أعمدة ومقالات

التغيير وقيد العقل الرعوي

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

د. النور حمد

يقول المفكر البريطاني، جون غراي إن مسار التاريخ ليس خطيًا، أي؛ أنه لا يسير، في جملته، في خط صاعد، من الأدنى إلى الأعلى، أو من الحالة “المتخلفة” إلى الحالة “المتقدمة”، وفق ما هو سائد في فهوم الناس، منذ قرون طويلة. يرى غراي أن حركة التاريخ حركة دائرية، كحركة الفصول؛ صيفٌ، فخريفٌ، فشتاءٌ، فربيع، وهكذا دواليك. وقد أوضح غراي هذا المفهوم في كتابه الممتع، المثير للجدل، “صمت الحيوانات: حول التقدم وغيره من الخرافات الحداثية”، The Silence of Animals: On Progress and other Modern Myths. وفقًا لغراي، فإن التاريخ هو عبارة عن أحوال تتقدم، ثم لا تلبث أن تعود القهقري.

يفتح مفهوم غراي هذا، الباب واسعًا لمراجعة بعضٍ من المفاهيم الحالمة التي رسخها فكر الحداثة. فعلى سبيل المثال، حين انهارت الشيوعية ارتدت يوغسلافيا عن مفاهيم الشيوعية وأمميتها. أكثر من ذلك، ارتدت يوغسلافيا حتى عن ما يجعل الدولة القطرية دولةً متماسكة، فتحولت، عبر حروب طاحنة، إلى دويلاتٍ صغيرةٍ، أساسها الأصل العرقي. هذا يعني، ضمن ما يعني، أن تجاوز القبلية، وتجاوز الطائفية عبر ممسكات الحداثة، لا يتم، وبالضرورة، في كل سياقٍ على نسقٍ واحد. كما يعني أن القبلية لا تزال حية، رغم الايديولوجيات ورغم مفاهيم الحداثة ورغم تغير علاقات الانتاج وتقدم البنى التحتية.
يستطيع أي قائدٍ شعبويٍّ مفوّه أن يشحن الجماهير، ويقود أمةً بكاملها إلى حتفها، كما فعل هتلر. أو أن يقودها إلى قبلية عنصرية بدائية بالغة الشراسة والبربرية، كما فعل ميلوسوفيتش، أو إرجاع كل أحوال البلاد إلى قبليةٍ فجةٍ كما فعلت الانقاذ. أو إلى تعظيمٍ وتهليلٍ للتجزئة، رغم مخاطرها البيِّنة، كما طبلّت وهلّلت صحيفة “الانتباهة” للانفصال، فتبعها جمهورٌ غفير،ٌ من ضمنه رجال الحكومة أنفسهم.

سبب هذه المقدمة القصيرة المبتسرة، هو محاولتي تقديم إضاءةٍ لجدلية العقل الرعوي، والعقل الحضري المديني، وهي جدلية ذات تجلياتٍ واضحةٍ في مسار التاريخ الإنساني. وهي أوضح ما تكون في التجربة السودانية عبر القرنين المنصرمين.
جلبت الخديوية نظاما حداثيًا للسودان، ولكنه كان نظامًا غاشمًا باطشًا، ما لبث أن اقتلعته الهبة المهدوية الرعوية، التي ما لبثت، أن استحالت إلى فوضى عارمة. ثم جاء البريطانيون وأعادوا تأسيس التحديث من جديد ودفعوا به، من حيث البنى القانونية، والسياسية، والاقتصادية، إلى أفقٍ أعلى من سابقه. ولكن الاستقلال جاء بهبةٍ رعويةٍ جديدةٍ، تمحورت منذ بدايتها حول كتابة “دستور إسلامي”، لا يعرف الداعون له عنه أكثر من اسمه وصفته “الاسلامية” المزعومة. وأستهلك الجدل العقيم حول ذلك الدستور المبهم، طاقات الجميع، على مدى تجاوز الثلاث عقود من الزمان. ثم جاء الرئيس جعفر نميري، ليقفز بهذا الموضوع الذي لا علاقة له بالتنمية أو بترفيع حياة الناس، قفزةً أخرى في الظلام، أكبر من سابقاتها، فكانت قوانين سبتمبر التي أعادت حراك التحديث عقودًا إلى الوراء. بل، هيأت قوانين سبتمبر الملعب للدكتور حسن الترابي وقبيله ليأتوا بأكبر هبةٍ رعويةٍ في تاريخ السودان الحديث، من حيث تعقيد تركيبها، وأخطبوطية أذرعها، وحجم إطفائها لنور العقل والمعرفة، وإماتتها للوجدان الجمعي، فأوصلت البلاد إلى ما نراه ظاهرًا أمام أعيننا، اليوم، في كل شيءٍ.

أما من أمثلة الماضي البعيد، فيمكننا أن نذكر، أن القبائل الجرمانية الرعوية تمكنت من القضاء على الإمبراطورية الرومانية. كما قضت قبائل المغول الرعوية على الإمبراطورية الإسلامية في حقبتها العباسية. وأرهق “النوبا” السود، وفق تعريف أحمد الياس حسين، حضارة “النوبة” السمر في وادي النيل الأوسط في السودان. كما تسببوا في مشاكل لدولة أكسوم الفتية الناشئة حينها، ما جعل امبراطورها القوي، عيزانا، ينزل من هضبته، ويكتسح السهل النيلي، بـ “نوباه” السود و”نوبته” السمر، ويدق آخر مسمار في نعش تلك الحضارة الانسانية الرائدة. أيضًا، أدى تدفق الرعاة العرب، بعد ذلك بقرون، إلى تحويل السودان من بيئةٍ حضرية، مقتدرة في الفعل الحضاري، إلى بيئة رعوية. فارتدت البيئات السودانية المختلفة من بناء الحجر ذي النسق الهندسي الراقي، إلى أبنية الطين والقش. وبقيت الآثار المعمارية الباهرة للفترة الكوشية، غريبة وسط هؤلاء الذين فشا فيهم العقل الرعوي، فظلوا يظنونها، حتى وقتٍ قريبٍ جدًا، صروحًا من صنع الجن.

بنهايات القرن الخامس عشر الميلادي وبداية القرن السادس عشر، انضم الرعاة العرب الوافدون إلى السودان إلى السكان المحليين الذين فشت فيهم الرعوية، وطفقوا يناوشون الممالك المسيحية الإسلامية المستقرة حتى أضعفوها. ونجح تحالف منهم مكوّنٌ من عرب القواسمة والفونج، في تدمير مملكة علوة المسيحية، ومحو بقايا التحضر التي كانت قد استُنقذت، هونًا ما، من الغزو الأكسومي. جرت تسوية سوبا، عاصمة دولة علوة، بالأرض، وأصبح “خراب سوبا” حادثةً تاريخية يُضرب بها المثل. ولم تستفق الحضارة الكوشية السودانية العريقة، عالية النسق، من حالة فقدان الوعي، إلى يومنا هذا. وهي استفاقةٌ نأمل أن تحدث في المستقبل القريب.

أيضًا، قضى الرعاة، الذين جيشتهم الوهابية في إقليم نجد، بشعاراتٍ بالغةِ البساطةِ والسطحية، حول مفهوم التوحيد، ضد حكم الأشراف في الحجاز، وضد سلطان العثمانيين والخديويين التابعين لهم. فسيطر التدين الرعوي، حتى يومنا هذا، على الجزيرة العربية من أقصاها إلى أدناها، إلا قليلا. بل وأنتج هذا التدين الرعوي الممتزج بالسلطة الزمنية وبأموال البترول، ولا ويزال ينتج، من المهددات، من شاكلة “القاعدة” و”داعش” و”طالبان”، ما أصبح يرعب ويزلزل كيان كل إنسانٍ مشفقٍ على مستقبل الحضارة الإنسانية.

يقول المؤرخون إن التصدع الداخلي هو ما ساعد القبائل الجرمانية في القرن الخامس الميلادي على الاستيلاء على روما العاصمة، بعد قرون طويلة من الصراع المتقطع. فبنية العقل الرعوي، إنما تتسلل من ثقوب بنية الحضارة القائمة، حين تهزل الأخيرة، وتنحل قواها، فتسيطر بنية العقل الرعوي على مركزها. ويضيف المؤرخون أن من بين أسباب سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، الفساد الذي استشرى وسط المسؤولين، وحالة اللامبالاة التي اعترت السكان، إضافةً إلى ما صاحب ذلك من تفككٍ اجتماعيٍّ كبير. ويضيف المؤرخون أيضًا، أن سنوات الإمبراطورية الرومانية الغربية الأخيرة، شهدت عزوفًا كبيرًا وسط المواطنين في الالتحاق بالجيش، ما أضطر الحكام إلى استئجار أجانب لمهام الدفاع عنها. غير أن هؤلاء الأجانب الذين جرى استئجارهم للعمل في الجيش الروماني، كانوا ضعيفي الولاء لمخدِّميهم، فهم لم يكونوا يخدمون بسبب دوافع وطنية، وإنما بسبب المال. وحين توقف تدفق المال إلى جيبوهم، تباطأوا في واجبات الدفاع عن الإمبراطورية، فسقطت. وهكذا ترتد الأمور، في منعطفاتٍ بعينها، من التقدم إلى التأخر، ومن النظام إلى اللانظام.

استخدمت الإنقاذ، مؤخرًا، مليشياتٍ قبلية، لكي تبقي على نظام حكمها. بعض هذه المليشيات محليّ، وبعضها الآخر، مستجلبٌ من أقطار الجوار. بهذه المليشيات تمكنت الإنقاذ، أو كادت، أن تقضي على حركات دارفور المسلحة. كما أخذت هذه الميلشيات تمثِّل ضغطا متزايدًا على الحركة الشعبية قطاع الشمال. لكن ما لا تعلمه الإنقاذ، هو أن هؤلاء الذين استخدمتهم في إضعاف الحركات الدارفورية، وتحاول بهم دحر الحركات المسلحة في جبال النوبة والنيل الأزرق، أخطر عليها، وعلى مستقبل وحدة القطر، من الحركات المسلحة العاملة في كل هذه المناطق.

ويمكن أن نأتي بمثالٍ شبيه للاستخدام الخطأ، للقبيل الخطأ. فقد ظن الأمريكيون، نتيجة لقصور دراساتهم المتعلقة بأحوال الشعوب، وعدم احتكاكهم بهم، أن بإمكانهم طرد الشيوعية الروسية التي زحفت على أفغانستان، عن طريق ايقاظ النزعة الدينية الجهادية وسط الشعب الأفغاني. تعاون الأمريكيون مع السعوديين، وهكذا وجد التفكير الديني الرعوي الوهابي، موطئ قدمٍ له في أفغانستان. خرج الروس من أفغانستان بسبب المقاومة الشرسة للمتدينين السلفيين من أفغان، ومما سُمي بـ “الأفغانٍ العرب”. بعثت تلك الخطة الأمريكية، غير الحصيفة، غولاً رعويًا نائمًا من ثباته، وملكته آلةً عسكرية، وخبرةً عسكرية، وكثيرًا من الأموال. فلم تستقر أفغانستان، منذ سبعينات القرن الماضي. بل أخذت هذه البنية الدينية السلفية الرعوية، تفرخ من صور الإرهاب، عبر العالم، ما جعل كلا من أمريكا وأوروبا واقفتين على أمشاط الأصابع، حتى يومنا هذا.

يمكن القول الآن، أن ما جرى للإمبراطورية الرومانية، في غابر العصور، يجري الآن في السودان، على ذات النسق، رغم الفوارق الكبيرة بين الحالتين. فأهل الانقاذ، الذين تفرقوا، مؤخرًا، شذر مذر، أضحوا بلا قدرة على التفكير السوي، أو التحليل الموضوعي. فحالة الانقاذ، وعموم الدولة السودانية الآن، أشبه ما تكون بحالة سنار، عشية الغزو الخديوي لها. فالتفكك الداخلي الذيو أصاب الدولة السنارية من الداخل، جعلها لقمةً سائغةً للقوة الأجنبية. وهكذا، كان احتلال اسماعيل بن محمد علي باشا لها، عام 1821، أشبه ما يكون بنزهةٍ عند الأصيل، على شاطئ النيل الأزرق. فقد خرج سلطان سنار في كامل قيافته وأبهته مستقبلاً الغازي الأجنبي خارج أسوار المدينة، وسلمه مفاتيح المدينة مقاليد حكم سلطنته المنخورة من الداخل، وهو مطأطئٌ رأسه.

صوّر جاي أسبولدينق حالة سنار في سنواتها الأخيرة في كتابه “عصر البطولة في سنار” فقال: “تقمصت الطبقة الوسطى الجديدة، على سبيل المثال، شخصيةً عربيةً، ومارست النظام الأبوي، وتعاملت بالنقود، ومارست في معاملاتها التجارية قوانين الشريعة الإسلامية، واستأثرت بالصدقات، واشترت العبيد، وحددت علاقات التبادل، وقيدت الرعايا الأحرار بالديون، وفرضت مفاهيمها القانونية والأيديولوجية على الحكومة، ثم طالبت بالإعفاء من كل الالتزامات تجاه الدولة، وخصّت نفسها بمجموعة متنوعة من المهام التي كانت، إلى حينها، تقوم بها الدولة أو طبقة النبلاء، وأهمها إدارة القضاء والضرائب”. (انتهى نص سبولدينق). ومن ينظر إلى هذا التوصيف الحاذق لهذا الأكاديمي الضليع، يرى، وبوضوح شديد، أن هذا هو ما جرى وظل يجري منذ أن وضع الدكتور حسن الترابي وقبيله الدولة السودانية في قبضة المنظومة الرعوية الفالتة والعقل الرعوي الذي بعثوه.

بنية العقل الرعوي التي رعاها الإسلاميون، هي التي أخرجتهم من الحكم واحدًا تلو الآخر. وهكذا أصبحت مقاليد الأمور في يد قلّةٍ قليلة تدير البلاد أمنيًا، ساندةً ظهرها إلى أخطبوطٍ رعويٍّ نفعي، سبق أن ناصر كل الأنظمة، على اختلافها منذ الاستقلال، وحال بينها جميعًا، وبين أن تعمل عملاً نافعا. الآن، تحولت الدولة السودانية، إلى مجرد دولة جبايات. فأرهقت كاهل الرعايا بالأتاوات، وأسرفت في تقييدهم بالديون. بل سلبتهم أهمَّ مقومات حياتهم، التي عاشوا عليها منذ الأزل، وهي الأرض. فما يسمى “المجلس الوطني”، وما تسمى “الجمعيات الخيرية”، وأعني هنا تحديدًا، من تحمل منها صفة “الإسلامية”، وما يسمى “المحليات”، وما تعج به الحواري والدساكر مما يسمى “لجان شعبية”، وما تعج به المكاتب الحكومية من امبراطوريات صغيرة للرشوة والفساد، ليست، في مجموعها، سوى “تمددات انقاذية” لبنية العقل الرعوي الذي نخر بنية الدولة الحديثة وحولها إلى حيازاتٍ خاصة، فأضحت الدولة مجرد قوقعةٍ فارغة. يأكل هذا الأخطبوط الرعوي أموال الدولة، وأموال الناس في آنٍ معا. وما الحديث الكثير الذي دار، قبل فترةٍ، حول “أورنيك 15″، سوى محاولة بائسةٍ يائسةٍ، لا نفع منها، لضبط هذا الأخطبوط الرعوي الذي لبس جسد الدولة بأكمله وأحاله إلى قوقعة فارغة، مثلما فعل بسابقتها دولة سنار. يأكل العقل الرعوي الدولة، والنظام، وحكم القانون، ويقضي على الرؤية والهدف، كما يأكل السوس الجذوع. ودونكم مقدمة أبن خلدون في أحوال الغابرين المماثلة، من خلق الله.

مثلما سقطت سنار تحت ضغط ثقلها الذاتي، سيسقط حكم الإنقاذيين، تحت ضغط ثقله الذاتي، أيضًا. والسؤال الذي يشغلني، كما سبق أن أبنت، لا يتعلق بكيفية اسقاطه، فسقوطه، في نظري، حتمي. السؤال المهم في نظري: في أيدي من سيسقط؟ وهل سيعقب سقوطه استقرار، أم فوضى ما لها من قرار؟ من يفكرون في أن كل العلة إنما تكمن في الحكومة، لا غير، لا يعرفون شيئا؛ لا في علم السياسة، ولا في علم الاجتماع. فهم مندفعون، ولا يختلفون في اندفاعهم، من هؤلاء الرعاة الذين حكمونا منذ ما يقارب الثلاثين عامًا، فـأحالوا كل شيءٍ إلى رماد.

إن الثورة الحقيقية هي الثورة التي تقف ضد الحاكم، كما تقف ضد الثائر الذي يجهل العلل البنيوية التي تعاني منها ذاته، وثقافته. فالثائر الجاهل يندفع منطلقًا من مجرد الاحساس بالظلم، مكتسبًا من هذا الإحساس، أحقيةً وسلطة أخلاقية زائفة، تجعله يطالب بالتغيير، حتى لو لم يعرف ما هو التغيير في حقيقته، ولا كيف يكون. هذا الاحساس العاطفي غير الناضج، يمنع الثائر من رؤية اشكالاته، واشكالات ثقافته، ومجتمعه، لينشغل بفعل الثورة أو الانتفاض، أو الانقلاب العسكري، ظانًا أن في ذلك كل الخلاص. لكن، بمثل هذه العقلية المتعجلة، يعيد العقل الرعوي انتاج ذاته، على نحو أسوأ. ويتمخض فعل التغيير لديه عن مجرد هباءٍ تذروه الرياح.

إعادة العقل الرعوي انتاج نفسه عبر فعل الثورة، هو بالضبط ما قام به الإخوان المسلمون، حين قاموا بانقلابهم في يونيو 1989. سموا انقلابهم “ثورة”، بل وسموها، “ثورة انقاذ”. لم ينتبهوا إلى أنهم التصقوا في دوافع فعلتهم تلك، بالدين التصاقًا رعويًا فجًا، أخفوا به عن أنفسهم العلل البنيوية التي تحيط بفكرهم وبممارساتهم. مطوا قاماتهم الأخلاقية القزمة، استنادًا على تعاليم الدين، وعلى التماهي الوهمي مع نماذج الممجدين من السلف الصالح، وليس اعتمادًا على معرفةٍ عميقةٍ راسخةٍ، أو كسبٍ أخلاقي حقيقي. هذا الادعاء الأجوف، هو ما فضحته تجربتهم العملية لاحقًا، فأخذوا يشيرون إلى بعضهم حين ينتقدون تجربتهم، بـ “الجماعة ديل”. لا غرابة أن انصرف الإخوان المسلمون، لحظة امساكهم بالسلطة، إلى محاولة “تربية الناس” وصبهم في ما يرونه قالبا للفضيلة. هذا على الرغم من أنهم لم يكونوا يملكون من محصول المعرفة ومحصول التربية شروى نقير.

خلاصة القول، إن الرعوية يمكن أن تكون دينية، كما يمكن، أيضًا، أن تكون علمانية. فمن يدعون إلى الثورة، من العلمانيين، ضيقًا برعوية الإسلاميين، يمطون قاماتهم بغير حق، ويلبسون أنفسهم، زيفًا، لبوس النقاء والتجرد، ويركبون صهوات خيل عالية، متقمصين السلطة الأخلاقية بلا تأهيل حقيقي. هؤلاء لا يدرون أنهم يقومون بذات الفعل الرعوي، الذي قام به الإسلاميون حين قاموا بانقلابهم. فالواجب المباشر لديهم هو اشعال الثورة، وشعارهم: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. من يرفع عقيرته بالأسئلة وبضرورة المدارسة، وفحص السياق القائم فحصًا دقيقًا، والتريث، يجري اتهامه بافتعال الحيرة، بل ربما يجري تخوينه، ودمغه بأرذل الصفات. وهكذا يشترك بعض العلمانيين مع بعض المتدينين في إعادة انتاج العقل الرعوي، بالإعلاء من شأن الشحن العاطفي، والتبسيط البئيس، و”الكلفتة”.

د. النور حمد

‫14 تعليقات

  1. العقل الحداثي ينتج الان في أمريكا ظاهرة ترامب /كلينتون وهي في جوهرها ظاهرة تعيسة كما أن النازية والفاشية جديدًها وقديمها كانت في مجتمعات تسمي متحضرة
    تمت إبادة الهنود الحمر لدواعي حضارية كما تمت ابادة مئات الألوف بأحدث إنتاج لتكنولوجيا السلاح في هيروشيما وناكازاكي
    الان عشرات المتعلمين في الغرب يقودون داعش وأجهزة إعلام متطورة تدعم الإرهاب وتدافع عن أنظمة مستبدة وتبرر التعذيب كما حدث في ابو غريب والسجون الأممية
    كيف يمكن تبرير تلك الأفعال في مجتمعات حداثية؟..كيف يمكن تبرير قتل المواطنين من أصول أفريقية في الشوارع وانتشار حركة black life mater.؟ …في بلد مثل أمريكا إلا يشبه ذلك بشكل ما منهج مليسوفيتش ..كيف يمكن تفسير نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والقتل خارج القانون في إسرائيل؟
    النظرية في حاجة للأحكام والتطوير والشمول لربط الظواهر وتفسيرها والا ستكون نظرية انتقائية لا حظ لها في الحياة مع ملاحظة أن تلك الأنظمة الموصوفة بالحداثية كانت تدعم التخلف والتشرزم والاستغلال كما هو الحال في الإدارة الأهلية ودعم النظم الديكتاتورية كخليفة بعد الاستقلال

  2. المقال جميل لكنه خلص الى نتيجة لا اراها مقنعة، اولا لا يمكن تشبيه العلمانية بالدينية، فهما نقيضي بعضهما، وثانيا ان العلمانية منتج اجتماعي احدث ولاحق واشمل واعمق واعقد من مرحلة الرعوية، او ثقافة القطيع، الدينية، والعلمانيون عندما يدعون الى التغيير، وليس للثورة بمعناها الكلاسيكي الشامل، لا يمكن لهم بحكم علمانيتهم ان يتلبسوا لبوسا اخلاقيا تجريديا اطلاقيا كما هو حال الفكر الديني الموغل في الرجعية والرعوية، وهو مظهر تخلف لا يمكن لعلماني راسخ ان يقبل به، ولا اظن ان حداثيا قال يوما انه صاحب سلطة اخلاقية على آخر. العلمانيون، ومنهم برتنارد راسل، قالوا ان لا سلطة لانسان لانسان تجعله سيدا على آخر، وهم بهذا في الضد تماما من الرعوية العلمانية كما اراد لها الاستاذ كاتب المقال، اما شعارات المعارك واصواتها فهذه طروحات قومية اشتهر بها البعثيون والناصريون لاعتبارات تتعلق بمرحلة تاريخية محددة زالت بعدها لانتفاء مسبباتها، العلماني الحداثي الحقيقي ينتج فكرا مغايرا لعقلية القطيع، فهو يقول (كما قيل في بداية الثورة الفرنسية) انا اختلف معك تماما لكنني مستعد ان اموت دفاعا عن حقك وحريتك في التعبير… كيف يمكن لعلماني اذن ان يشترك مع الديني في اعادة انتاج رعوية جاء هو في الاصل للخروج منها والقضاء عليها لاقامة مجتمع مواطنة وحقوق وواجبات، مجتمع يعمل مع حركة التطور الطبيعية ولا يقف ضدها.

    1. السلام عليكم
      اود ان ارد عليك في عصبيتك للعلمانية
      هل كان ستالين شيخ اسلامي ام قسيس مسيحي او كاهن بوذي ؟ هل كان هتلر يدعو لحكم الله ؟؟ هل كان الامريكان اكثر حداثوية عندما جندوا عملاءهم لأغتيال الرؤوساء المنتخبين في امريكا اللاتينية وهل كان الفرنسيون متسقين مع مبأدي العلمانية عندما ارتكبوا المجازر في الجزائر ؟؟؟

      لا تحتمى بي مثالية جان بول سارتر وغيره من الحداثويين فالواقع قد خذلهم نسبة للنزعات الرعوية التى ذمرها الدكتور في المقال

  3. أعدت قراءة المقال وأقول انه كان لابد من تعريف العقل الرعوى اولا حتى نعرف ما يعنى د النور حمد. لى ناس الفلسفة كانط عرف العقل واظن عرف تلاته مستويات. سارتر برضو وفى العالم العربى كلنا يذكر مجلدات د محمد عابد الجابرى ومؤلفاته تكوين العقل العربى وفى نقد العقل العربى الخ.
    كل هوءلاء قاموا بمجهود علمى مقدر لتعريف ما يقصدون بالعقل وبنياته المختلفة.
    هذا لا يعنى ان المقال غير ممتع ويطرح أسئلة ويحفز على التفكير.
    كذلك استعمال العقل الرعوى كاداة سحرية تتجاوز الزمان والمكان لتفسر الأحداث من شرق أوروبا الى السودان ومن أفغانستان الى مملكة ستار.

  4. المسالة في السودان اكبر من ذلك كيف يمكن ان نخرج بوثيقة او اتفاق يترأسه عليه الجميع حول كيف ان يحكم السودان ومؤسس لدولة المواطنة والتي تحكمها قيم الدين الحقيقية

  5. بس السؤال ماهي ديناميات العقل الرعوي المذكور والذي استصحبه صاحب المقال للتشريح التاريخي.
    بمعنى آخر ما الذي أنتج العقل الرعوي ومحركاته التى من الواضح أنها كوابح للنمو المجتمعي في كل الحقب.
    وهل تبعا للنظرية أعلاه عقل زراعي وعقل تجاري بحسب تقسيمات المجتمع.
    يخيل لي التحليل الفاعلي ل محمد الشيخ أكثر عمقا في دراسه الراهن وتحليل بنياته الثلاث تناسلي.اقتصادي.خلاق.لان المحركات واضحه في كل بنيه ومالات الفرد والمجتمع أكثر وضوحا.
    مقال جميل . حبا للجميع

  6. بالنسبة لي كقاريء عادي اري ان الدكتور النور حمد ينطلق من عموميات و من قراءة أحادية للتاريخ الإنساني بالإضافة إلي ذلك فهو لا يعرف مصطلح عقل رعوي في مقالته ، كما نجد الدكتور و حسبما فهمت من ثنايا المقال يحاول أن يضع شروطا للعقل و أن كان لا يصرح بهذا تتطابق مع العقل الغربي مع العلم أنه لا توجد شروط محددة للعقل خارج إطار الثقافة الإنسانية و خصائصها المميزة لكل بيئة و أعتقد أنه لا يوجد عقل رعوي و آخر زراعى و صناعي و لكن هناك عقل حضاري علي اختلاف درجات تطور هذا العقل الحضاري بالإضافة إلي هذا كله نري الدكتور النور حمد يعقد المقارنات بين حقب تاريخية سياسية و اجتماعية في مسيرة تطور مجتمعاتنا و بين حقب أخري خاصة بمسيرة التاريخ الغربي و الأوربي خلال فترة الغزو الجيرماني و النورماني مرورا بالاحتلال السوفياتي لأفغانستان مطلقا صفة الهجمات الرعوية علي كل ذلك و هذه المقارنة قد لا تصمد أمام المنهج العلمي لقراءة التاريخ الذي ترفدنا به مدارس فلسفية حديثة مثل الماركسية التي تتبني التحليل المادى للتاريخ الذي يفرز العوامل الموضوعية عن غير الموضوعية من أجل فهم الأسس المادية التي تقف وراء تطور المجتمعات . خلاصة القول انا شخصيا كقاريء أري أن مقال الدكتور النور هو خلاصة أفكار تاملية بالدرجة الأولى و قد تواجه مأزقأ حقيقيا حين تعريضها لضوء المنهج العلمي الصارم ..

  7. رغم إعجابي بالمقال ولغته إلا أنني لم أرى فيه جديدا لافتا . فمقدمة ابن خلدون قالت كل ذلك كما أشار الكاتب على استحياء.
    كما أن التشبيهات المستخدمة للفترات التاريخية الحديثة بثنائية حداثي/رعوي كانت شديدة الابتزال بغرض التبسيط ربما، لكنه كان تبسيطا مخلا في نظري بشكل لم يعودنا عليه الكاتب من قبل.
    حمل المقال كذلك إشارات خافية لقناعات شخصية مختلف حولها.

    الملخص أن الكاتب دعا للتريث عن فعل التغيير المجهول لكنه لم يجب على سؤال مهم عن ماهية التغيير المطلوب تحديدا من وجهة نظره و كيف يريده أن يتم وفي أي حيز زمني مقدر من عمر الإنسان أو الأوطان أو التاريخ الذي بدأ به مقاله المتشائم .
    هل يريد الكاتب من الجميع ان يجلسوا في انتظار الكارثة؟ هذا ما عن لذهني.
    على العموم شكرا للكاتب فلو لو لم يثر المقال إلا أسئلة فقد أوفى.

  8. الدكتور النور حمد لم يكن طرحه مبني على حقائق علمية ولا دراسات واقعية بل وضع له مسميات من نسجه هو. للاسف صدمت ولم أتوقع ان هذا النور حمد بهذا الفهم الغريب.

  9. قراءة تطوُّر/ اضمحلال المجتمعات من زاوية ثنائية متحضر/ رعوي تعطي صورة قاصرة، ومن ثم جعل الروءية تشمل على الأمثلة المذكورة اعلاه تُسقط عوامل كثيرة جدا و مفصلية، كعامل الاقتصاد وتعالقاته الاجتماعية، بنية وظائف وعلاقات مكونات المجتمع ( طبقات اجتماعية، فئات، طوائف دينية، وغيرها ) ومن ثم مدى فاعلية/ صراع هذه المكونات لحصولها على السلطة ( السلطة الاجتماعية ليست السياسية ) وتوجيهها لمسار الدولة، اضافة الى قراءة الدورة الثقافية وتتبع نضج المكونات الحضارية وصولا الى الزروة ومن ثم السقوط، او التحوُّل والاندماج مع ثقافات اخرى.
    كل هذه العوامل بديناميتها تحدد بشكل ما صعود/ صمود او سقوط دولة ما، بالتأكيد الإشارة الى همجية العقل الرعوي مهمة جدا وهي احد اهم العوامل التي اثَّرت وما زالت توءثِّر في مسيرة الدولة السودانية، لكن طرح د/ النور حمد ، لهذا الأثر باعتباره نظرية شاملة ومفصلية لسقوط الدول فيه الكثير من القصور.
    تم من قبل طرح مماثل لثنائية العقل الديني/ العقل العلمي في نقد العقل السوداني في مقاربة شبيهة لتحليل الأزمة، وفي رأيي اي قراءة تحاول مقاربة الأزمة بأقصر/ اسهل الطرق ستكون قاصرة وذلك أرجعه الى أهمية التركيب الوظيفي والعلاءقي للمجتمع مضافا اليه الاقتصاد كعامل موءثر في تغيير/ قيادة السلطة المجتمعية لإرساء/ سقوط عوامل حضارتها ومن ثم الدولة.

  10. لا شك أن الدكتور النور حمد من الكتاب السودانيين المتميزين ، لذا كا طبيعياً أن تجد اطروحته حول”العقل الرعوي” اهتماما كبيراً من بعض القراء ومن الأكاديميين من هم في قامة الدكتور عبد الله علي إبراهيم. اتفق مع الدكتور علي في أن على النور أن يعرف ماذا يقصد بالعقل الرعوي حتى تقف اطروحته على رجليها، هذه مسألة بديهية عجبت كيف لم يعرها النور انتباهاً. لا أحد يطلب من النور أن يقدم بحثاً مكتملاً، لأن لا أحد في مقدوره أن يقدم بحثاً مكتملاً، لأن العمل الإبداعي دائما مفتوح على الاطلاق قادر على تجاوز ذاته. لذا يكون الكاتب محظوظاً إذ يجد من يهتم بما يكتب ويشير إلى نقاط الضعف إن وجدت. العمل العظيم هو الذي يفتح المجال ويستوعب مساهمات الآخرين. لذا أود أن أشير إلى النقاط التالية في أطروحة العقل الرعوي علاوة على ما تفضل به الدكتور عبد الله:
    1 – منح النور العقل الرعوي كماً من الأدوار والوظائف دون أن يحدد التركيب الذي يسمح بهذه الوظائف، مع علمنا أن لا وظيفة بلا تركيب. على سبيل المثال ما هي الخصائص التكوينية للعقل الرعوي التي تسمح له بتوليد نظامه المعرفي، ونظامه القيمي ومفهومه للذات الرعوية.
    2 – تحدث النور عن ظواهر للعقل الرعوي تتعلق بالطبيعة الإنسانية دون التأسيس لنظرية في الطبيعة الإنسانية. هل الطبائع الرعوية انعكاس للبيئة ،كيف؟ والعقل الرعوي كما قدمه النور يتجلى في كل البيئات. هل هي نتاج لمراحل التاريخ، كيف؟ وهي تتجلى في كل المراحل. هل هي نتاج للبيولوجيا، كيف أبدعت البيولوجيا هذا الشيطان؟
    3 – موضع النور العقل الرعوي في التاريخ، أيضا دون تأسيس نظرية في حركة التاريخ. اختار نظرية التطور الدوري التي قال بها ابن خلدزن واسوولد اشبنقلر وارنولد توينبي، لكن أيضاً بالمقابل توجد نظرية التطور الخطي التي قال بها ماركس وانجلز ونظرية التوازن والاستقرار البنيوية التي قال بها ليفي اشتراوس. يجد كل من هذه النظريات سنده في حركة التريخ. لذا فإن المشكل الراهن في حركة التاريخ لا يتطلب قبول طرف والغاء الأطراف الأخرى بقدر ما يتمثل في علاج مشكلة البنية والتاريخ، بمعنى كيف تيسر للبناء الاجتماعي توليد مسارات متنوعة لحركة التاريخ؟!.

    لا أخفي سروري بالطريقة الأكاديمية الثرة التي أدار بها كل من عبد الله والنور الحوار لهما كل الاحترام والتقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى