محاولة لفهم اللغز الإنساني بواسطة حذاء

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

انطلاقا من هذه الأنا المتكلمة، وعلى مدار 17 فصل معنون، موزعة في (133 صفحة)، بلغة حصيفة، ناقش عبدالغني كرم الله، جملة من الأفكار الشائكة، وطرح – بواسطة هوية حذاء – العديد من الأسئلة الرمزية التي تجبر القارئ على التأويل وإعادة التأمل في مشاكل الحياة، وإيجاد الحلول!!

        ولما كان الحذاء، وهذا على الدوام ، هو الرفيق الملازم للإنسان ، تماما كالظل، على اختلاف أجناس البشر وأنواعهم، وتعدد هوياتهم وأعراقهم، وأيضا في كل أعمارهم … نجد أن كرم الله، قد استخدم هذه الخاصية المرنة ، للغوص داخل عمق المجتمع ، وللتنقل واثق “الخطى”، يطرق الأبواب، مستترا وراء الحذاء.

        الرواية تحكي قصة زوج حذاء ، منذ الولادة وحتى الهرم ، قام الراوي بمنحه كل متطلبات السرد ، فملّكه الخطاب ، وبنى له شخصية كاملة ، بمقومات البطل، فجعل للحذاء لسانا يتكلم ويشكي ، وذاكرة يستند عليها ويراجع بكان وكنت ، وجسد له ظهر من جلد البقر.. وبطن من البلاستيك.. وشعر ممشط هو السيور. وكذلك حواس ، كالبصر الذي فتش عبره في معاني وتصرفات الأنسانية. وكالإحساس بالألم الناتج عن هذه التصرفات.. وأيضا خلق كرم الله ، للحذاء ، رحم ومولد وطفولة ونضوج وأم وأب وجد وإخوة ، كما صنع له هوية فردية ينتمي إليها -جنس الأحذية.. ونوعية -لكل ماهو معمول من الجلد.. وجمعية -لأمه البقرة الأصل.. وصادم لنا ، في كثير من جنبات الرواية، بين هذه الهويات المعقدة ، وهو ما قد يكون اسقاطات لكيفية التعامل مع مشكلة تعدد الهوية في المجتمع !

        ليس هذا وحسب، فحذاء كرم الله -إن جاز التعبير- مشبع بالأحاسيس والمشاعر ، من حب وعشق ، شوق وتوق ، حنين وغيرة ، عزة وكرامة ، وتضحية وأماني.. فهو يفطن لجمال الأحذية النسائية ذات الكعب ، ويمني نفسه في كثير الأحاين بالطيران والتحليق ، ويصاب بالحزن والتعب واﻹجهاد. ويتندر ، وينكفئ على قفاه من الضحك..! ونجده تارة داخل معمعة يواجه اعداءه بصرامة ، من الشوك والحجارة والأقدام.. وأخرى نجده مع أصدقاءه ، الشجر والأطفال يعلم ويروي… ومرة نجده يمرض أو يصاب بالدوار وأخرى يسكر وينتشي وثالثة يحلم بلا منام (فالأحذية هنا لا تقفو ولكنها تشارك الأحلام) ، بل وأبعد من ذلك ، حين وضح عبدالغني أن للأحذية إجتماعات – وقت صلاة الجمعة ، وفي الأماكن المحتشدة –  لمناقشة الحريات والمطالبة بالحقوق.!

        هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، استخدام لغة الحوارات الضمنية ، و انعكاسات الأقوال ، مما منح للحذاء التفاعل التام مع الأخر والمحيط ، وتجنب إدارة حوار مباشر إلا في ما يتطلب. وأجاد تخير الأسماء للأماكن.. كما والف مجموعة من الأمثال المحورة ، بما يعكس مدى تطور تفكير الحذاء واكتسابه الحكمة بالتدرج ، فيقول:

        “تموت الأسود في الغابات جوعا ، وحذاء العمدة تمتطيه الحسان”
        و”الحذاء كالريح إذا سكن مات”
        و”الاحذية ع اشكالها تلبس”
        و”تجري جري الوحوش -ويهترئ الحذاء- وغير رزقك ما بتحوش”
        و”لا حك جلدك -من ألم الشوك والدباييس- مثل ظفرك”
        و”حذاء بلا أرجل يوازي جسدا بلا روح”
        وغيرها الكثير.!

        وانعكس ذلك على الأفكار المطروحة : من حتمية القدر والتعامل معه ، وجدلية الغاية والوسيلة ، والهوية بين الأصل والتعددية… وكذلك في ارتفاع حس الحذاء الناقد ، بما جرت عليه العادة وليس من منطق ، كأن يكون للأطفال حديثي الولادة أحذية بمقاسهم ، ويتسائل ساخرا ، الحذاء عنا ، لما هم يولدون حفاة بلا حوافر مادام أنهم يحتاجون للحماية؟!

        كل هذا، أهل الحذاء لمحاولة الفهم، وبطريقة التهكم ، للغز الإنسانية الكبير ، والتعرف على همومه باختلافها ، فالحذاء منذ البدء حين وجد نفسه حبيس قفص زجاجي مغلق، في واجهة معرض، متمنعا بسعر مرتفع ، ظل يراقب الناس وتصرفاتهم من بعيد… ولما انتهت عزلته مع سيدة دفعت ثمن شراء حذاء رجالي كعربون محبة لعشيقها، نجده انطلق مع مالكه الأول، يجوب عالم الرفاهية وجنون الحب ، ويتعلم من تصرفات الناس وانطباعاتهم. وكذا لما انقلب الحال رأسا على عقب ، وتمت سرقته بالخطأ من قبل لص، وتحول بعد ذلك لملكية (جابر)، فأذاقه الأخير إزلال الفقر والبهدلة ، وتحول من حذاء المهمات الواحدة ، إلى حذاء متنوع الاستخدام ومتعدد الراكبين، ومن أحد هذه المشاهد المؤلمة الغير معتاده عليه، والتي شق فيها إلى نصفين أو كاد، بسبب قيادة جابر لدراجة هوائية خربة ، استشف العنوان!

        ومع جابر وزوجته فاطمة وأولادهما والبنت الصغيرة عائشة ، تنفتح عوالم جديدة أمام الحذاء ، ويخطو طرقات وبرك وطين آسن ما كان ليخطوها قبلا ، ويتعجب من أن لجابر عدة حيوات ، وأنه -أي الحذاء- حينما يذهب معه إلى الخمارة كان يسكر كما يسكر الإنسان ، ويترنح بترنحه…! ومع سمرة فاطمة يعي الحذاء ماهية الجمال… وبرفقة “عشة” الطفلة ، التي تفهم وتتخاطب بلغة الأشياء ، يشرح لنا الكثير من المعاني والقيم لفهم حياتنا !

        لكننا حينما ندرك أن الحذاء الكبير هو جسد الإنسان نفسه ، والذي ترتديه أقدام الظروف والهموم ، المرض والنزوات والروح والأحلام، وتسير به في الطرقات الوعرة كمجرد وسيلة لغاية، وأننا على تعدد هوياتنا ، مازال لنا ذات الأصل ، كما هو الحال “للحذاء وأخته كرة الجلد”.. وإن تعاونا، وأدركنا جميعا فروقات الأخر، وقدراته المغايرة عنا، وحاجاتنا المتبادلة الملحة ، فإننا سنسجل بالتأكيد هدفا.. وربما ، ولما لا،  قد نقترب من حل لغز الانسانية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى