بابكر فيصل بابكر لا شك أنَّ المتابع للأحداث في المنطقة العربية والشرق الأوسط يلحظ بوضوح ملامح تشكل محورين إقليميين جديدين بين دول المنطقة والحركات السياسية والدينية برزا إلى الوجود بشكل كبير في أعقاب إندلاع الحرب السورية وسقوط نظام الرئيس المصري السابق محمد مرسي.

المحور الأول تقودهُ إيران ويضم إلى جانبها العراق ونظام الأسد في سوريا, إضافة لحركات دينية في مقدمتها حزبُ الله وبدرجة أقل حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين, كما تدخل قطر في تقاطعات مصالح مع هذا المحور بحيث تبدو خارجة عليه في سوريا ومتوافقة معهُ في مناطق أخرى.

المحور الثاني تقف على رأسهِ المملكة العربية السعودية ومصر, ويضم الكويت والإمارات والبحرين بجانب الأردن.

لا يقتصرُ الصراع بين المحورين على المصالح الإستراتيجية السياسية والإقتصادية والجغرافية, بل يتعداها ليصل إلى دائرة “العقيدة الإسلامية” بحيث يظهر في بعض جوانبه قائماً على الخطوط المذهبيَّة وهو الأمر الذي بدا جلياً في النزاع السوري والإقتتال الأهلي في العراق و اليمن إضافة للتظاهرات  في البحرين والسعودية.

قد سارعت المملكة العربية السعودية لتأييد التغيير الذي أطاح بنظام الرئيس مرسي, وفي موقف تاريخي نادر الحدوث لا يشابهه سوى موقفها في حرب أكتوبر 1973, عارضت المملكة بقوة موقف حليفها الإستراتيجي الأهم “أمريكا” تجاه التحوُّل في مصر, ثم قامت بإتخاذ قرارات غير مسبوقة تجاه جارتها الأصغر قطر والحركات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الأخوان المسلمين التي قامت بتصنيفها – ضمن جماعات اخرى – كجماعة ارهابية.

لعل السعودية أدركت أبعاد المُخطط الهادف لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط على أساس الإنتماءات الدينية والروابط العرقية في إطار نظرية “حدود الدم” التي صاغ حيثياتها الجنرال الأمريكي “رالف بيترز” في مقاله الشهير الذي نشره في  دورية أرمد فورسيس (القوات المسلحة) الأمريكية عام 2006.

في إطار ذلك المخطط يقول بيترز إنَّ ( دولة السعودية ذات الحدود غير الطبيعية ستعاني من التفكيك ) و يُضيف أنَّ ( إنَّ العدالة الحقيقية سوف تعطي حقول النفط الساحلية في السعودية للشيعة العرب الذين يسكنون تلك المنطقة في حين ربع المنطقة الجنوبية الشرقية ستذهب الى اليمن اذ أنَّ الاقتصار على الأراضي المستقلة الوطنية السعودية المشابهة والمحيطة بالرياض لن يسمح لبيت آل سعود بايذاء الاسلام والعالم ). إنتهى

أمَّا مصر فقد حسمت أمرها بإختيار “السيسي” رئيساً في إطار المواجهة المفتوحة بين الدولة وجماعة الأخوان المسلمين, وهى مواجهة سيوظف فيها الرئيس الجديد كل إمكانيات دولته فهو يعلمُ أنَّ الأخوان و الجماعات المتعاطفة معهم لن يكتفوا بعمليات التظاهر والإعتصامات, أو تفجير السيارات وإستهداف جنود الجيش والشرطة, بل سيستهدفونه هو “شخصياً”, ولذلك فإنها ستكون معركة “كسر عظم” لن يتهاون الأخير في حسمها وردع كل جهة يثبت أنها متورطة في تقديم أية مساعدات للأخوان المسلمين ومناصريهم.

كذلك هناك ساحة جديدة من ساحات المواجهة بين الأخوان المسلمين وحلفائهم ودول المحور السعودي-المصري أفتتحت مؤخراً في ليبيا مع الظهور القوي للجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” في المشهد الليبي, وهى ساحة مواجهة في غاية الخطورة لما تمثله ليبيا من دور يربط بين دول المشرق والمغرب العربي إضافة لإنفتاحها جنوباً على الدول الإفريقية ومنها السودان.

إنَّ وجود جماعة الإخوان المسلمين كطرف أساسي في جميع هذه المواجهات سيفرض على السودان إتخاذ “قرار إستراتيجي واضح” يُحدِّد مسار سياسته الخارجية وموقفه من تلك المحاور وما يدور من مواجهات.

تعمَّدت الحكومة السودانيَّة عدم إعلان موقف حاسم في أعقاب سقوط نظام الرئيس مرسي واكتفت بالقول أنَّ “ما جرى في مصر يمثل شأناً داخلياً يخصُّ المصريين”, وإن كان ذلك الموقف لم ينل الرضاء الكامل من قبل القائمين على الأمر في الوضع الجديد في القاهرة إلا أنه حافظ  في حينها على درجة من حرارة العلاقات منعت تدهورها بصورة كبيرة تشبه ما حدث في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

غير أنَّ الاوضاع ستتغيَّر كثيراً في الفترة القادمة بعد تولي السيسي سدة الحكم, و في ظل توقع إزدياد نطاق المواجهة مع الأخوان المسلمين في عدَّة دول, وهو الأمر الذي يوجب على السودان إتخاذ قرار ينبني على “المصلحة الوطنيَّة العليا” ولا يستند إلى التعاطف “الآيديولوجي” كما كان عليه الحال في فترات سابقة.

في هذا الإطار إستحسن كاتب هذه السطور التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية الأستاذ على كرتي لصحيفة “الحياة” اللندنيَّة والتي نفى فيها علاقة حكومته بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وقال أنَّ لديهم    ( مشاعر إسلامية عادية مع كل من ينادي بالإسلام حتى لو في أمريكا الجنوبية ) معلنا أنَّ ذلك ( لا يعني ارتباطا بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ولا تنظيمها في غيرها من الدول).

لم يكتف كرتي بذلك بل اضاف ( بكل بصراحة علاقتنا توترت في عهد مرسي أكثر مما توترت في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، لأن كثيراً من الملفّات التي كان متوقعاً أن تنهيها الثورة لم تستطع حكومة مرسي أن تفعل فيها شيئاً على الإطلاق ).

ودون الخوض في نقاش طويل حول مدى صدقية هذه التصريحات إلا أنها تمثل في ظني رسالة جيَّدة للأطراف صاحبة الشأن, خصوصاَ “مصر السيسي” فحواها أنَّ الخرطوم مستعدة للدخول في تفاهمات تضع العلاقة مع القاهرة في مسارها الصحيح وتُجنِّب البلدين الخوض في صراع من شأنه إلحاق الأذي بالطرفين.

الرِّسالة الإيجابيَّة الثانية التي أرسلها كرتي في حواره مع صحيفة الحياة كانت تخضُّ الطرف الثاني في المحور – المملكة العربية السعودية, ففي إجابته عن سؤال الصحيفة حول وجود مشروع إيراني لنشر التشيّع في السودان, أجاب كرتي بوضوح وجرأة قائلاً :

( نعم، مشروع التشيّع يتم ضد إرادة الدولة الرسمية وضد إرادة الشعب، وهناك اختراقات إيرانية في البلاد، وهذا الأمر طرحناه أمام إخوتنا العرب، وقلنا لهم إن إيران تدخل علينا من أبواب أخرى، والباب الذي نتحدث عنه هو باب محدود في العلاقة ومحسوب وقطع غيار وصيانة، وإضافات بسيطة ولا تتعدى التسليح العادي).

هنا ايضاً يقول كرتي للرياض إنَّ الخرطوم على إستعداد تام للتفاهم وإزالة الإحتقان والتوتر المكتوم في العلاقة, وانه إذا ما قامت الأولى بقفل الأبواب التي تدخل منها إيران للسودان فإنَّ الأخير لن يمانع في مد يده إليها.

لا شك أنَّ رسائل كرتي ستصل للدولتين الكبريين في المحور الجديد, ولكن من الضروري أن تعلم الحكومة السودانية أنَّ الأمر لن يقتصر على مجرَّد التصريحات والنوايا الطيبة, بل سيتطلب أفعالاً حقيقية وضمانات وتعهدات قوية تستطيع معها تلك الدول المضي قدماً في تطوير العلاقات مع السودان.

أقول هذا وفي ذهني أنَّ تصريحات وزير الخارجيَّة ربما تكون تعبيراً عن آراء الرأس الدبلوماسي الخاصة وليس سياسة الدولة الرسمية, ذلك أنَّ الأخير شكا في مرَّات عديدة من وجود دوائر داخل السلطة تتخذ قرارات وتتبنى سياسات يكون هو آخر من يعلم بها, ويحضرني في هذا المقام تصريحه الشهير بأنه قرأ خبر وصول السفن الحربية الإيرانية لميناء بورتسودان في “الصحف” ولم يكن له سابق علم به.

لذلك فإنَّ الحكومة مطالبة بإتخاذ قرار “إستراتيجي” موَّحد في هذا الخصوص بعيداً عن المناورات وارسال الرسائل المتضاربة لتلك الدول ولو عبر القنوات غير الرسمية.

 ومن بين تلك الرسائل السالبة التي أعقبت تصريحات كرتي مباشرة وكأنها تهدف لسد الباب أمامها ذلك المهرجان الخطابي الذي نظمتهُ جماعات دينية احتجاجاً على فوز السيسي فى انتخابات الرئاسة المصرية حيث قال خطباؤها أنَّ (ما يجري بمصر تعزيز للدكتاتورية ونكوص عن الديمقراطية ), وأضافوا انَّ ( الذي يدور يهدف الى تدمير دولة مصر والقضاء على جماعة الاخوان المسلمون ).

إنَّ مثل هذه الرسائل التي لا تهدف لشىء سوى نصرة إخوة “الآيديولوجيا” من شأنها أن تضر كثيراً بمصلحة “الوطن” وهو الأمر الذي عانت منهُ البلاد كثيراً منذ مجىء الإنقاذ, وكان السبب الرئيسي وراء العزلة الإقليمية والدولية  التي مازال السودان يُعاني منها حتى اليوم.

من أخطر الأشياء التي ستؤثر على إمكانيَّة إتخاذ الحكومة لهذا القرار الإستراتيجي هى عودة الدكتور الترابي للمشهد السياسي وتقاربه المفاجىء مع الحكومة, فالرجل صاحب فكرة “أمميّة” تهدف لمخاطبة المسلمين في كل أنحاء العالم, وهو كذلك صاحب ارتباطات خارجية مع الجماعات الإسلامية التي فتح لها أبواب السودان على مصراعيها عندما كان هو الشخص الآمر والناهي داخل حكومة الإنقاذ.

وقد قال الرُّجل صراحة في لقاء مع طلاب حزبه إنَّ أحد أسباب تقاربه الأخير مع الحكومة يتمثل في ضرورة توحيد صفوف الحركة الإسلامية من أجل التصدي للهجمة التي تواجهها الجماعات الإسلامية في المنطقة.

لا توجد أمام الحكومة خيارات كثيرة لتحديد موقفها من المحاور قيد التشكل في المنطقة العربية والشرق الأوسط, فهى إمَّا أن تضع المصلحة الوطنية العليا نصب عينيها وتقرِّر بناءاً على ذلك أو تعود لسياستها القديمة المبنيَّة على المصلحة الآيديولوجية ذات الإرتباطات العابرة للوطن :

أمامك فانظر أىُّ نهجيك تنهج      طريقان شتى مستقيمٌ وأعوج.