أعمدة ومقالات

مُجمَّع الفقه الإسلامي و رجم الزاني المُحصن

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

 بابكر فيصل بابكر

تناولتُ في مقال سابق موضوع حد الرِّدة الذي أشار اليه الأستاذ علي محمد الحسن أبوقناية في مقاله المنشور بصحيفة الرأي العام حيث إتفقتُ معه فيما ذهب إليه من رأي يقول أنَّ حساب المرتد سيكون في الآخرة عند الله تعالى وليس عند مجمَّع الفقه الإسلامي, واليوم أتناول الموضوع الثاني الذي تطرَّق اليه الأستاذ أبوقناية وهو قول المُجمَّع بتطبيق عقوبة الرجم على الزاني المحصن. 

كتب الأستاذ أبوقناية منتقداً موقف مُجمَّع الفقه الإسلامي من رجم الزاني المحصن وقال أنَّ : ( مجمع الفقه الإسلامي يوافق على حد الرجم للزاني المحصن الذي لم تأمر الشريعة الإسلامية برجمه إنما أمرت بجلده لا رجمه أو قتله وذلك من عدل الشريعة التي لم تحاكم من تصرَّف في نفسه مثل ردته ولكن تحاكم من تعدى عن نفسه إلى نفس أخرى مثل حد السرقة وحد الزنا والحرابة, فمن قتل مرتداً يقتل به ومن رجم زانياً يرجم بمثل ما رجم به وذلك  نسبة لحرية الاعتقاد إذ أنَّ الدين الإسلامي من عدالته لم يأمر بقتل المرتد عن دين الإسلام ولا يرجم الزاني ).

في البدء نقول أنّه لم يثبُت ثبوتاً قطعياً أنَّ الشريعة الإسلامية قد أمرت برجم الزانية أو الزاني مُحصناً كان أم غير ذلك, وأنَّ عقوبة الرجم غير موجودة في القرآن, و يرى الباحث الليبي المرحوم الصادق النيهوم صاحب كتاب “إسلام ضد الإسلام” أنَّ الفقهاء أخذوا عقوبة الرجم من الشريعة اليهودية (التوراة).

عقاب (عذاب) الزاني والزانية في القرآن هو الجلد كما ذكرت سورة النور, كما أنَّ هناك أيضاً عقوبات في الدنيا وأخرى يوم القيامة حدَّدها القرآن لحالاتٍ مخصوصةٍ من الزنا, وسنتناولُ أدناه كل ما أورده القرآن بخصوص عقوبة الزنا.

العذاب (العقوبة) الذي قرَّرته/ها سورة النور للزانية والزاني إذا ضُبطا متلبسين هو الجلد مائة جلدة أمام الناس كما جاء في الآية (2) ﴿الزّانِيَةُ وَالزّانِي فَاجْلِدُواْ كُلّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾, ولم تُخصِّص الآية عقوبة مختلفة للزانية المحصنة أو الزاني المحصن, فهى تتحدَّث عن الزانية والزاني بالإطلاق.

وقرَّرت الآية (33) من سورة النور أنَّ الأمة (العبدة) إذا زنت وهى مُكرهة من قبل سيِّدها الذي يملكها فلا عقوبة عليها لأنها غير مُخيَّرة ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَن يُكْرِههُنّ فِإِنّ اللّهِ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنّ غَفُورٌ رّحِيمٌ).

أمَّا اذا زنت الأمة بعد زواجها ولم تعُد مكرهةً على ممارسة الزنا, فإنَّ عقوبتها الجلد خمسين جلدة, وهى نصف عقوبة الحُرَّة المتزوِّجة وهذا ما قرَّرته الآية (25) من سورة النساء ﴿فَإِذَآ أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.

فإذا كان (عذاب) المُحصنة هو الرَّجم حتى الموت – كما يزعُم مؤيدوا الرَّجم – فكيف يُمكن أن تُعاقب الجارية المُحصنة بنصف الموت ؟ وهل يُمكن أن يُقسَّم الموت الى موتٍ كامل ونصف موت ؟ الموت هو الموت.

وتحدَّث القرآن كذلك عن “اللعان” وهى الحالة التي يعجزُ فيها الرجل عن إثبات الزنا على زوجته بإحضار أربعة شهود, في هذه الحالة يشهد الرجل وحدهُ على زنا زوجته أربع مرَّات وفي الشهادة الخامسة يسألُ الله أن يلعنه اذا كان كاذباً, ومن حق الزوجة كذلك أن تدافع عن نفسها بالشهادة أربع مرّات بأنّ زوجها كاذب وفي الشهادة الخامسة تسأل غضب الله عليها إن كان زوجها صادقا في إتهامه لها بالزنا.

وهذا ما قرَّرته آيات سورة النور (6-9) ﴿وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنّ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾

ولم تقل الآية – كما يقول أحمد الدغشي – ( ويدرؤا عنها الموت) مع أنَّ القرآن إستخدم ذات الفعل (درأ) مع الموت في الآية (168) من سورة آل عمران حيث يقول تعالى (الَذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ), بل قالت (ويدرؤا عنها العذاب) وهو نفس العذاب الذي ذكر في الآية (2) من سورة النور, وفي الآية (25) من سورة النساء وهو الجلد وليس القتل بالرجم.

أمَّا فيما يخص نساء النبي فإنَّ الآيتان (30 -31) من سورة الأحزاب تقرران أنَّ عذابهن سيكونُ مُضاعفاً (مائتي جلدة) في حال وقوعهن في تلك الجريمة ﴿ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنّ للّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾, وهنا أيضا نلاحظ أنَّ (العذاب) المقصود هو الجلد وليس الموت لأنَّ الموت لا يُمكن أن يُضاعف ضعفين.

إضافة لعقوبة الجلد فإنَّ القرآن يُقرِّرعقوبة الطرد من المنزل على الزانية المُطلَّقة التي ما زالت في  بيت زوجها لقضاء عدَّتها اذا ثبت إرتكابها لجريمة الزنا, وهو ما ورد في الآية (1) من سورة الطلاق (يَأَيهَا النَّبىُّ إِذَا طلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتهِنَّ وَ أَحْصوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكمْ لا تخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَ لا يخْرُجْنَ إِلا أَن يَأْتِينَ بِفَحِشة مُّبَيِّنَة وَ تِلْك حُدُودُ اللَّهِ وَ مَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظلَمَ نَفْسهُ لا تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يحْدِث بَعْدَ ذَلِك أَمْراً).

وهناك أيضاَ عقوبة أخرى يُضيفها القرآن للتي تزني بعد الطلاق بشرط ثبوت الجريمة عليها, وهى أن يعضلها (يمنعها) زوجها من الزواج مرَّة أخرى حتى ترُدَّ له بعضاً من المال الذي أعطاهُ لها في الصداق, وهذا ما جاء في الآية (19) من سورة النساء﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ﴾.

أمَّا اذا تزايدت الشواهد على إنحراف إمرأة دون ثبوت الزنا عليها بطريقة بيّنة فإنَّ عقوبتها بعد إشهاد أربعة شهود هى الحبس في البيت حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجاً, وهذا ما قررته الآية (15) من سورة النساء ( وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنّ فِي الْبُيُوتِ حَتّىَ يَتَوَفّاهُنّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلاً﴾.

كذلك يتحَّدث القرآن عن الفاحشة بين الرجال (اللواط), والفاحشة بين النساء (السحاق), و يذكر العديد من العقوبات في هاتين الحالتين ( مثل الإمساك في البيوت) ليس من بينها الرجم.

أمَّا الذين يقولون بأنَّ الرسول رجم الزاني المحصن فإنهُّم يستندون الى رواية وردت في موطأ الإمام مالك عن خطبة ألقاها سيدنا عمر بن الخطاب وقال فيها أنه كان في القرآن آية تقول ( الشيخ والشيخة اذا زنيا فأرجموهما البتَّة), وأنه لولا خوفه من أن يُقال زاد عمر في كتاب الله لأمر بكتباتها.

إنَّ معنى كلمة “الشيخ أو الشيخة” في هذه الرواية – إن صحَّت – لا يُفيدُ “الإحصان” المراد هنا وهو الزواج لأنَّ الشيخ ( وهو من إستبانتْ فيه السن وظهرعليه الشيبُ) أو الشيخة قد يبلغا سن المائة دون زواج (إحصان), ثمَّ أننا كذلك نتساءل عن الحكمة من إزالة رسم هذه الآية من القرآن وبقاء حكمها ؟ واذا صح هذا النسخ فلماذا لم تنسخ أحكام سورة النور حكم هذه الآية ؟ وكيف يقول سيدنا عمر بهذه الآية ثم يعُّدها زيادة في كتاب الله يمتنع عن إضافتها الي القرآن ؟    

ثم هم كذلك يستندون الى رواية رجم المرأة الغامدية وماعز إضافة الى أحاديث مجافية للعقل مثل الذي أورده البخاري في صحيحه في باب المناقب حيث يقول : حدثنا نعيم بن حماد حدثنا هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون قال : “رأيتُ في الجاهلية قردةً إجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم”.

فهل يُعقل أن نقتل النفس التي حرَّم الله قتلها الا بالحق إستناداً إلى مثل هذا القول الخيالي المُتكلف عن أنَّ هناك قردة قد رجمت قردة زانية ؟ و كيف يمكن لإنسانٍ أن يعلم أنَّ القردة تتزوج ؟ وأنها ترجم من يخون ويزني ؟ وكيف علم من قال بهذا الكلام أنَّ هذه القردة قد عوقبت بالرجم لأنها زنت ؟ هل أخبرهُ أحد القردة ؟ وهل كانت الحيوانات تُطبِّق حدوداً شرعية في الجاهلية ؟

إنَّ ما نقلهُ البخاري في صحيحه عن عبد الله بن أوفى يكفي للرد على من يقولون برجم الزاني إن هم أعملوا عقولهم وأبتغوا الحقيقة, فقد سُئل عن الرجم هل كان بعد سورة النور أم قبلها ؟ فقال: لا أدري.

الراجح هنا أنّ الرَّجم – إن صح – فإنَّه يكون قد حدث قبل نزول سورة النور لأنَّ الرسول – كما يقول مصطفى محمود – إذا رجم بعد نزول حكم القرآن بالجلد على الزاني فإنَّه يكون قد خالف القرآن , ولا يصحُّ لعاقلٍ أن ينسب للنبي أنَّه خالف القرآن.

إنَّ من أعظم الحُرمات حرمة النفس البشرية, ومن أعظم الجرائم أن تُقتل تلك النفس بغير حكم أنزله الله تعالى الذى خلقها, وإنَّ أعظم الجرائم على الإطلاق أن نفتري تشريعاً بقتل النفس ثم ننسبهُ إلى الله تعالى ورسوله ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذّبَ بِآيَاتِهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ).

 

ولا حول ولا قوة إلا بالله

تعليق واحد

  1. أولاً:
    لا يجوز للمسلم أن يتجرأ على أحكام الشرع الثابتة بالكتاب أو السنَّة ، والواجب عليه التسليم لما قضى الله ورسوله ولا يعارض ذلك بهوى يسميه اجتهاداً ولا برأي يسميه مناقشة ، وقد قال الله تعالى : ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء/ 65 .
    ثانياً:
    حد الرجم للزاني للمحصن ثابت بالكتاب والسنَّة والإجماع ، ولا التفات لرأي الخوارج والمعتزلة قديما في معارضته ولا التفات لأتباعهم حديثاً ، فلسنا نأخذ ديننا من أهل البدع والجهل والضلال والتمييع ، وليس ديننا عرضة للنيل منه بما يسمَّى رأياً أو اجتهاداً أو مناقشة أو تصويتاً .
    قال ابن قدامة – في فصل وجوب الرجم على الزاني المحصن , رجلاً كان أو امرأة – ‏:‏ ” وهذا قول عامة أهل العلم من الصحابة , والتابعين , ومن بعدهم من علماء الأمصار في جميع الأعصار , ولا نعلم فيه مخالفا إلا الخوارج ” .
    وقال :
    ” ثبت الرجم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله في أخبار تشبه المتواتر ، وأجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ” انتهى من ” المغني ” ( 9 / 39 ) .
    ثالثاً:
    وأما آية سورة النور والتي ذكر الله تعالى فيها حد الزاني بأنه مائة جلدة : فإن المقصود به الزاني غير المحصن من الرجال والنساء ، وليس فيها تعرض للزاني المحصن بذكر أو إشارة ، ومما يدل على ذلك : تنصيف حد الجلد في حق الأمَة المتزوجة إذا زنت ، والرجم لا ينصف ، وقد قال تعالى في حدِّها : ( فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ ) النساء/ 25 ، فقوله تعالى ( فإذا أُحصِنَّ ) أي : تزوَّجن ( فعليهنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ ) أي : الحرائر ، والجلد هو الذي يقبل التنصيف ، فالحد مائة جلدة ونصفها خمسون ، وأمَّا الرجم فإنَّه لا يتنصف ؛ لأنَّه موت .
    هذا هو ظاهر الآية ، وأنها في الزاني غير المحصن ، وأما حكم الزاني المحصن فإن حكمه الرجم بالحجارة حتى الموت ، وقد ذُكر في آية قرآنية نزلت وتليت وعمل بها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ثم نسخت تلاوتها وبقي حكمها ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ” إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ فَقَرَأْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوْ الِاعْتِرَافُ ” رواه البخاري ( 6442 ) ومسلم ( 1691 ) .

    وكلا الحكمين ناسخ لحكم سابق للزناة – محصنين وغير محصنين – وهذا الحكم هو الحبس في البيوت ، فنسخ حكم حبس الزاني غير المحصن بآية النور بالجلد ، ونسخ حكم الزاني المحصن بالآية التي جاءت في كلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وقد جاء في السنَّة النبوية ما يؤكد هذين الحكمين والتفريق بين الزاني المحصن وغير المحصن ، فقد جاءت الإشارة إليه في آية قرآنية أنه يحبس في البيت حتى يجعل الله له سبيلاً ، قال تعالى : ( وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً ) النساء/ 15 ، وقد جاء هذا السبيل مبيَّناً في حديث صحيح وهو الرجم بالحجارة للمحصن – وأكدته الآية القرآنية في كلام عمر – والجلد مائة لغير المحصن – وأكدته آية النور – ، فَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : ” قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ ) رواه مسلم ( 1690 ) .

    وعليه : فإما أن تُجعل آية النور خاصة في الزاني غير المحصن ، أو يقال إنها عامة لكنها منسوخة في حق المحصن وحده ، إما بالحديث الصحيح في النص على رجم الزاني المحصن ، أو بالآية التي ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمحضر من الصحابة نزولها وتلاوتها وعملهم بها .
    قال ابن قدامة – رحمه الله – : ” وقولهم إن هذا نسخ ليس بصحيح ، وإنما هو تخصيص ، ثم لو كان نسخاً لكان نسخاً بالآية التي ذكرها عمر رضي الله عنه ” انتهى من ” المغني ” ( 10 / 117 ) .
    رابعاً:
    وأما قول الصحابي عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه لما سئل ” هَلْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ” فقَالَ : نَعَمْ ، ثم سئل : ” بَعْدَ مَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ النُّورِ أَمْ قَبْلَهَا ؟ ” قَالَ : لَا أَدْرِي “: فليس فيه حجة لمن قال إن الرجم لم يقع بعد آية النور ، وإنها نص في عموم الزناة ! لأن الصحابي الجليل ابن أبي أوفى قال إنه لا يدري ، وهو لم ينف ولم يثبت شيئاً ، وقد ثبت أن الرجم وقع بعد نزول سورة النور ؛ فآية النور نزلت بعد حادثة الإفك ، وأبو هريرة رضي الله عنه كان أسلم بعدها ، وقد حضر إقامة حدِّ الرجم على زانٍ محصن ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : ” أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( أَبِكَ جُنُونٌ ؟ ) قَالَ : لَا قَالَ : ( فَهَلْ أَحْصَنْتَ ) قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ ) .
    رواه البخاري ( 6430 ) ومسلم ( 1691 ) .

    قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – : ” وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور ؛ لأن نزولها كان في قصة الإفك ، واختُلف هل كان سنة أربع أو خمس أو ست ، والرجم كان بعد ذلك ، فقد حضره أبو هريرة ، وإنما أسلم سنة سبع ، وابن عباس إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع ” انتهى من ” فتح الباري ” ( 12 / 120 ) .

    وقال – رحمه الله – : ” قوله ” لا أدري ” فيه : أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه بعض الأمور الواضحة ، وأن الجواب من الفاضل بـ ” لا أدري ” لا عيب عليه فيه ، بل يدل على تحريه وتثبته فيمدح به ” انتهى من ” فتح الباري ” ( 12 / 167 ) .
    خامساً:
    قول عمر رضي الله عنه في الآية التي نزلت في الرجم ليس له تعلق بمسألة ” حجية قول الصحابي ” ؛ لأن المنقول عن عمر رضي الله عنه ليس رأياً له في مسألة ، بل هو رواية لنص من نصوص الوحي ، وكان ذلك بمشهد من جمعٍ من الصحابة رضي الله عنهم ، ولا فرق في هذا بين ما نقله هنا وما نقله – مثلاً – من قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّمَا الأَعْمال بِالنِّيَّات ) – متفق عليه – .
    وانظر جواب السؤال رقم ( 111382 ) .
    وانظر جواب السؤال رقم ( 110237 ) ففيه بيان الحكَم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم .
    سادساً:
    وأما قول عائشة رضي الله عنها في مسألة ” رضاع الكبير ” فله اتجاهان :
    الأول : ما نقلتْه – رضي الله عنها – في حديثها عن رضاع سالم مولى أبي حذيفة من زوجته سهلة ، وقد كان ابناً لهما قبل تشريع تحريم التبني ، وهذا النقل منها – رضي الله عنها – هو نقل لوحي وتشريع وليس له تعلق بمسألة ” حجية قول الصحابي ” وهو كما ذكرناه آنفاً في كلامنا عن عمر رضي الله عنه في المسألة السابقة .
    الثاني : ما اجتهدت فيه – رضي الله عنها – من جعل الحكم عامّاً في كل كبير فوق السنتين ، حينما تحتاج أسرة لإدخاله في بيتها من غير وقوع في حرج النظر والخلوة ، وهذا اجتهاد محض منها رضي الله عنها ، خالفها فيه سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ : ” وَاللَّهِ مَا نَرَى هَذَا إِلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ وَلَا رَائِينَا ” رواه مسلم ( 1454 ) .
    وقد خالفها فيه – أيضاً – جماهير الصحابة والتابعين والفقهاء .
    وانظر الأدلة وأقوال العلماء في جوابي السؤالين ( 85115 ) و ( 175072 ) .
    والله أعلم
    منقول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى