بثينة تروس

   بدأت نكبة أمتنا الحقيقة، عندما نجح  الهوس الديني! منذ ستينات القرن المنصرم، في ان يلجم اصحاب الرأي من المثقفين، والمفكرين، والذين تصدوا لقيادة هذا البلد! من النهوض في وجه دعاة  الدستور الاسلامي! وتحكيم الشريعة الاسلامية!  كدستور للبلاد! ان كان ذلك بدافع العاطفة الدينية، او الجهل  بحقيقة الدين، ولربما إيثار للسلامة والابتعاد عن معترك رجال الدين والفقهاء.

او التعامي عن حقيقة التنوع الديني، والاثني، واللغوي، والجهوي بين المواطنين السودانيين ، ومعرفة ان من بينهم من سوف يضار! بتطبيق الشريعة الاسلامية، وسوف تنتقص حقوقه الاساسية ، من الحرية، والعدالة، والمواطنة  المتساوية. 

 

وللاسف جددنا البيعة للارهاب الديني!  حين غلت أيدينا عن إلغاء ( قوانين سبتمبر 83)..  وهكذا انفتح الباب علي مصراعيه للأخوان المسلمين للنفاذ من هذه البوابة، واستخدموها كوسيلة للوصول الي سدة الحكم، وسندوا امرهم بسياسات الجهاد، التمكين، الإرهاب، العنف الممنهج، والفساد ، والعبث  للدرجة التي أطلق رئيس الدولة علي احكام الشريعة بأنها  ( شرائع مدغمسة)! 

وتواصل مسلسل سقوط السودان في الهاوية،  لمدة 28 عاماً ، حتي سُمع دوي لهوانه! وبالرغم من ذلك ظلت حكومة الاخوان المسلمين مواصلة في الاستهانة بكرامة هذا الشعب، مستخدمة لنفس الأدوات  التي  هيمنت بها علي السلطة!  الا وهي  استغلال العاطفة الدينية !!

 

وآخر شاهد علي ذلك في خضم الاحداث المتلاحقة الاخيرة، ما تناقلته  وسائط التواصل الاجتماعي، خلال هذا الأسبوع،  فيديو تشييع الجنود السودانيين الذين قتلوا في معارك اليمن،  بين الحوثيين وجيش الرئيس السابق علي عبد الله صالح،  وهم يشيعونهم بالبقيع في المدينة  المنورة، وبدت الحكومة كأنها تهدي الشعب السوداني مزيد من الموت!! وتتفاني في تاكيد ( الحوافز)  بالجنان، ومنح الاستشهاد!! 

ولها في ذلك تجربة عريضة  في ألجهاد في جنوب السودان!! وهذه المرة  مستغلة محبة السودانيين لتلك البقاع الطاهرة، ولتعلقهم بالذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، صلي الله عليه وسلم !!

مع العلم ان هؤلاء فقط 17 من الجنود!  وبقية  من قتل من زملائهم، تَركتهم الحكومة  للصقور والحيوانات. بعد ان بعاتهم وتقاضت اثمانهم..  ولما لا ؟! فهم يرقصون علي طبل ( ( السوداني الموت عنده عيد)!! 

 

والاخوان المسلمين يعلمون ان الشعب السوداني قد افتضح امرهم ، لذلك أتقنوا صنعة تجريده من وسائل التغيير!! فحاصرت الحكومة الشعب اقتصادياً، وزرعت الفتنة القبلية، وكرّست  للعنصرية ، ومهدت سبل الفتنة الدينية في البلاد،  بحلفها مع الوهابية،  علي حساب الطرق الصوفية التي حفظت لهذا البلد سلامه وسماحته..

 

وأخيراً تفتفقت عبقريتها، في ان حولت جميع الوضع  السياسي المخزي، الي مسلسل  أثاره، يتبادل فيه البطولة  الحكام،  و آخرون يظهر نجمهم عندما يختلف لصان من بين الاخوان!! ا  وفِي نهاية المطاف لاخوف عليهم، طالما سبقهم  شيوخهم للتحلل!!  

لقد خبر اهلنا الطيبين  حكمة ( الما بيخاف  الله!  خافه)، لان ليس  له حد للسوء فيقف عنده!  او ورعاً فيعصمه من ظلم الناس! فهؤلاء الحكام يعلم الشعب انهم  كانوا بالامس القريب يعدون من فقراء هذا البلد! يتهادون  كسرة الخبز اليابس ، (والثلج)  في هجير رمضان، و يتشاطرون وباقي الشعب سكن بويتات الطين ، وشراب الماء العكر ، والفقر المستوطن!، وامراض الكوليراء !! لكنهم بعد ان اتخموا صارت هداياهم لزوجاتهم، المساكن الفاخرات في ارض الملوك، والأرصدة في البنوك!!

وتمددت حكاوي الملهاة، فالفنا خلال هذه السنوات الكالحة ! شاكلة هذا هو الخال الرئاسي، وهؤلاء هم اخوة الرئيس الفاسدين!  وذلك حاتم والعمة  هدية، والذي خلف طه عثمان ( ود البيت)!  اسماء منتفخة الجيوب!  في بلد عاصمتها متشحة  بسواد الفقر، ومرض الكوليرا،  والأوساخ،  والمخدرات ، والبطالة، والجريمة، وانفراط الامن في اطرافها، وحروب نيرانها لم تخمد  لاكثر من ربع قرن في مناطق النزاعات المسلحة.

عاصمة صمت حاديها من الرجاء  والاماني في جيشها ( الحارس مالنا ودمنا جيشنا جيش الهنا) !! بعد ان انطمست  معالم ، من هم جند الوطن ؟ ومن هم قتلة المواطنين ؟!

 اذ صار حميدتي فريق!  كما هو ( الفريق) طه عثمان، وموسي هلال جيش وأمة !! فان صالح الحكومة كان صهره  ونسبه يشغل الاعلام،  ومصاهرته شرف يرتجي، وان اختلف الخصمان، استنصر بابناء عمومته وأعلن دولته!! داخل دولتهم!!

 

فكما هو معلوم ان الخائف عنيف، هكذا هي الحكومة، لذلك نجحت في ان  تستأسد علي الشعب السوداني، وحرصت  علي ان تجفف ينابيع الوعي ، وان تسد جميع منافذ  حرية الرأي، والتعبير، فكانت  الاعتقالات والسجون للمعارضين، والاعتداء علي المناشط والندوات، والملاحقة المتواصلة.

وجعلت كل همها مراضاة اعدائها في داخل أروقتها، مابين المناصب والمكاسب والرشاوي! فهم لصوص  يتربصون ببعضهم البعض، يهابون خوف الاحتراب بينهم! 

 

لذلك فلنجعل  فضحهم همنا  كل صباح جديد، ولنكشف عورات نظامهم! وان لانمل ذلك العمل ! فلقد نخرت عصا حكمهم، آفة  الفساد،  وخيانة الوطن!  وفي تاريخ الطغاة من الحكام  رصيد كافي! للأمل بقرب زوالهم!

وبالرغم من كم الظلم ، والظلامات، والاثمان الباهظة التي دفعها الوطن، من جراء سياسات حكومة الاخوان المسلمين، الا انها أهدتنا تجربة حكم، فتحت بصيرة  جميع السودانيين ، بمعرفة من هم الاخوان المسلمون؟ وان حكموا ماذا هم فاعلون؟؟  وماذا جنينا من التطرف والارهاب الديني! والمتاجرة باسم الاسلام!!

ولابد انه قد ادرك العاملين من اجل التغيير، والحالمين بالتغيير! ان الوسيلة اليه بان نغير ما بانفسنا! بان نتعلم الديموقراطية، ونعيشها في احزابنا! ومؤسساتنا بأجمعها، وان نتجاوز قداسة الاحزاب والأفكار ! بان نقيم النقد الذاتي البناء والذي يَصْب في اتجاه الإصحاح لمؤسساتنا الحزبية، والا فلا خير  يرجي من معارضة، فشلت ان تقيم تجربتها وهي خارج مقاعد السلطة! ولن يكون لها 

عاصم من التسلط علي الشعب ان هي فشلت الان من إصلاح حالها!!

ولنكن جادين  في التغيير بمعرفة ان البديل للإخوان المسلمين، ليس هو الاخوان المسلمين  الذين قد اختلفوا معهم مابين موتمر وطني او شعبي!  او من شايعهم من (الواثبين)  قفزاً لمكاسبهم  الذاتية. كما لابد من مواجهة ان الطائفية، ليست هي الحل.. ولاتملك هي الآخري حلول للأزمة، بالرغم من القواعد العريضة التي تنتمي  اليها، الا انها للأسف  عجزت في ان توجهها لمصلحة الوطن!!  

 

وأخيرا في هذه الذكري المشئومة، ما غادر من الجهل، من جهل ان ثمانية وعشرون عاماً ، شهدت جيل جديد من ابناء هذا الشعب، لايمكن تجاوزه في احداث التغيير،  فهم اليوم راشدين ، ومن حقهم علينا  ان نصطف خلفهم، وان نثق في مقدراتهم علي التغيير،  فهم أمل هذا البلد، وان نتواضع علي معرفة ان للتغيير أوجه عديدة!  وان نعلم ان المعيار هو ماعليه حال الشعب السوداني!