وتضعها في قالب (ليس للبنت في السعادة حظ أن تنائ الحياء عنها وولى ) . والتداخل الإجتماعي الكبير بين الأسرة والعائلة الممتدة والقبيلة .وبين سلوك المرأة السودانية التي يعتبرها هؤلاء جميعا حامية حمى الأخلاق المتمثلة في قيم متوهمة عن شرفها وسلوكها ، ولا تستطع اكثر النساء دعوة للتحرر الخروج خارج هذا الطوق وإعلان تمردها عليه لأن العقاب الإجتماعي التي ستناله هي وربما أسرتها معها بأكملها قد يكون أسواء من حكم الإعدام لأنه يرتبط بإضطهاد مجتمع كامل يمثل حياتها وعلاقاتها الإجتماعية ، لذلك قد يكون  اعتذارتلك الشابة  المؤثر خوفا من أحكام إجتماعية أقسى  من الأحكام القضائية .

اتمنى أن تكون من أسرة متفهمة وواعية لاتحمل الأمر أكثر من حجمه وهو أن أبنتهم تمارس حياتها كإنسانة حرة مستقلة كما يمكن أن يفعل أبنهم . وأنهم ليسوا الله ليطلقوا عليها أحكاما مقدسة فحتى في الإسلام لا  الزي ولا الخمر وضع الله سبحانه وتعالى  لهما عقوبة في القرآن  وإنما هي  اجتهادات بشرية لا تخرج من السياق التاريخي والنفسي   لمن وضعوها  . وإن كان  ثمة مؤشر جيد في هذه الحادثة  فهو أزدياد أعداد  المستنكرين لأنتهاك خصوصية هذه المرأة وغدرها بهذه الطريقة المشينة من صاحب الفيديو رجلا كان أم امرأة .