خالد فضل

  على حال وطن جاوز عمره منذ الاستقلال سن الستين , من ولدوا في 1/1/1956م عمرهم الآن 62عاما , هل كان طموح ذويهم يومذاك أن يشيب مواليدهم على عدم , هل كان الوعد في ذلك اليوم أن يندثر الوطن , يا من استوليتم على الوطن في عز شبابه , جلا المستعمر ولما تمض ثلاثون سنة حتى دهمه استعمار بني الجلدة , وظلم ذوي القربي أشدّ مضاضة من وقع الحسام المهنّد .

   أخجلوا على ما ارتكبتم من آثام , وما جرى على يديكم من جرائم طالت البشر والمدر , فتحتم أبواب الجحيم ضد الشرفاء , سفكتم الدماء , أزهقتم الأرواح بدم بارد كأن من تقتلون حشرة أو سرب باعوض , اشعتم العدوانية في النفوس وتقسّم الناس في بلادنا من (نحن للسودان فدا) إلى قبيلتك شنو , تورا بورا وجنجويد , زرقة وعرباويين , دناقلة ولحويين , هذا آخر مطاف الانجاز , وخاتمة مداميك النهضة , والأرض بكر , أنهار متدفقة بغير حساب , خيران لا تلوي على شئ , سهول تنبت من كل نوع زوج بهيج , عصافير ونسور غزلان وقرود أفيال وأنمار , أم بيوض وهدهد ومن خلق الله ما لا عين رأت ولا خطر بقلب بشر , تنبت الزهرة في خرم مسمار على خشبة في داخلية الطلبة في جامعة جوبا يومذاك وكانت جوبا ضمن خارطة البلاد الكبيرة يا من ضيقتم واسعا ببيوت الأشباح وحرب التمكين وفيالق الجهاد .

 أخجلوا , وخلاوي الفور وديار المساليت التي كانت تضج بتلاوة القرآن و(سين) بلال  باتت تلتهمها ألسنة النيران , ما يزيد على 3000قرية وفريق صارت رمادا , ما يزيد على 2مليون إنسان صاروا نازحين والقتلى فوق ال300ألف قتيل , وفي كل بيت حسرة في كل بلدة زفرة في كل حارة أنّة , تحولت الخرطوم من عاصمة فريدة الموقع على ثلاثة أنهار إلى قبو معتم تخنقه الكوابيس وتتسمى بعض مناطقها بآخر مكالمة وحكومة مافي , يسودها الظلام بعد أن أطفأتم قناديل السنا  في أنديتها ودور السينما والمسرح العريق , وأصبح وسطها بركة ماء آسن بفعل رشة مطرة تسعدها أنابيب صرف مهترئة تنفجر كل حين .

  أخجلوا , ومئات الآلاف من خيرة المتعلمين والمهنيين والفنيين يتم فصلهم من الخدمة بجرة قلم مدمر فانهارت الخدمة العامة مدنية وعسكرية حتى ران على البلاد عهد الجنجويد ! بيعت آخر سفينة تتبع لسودان لاين كما قصت قبلها أجنحة آخر طائر في سودان إير ويز مثلما شُلّع النقل الميكانيكي والمخازن والمهمات والأشغال العامة فسقطت مئذنة مسجد تحت التشييد ! ناهيك عن سقوط بيارات الحرقة نورالدين , غابت ملامح الباشكاتب , ومسك الدفاتر وحساب المليم مما خبره مواليد يوم الاستقلال وساد عصر التحلل من قطع الأراضي لكبار الصحافيين , والأيادي المتوضئة باعت كل (الفجّات) كما قال عبدالرحيم , وعبدالرحمن وقبله عبدالحليم , كلهم من كار التنظيم اللئيم الذي فقهه فقه الضرورة وضرره فاقع يكوي الحشا للأمهات اللواتي فقدن الأمان وهرعن إلى خيام النزوح وويلات وقساوة المنافي واللجؤ ولو عبر السنابك إلى شواطئ أوربا عساها تكون رحيمة رغم غلظة حاكم المجر ولؤمه .

 من شتت شمل الأسر حتى بات أطفالها لا يعرفون الحبوبة والخال والعمة وكل قريب , من أوجد خانة الوطن البديل ولو كانت صحراء النقب في اسرائيل, من أودى بطمأنينة النفوس وهداوة البال ونمّ الجراري والمردوم وغنا البنيات في الجرتق وكل جمع سعيد , من بعثرنا في كل واد , من حطّم تقاليد الجامعة وعرفها الأكاديمي الراسخ فصارت سوحها مقاصل للناشطين  , والذين ولدوا في ذلك التاريخ البعيد في مستشفى الحكومة الكبير أين هو الآن , أفي ذلك المبنى الفخيم وأخواته من يستهدون ويدفعون وتموت حاجة الزينة بالاهمال في قلب الخرطوم ! الذين درجوا في أولية الحكومة ووسطاها والثانوي العالي أيقبع أحفادهم الآن تحت أنقاض المدرسة المنهارة في الخرطوم , أم في مدرسة ود( يا سين)  لم ينجح أحد في عهد التمكين ! والحياة السياسية بأحزابها وندواتها وعراك الأفكار أهي جولات حوار حركة الجنرال (أفراح) ومانشيتات ترشيح  السيد شعيب ؟ وساحة الوطن المستقل يومذاك يجلجل فيها صوت المحجوب وعبدالخالق وجوزيف قرنق وحراك الاستنارة في وجه الطائفية , والطائفية بالنسبة لما نعيشه من وقائع التخلف (فتح مبين) .

  أخجلوا ! قال تعبئة وتنظيم , مكتب سياسي وقيادي , أبواق ولافتات نفاق , اتحاد شباب وطلاب قال حزب قال !أيهرع الناس من صفوف الخبز والبنزين ليرشحوا القوي الأمين ! أخجلوا أخجلوا أخجلوا .