أعمدة ومقالات

مناحات الاسلاميين في مآتم الوطن

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

في تلك الظهيرة التي أعقبت عشية  ما عرف لاحقاً بخطاب الوثبة , تنادى جمع من الصحفيين لحضور المؤتمر الصحفي لهيئة قيادات تحالف قوى الاجماع الوطني في دار الحزب الشيوعي السوداني بالخرطوم , و بعد ان تلا رئيس الهيئة الاستاذ فاروق ابو عيسى البيان الذي يحمل رد قوى التحالف على خطاب البشير , و ملخصه عدم الممانعة من المشاركة في الحوار من حيث المبدأ و لكن لكي يكون الحوار منتجاً لابد من توفر الشروط الموضوعية للحوار المتكافئ و على رأسها إتاحة الحريات العامة , و اطلاق سراح المعتقلين السياسيين , و وقف الحرب في مناطق النزاع المسلح .

كان لافتاً للنظر جلوس الاستاذ كمال عمر ممثل حزب المؤتمر الشعبي في التحالف في صفوف الحاضرين , و هو القيادي بل و الناطق الرسمي باسم التحالف منذ فترة ماضية , فلما طلب إليه الحديث قال باقتضاب (إن المؤتمر الشعبي باق بالتحالف و انه مع اسقاط النظام) , لقد تغدى كمال عمر في مائدة المعارضة , فيما كان شيخه الترابي (رحمه الله) قد تعشى البارحة في مأدبة النظام , إنه توزيع الادوار , و ممارسة الخداع التي شب عليها تنظيم الاسلاميين , و رضعه صغارهم عن كبارهم , و من ثدي فقه الحركة , فإن الكذب عبادة و الخداع سنة , و كل الموبقات الاخلاقية مبررة , فالنية الصادقة هي التي تبرر خطيئة الاسلامي إن هو اخطأ .

عوّل الاسلاميون على حوار الوثبة كثيراً , فقد يمهد لهم الطريق لازالة جفوة السنوات الماضية بين شقيهم , و سرت في اوساطهم نشوة العودة للنبع القديم , فالشعبيون منهم قد تطاولت على معظمهم سنوات البعد عن مراتع السلطة الخصيبة , و مواردها الوفيرة , و امتيازاتها الوثيرة , فقد اسسوا لكل ذلك مع رفاقهم الاخرين في شق حزب المؤتمر الوطني , و قد رأى الاخيرون ان في عودة الصفاء بينهم و اخوتهم اولئك راحة نفسية و تخلص من تأنيب الضمير الذي لازمهم منذ طرد شيخهم و بعض اتباعه من مراقي السلطة و حرمانهم من التمتع بثمرات (ما أفاء الله به عليهم من ثمرات) , اما الطيبون من الجانبين فقد رأوا في اجتماع الاسلاميين ريّا لاشواقهم .

الواقع السياسي بطائرته المطربة , التي تحمل في جوفها وطناً مخطوفاً و شعباً مقهوراً يعيش في حالة حزن مقيم و عزاء متصل و مأتم على كل شئ , كانت الطائرة تحلق للهبوط في مدارج خطط الاستخبارت الامريكية و الاوربية باسلوبها الناعم , و ما يتطلبه ذلك الهبوط من التخلي عن حمولات الايدلوجية الاسلاموية و تبعاتها , لقد تطلب الامر مسح الاحذية بل لعقها , و تغيير وجهة العلاقات الاقليمية من (نصرة المستضعفين)إلى ممالاة الظالمين , فقفل بلف العون لحماس بقطع العلاقات مع إيران التي تحولت فجأة من جمهورية الخير و البركة الاسلامية إلى بؤرة الشر و زارعة الفتن و مهددة امن و امان الاراضي المقدسة , كان الاسلامييون يمنون النفس بوحدة تقيهم شر عاديات البزنس و سطوة (مكتب التجار الذي ابتلع التنظيم) على حد تعبير د. تجاني عبد القادر في مقالات له منشورة قبل عشر سنوات , كانوا يأملون في الصمود امام هيمنة (اخوانهم الصغار) و التعبير كذلك من منحوتات د.تجاني المار ذكرها , و يعني به غلبة اجهزة الامن على ما عداها , تلك تجربة تمددت لحوالي تلاتين سنة من عمر شعب السودان , زرعت الخوف و بددت الثقة , و جففت الضرع , و ايبست الزرع , و شتت شمل البلاد حتى بات لمّ شعثها امراً عسيراً , فبعد ذهاب الجنوب ها هو عبد الواحد محمد النور يجدد المطالبة بحق تقرير المصير لدارفور , و الحبل على الجرار , فما من شئ يجبر الناس على العيش ضمن بلد تمطر سماءه موتاً و تشتعل ارضه حريقاً و لهباً , و تلك كانت شذرات من خطايا الاسلاميين في سنوات حكمهم للبلاد , فما بالهم يتباكون الآن و يولولون كون عمر البشير قد وضعهم تحت الجزمة و ان بكري نذير شؤم عليهم , أوليس الاول رئيسهم و (هبة السماء) لتنظيمهم , و التعبير منسوب للراحل الترابي في مسدار مدحه للبشير ! أوليس بكري نائب الامين العام لحركتهم الربانية التي تتجه قوافل هجرتها إلى الله ! ما بالهم ينوحون و يقيمون المآتم لان عزيز عليهم (السلطة و الجاه) ربما غادرهم بغتة , و مآتم البلد الممدودة بامهات الضحايا في كل انحاء السودان و طيلة سنوات حكمهم لم ترفع بعد , فالارواح العزيزة التي فقدت لم تكن تهيم في فلوات وحدتها بل كانت تقيم في اجساد اصحابها الذين لهم اهل و ماض و كانوا يحلمون بغد .

لن يجدي النواح , و لا إظهار الذلة و المسكنة كما بدت في خطاب شيخ الزبير احمد حسن للرئيس البشير , لقد انتهت الدولة السودانية إلى ضيعة تحرسها المصالح الذاتية و الوساوس , و صارت دولة امنجية بامتياز , و من كان تعويله على عسس السلطة خاب .

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى