أعمدة ومقالات

عثرات في مسيرة البناء الوطني

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

تاريخ السودان الحديث , منذ مطلع القرن السادس عشر الميلادي يشير بوضوح إلى انتقال امتيازات السلطة و الثروة إلى المكون العربي و الاسلامي في المجتمع السوداني , بعد ان ظل تاريخ السودان النيلي على الاقل مرتبطاً بالنوبيين و غيرهم من العناصر الزنجية , منذ ذلك الحين صارت متلازمة العروبة و الاسلام تشكلان رافعة الارتفاع و الهبوط الى تحقيق الامتياز على المستوى الفردي و الجماعي , و بنهاية السلطة السنارية و مجئ الاستعمار التركي المصري في اوائل القرن التاسع عشر تم تكريس هذا الامتياز , و على نهجه كانت فترة المهدية , و استمر ذات المنوال على ايام الاستعمار الثنائي , فلم يتبلور مفهوم القومية السودانية على مر الاجيال , و عندما ولدت دولة السودان المستقلة منذ اكثر من 60 سنة ولدت بذات العاهة , فلم تكن النظرة لمكونات المجتمع السوداني من خلال واقع التعددية العرقية و الدينية , و كان واضحاً ان مسعى تحقيق الوحدة الوطنية يقوم على مفهوم (الوحدة التماثلية) كما اسماها البروف عطا البطحاني في احد كتبه المنشورة , و هي وحدة تقوم على فرضية وجود مثال للهوية السودانية (عربي اسلامي) على الآخرين من غير هذا المكون ان يتماهوا معه , و قد لحظ د. الباقر العفيف في كتيبه حول وجوه الهوية في ازمة دارفور , ان بعض الافراد او العشائر ذات الجذور غير العربية يحاولون خلق صلة عرقية تربطهم بالعرب جراء شعورهم بالامتياز الذي يمكن ان يحققه لهم مثل هذا الانتماء .

مع ظهور الحركة الشعبية / الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة العقيد د. جون قرنق , في 1983 م برزت على الساحة الوطنية مسألة البناء الوطني القائم على مفهوم التعددية و الهوية السودانوية كبديل موضوعي لمفهوم الوحدة التماثلية السائد . و عوضاً عن التوقف و التأمل ملياً في هذا الطرح الجديد , تمت مواجهته مباشرة  بادوات القمع و القهر المعهودة على المستوى الرسمي الذي تمثله الحكومة و قواعد المستفيدين منها على خلفية الامتياز التاريخي للمكون العروبي و الاسلامي , و كان ان تصاعدت وتائر الغبن لدى الاوساط المهمشة في وطنها و خاصة في جنوب السودان حتى بلغت مرحلة التخلي عن الوطن الكبير جملة واحدة , لقد كان رد جماعة الامتياز التاريخي على المطالب المشروعة هو تصعيد مشاعر الانتماء للهوية العربية الاسلامية في السودان بإنفاذ ما عرف بقوانين الشريعة الاسلامية منذ 1983م و المزايدة بها في فترة الحكم الديموقراطي القصيرة في منتصف الثمانينات , لتبلغ المزايدة ذروتها بسيطرة الحركة الاسلامية على السلطة بقوة الانقلاب العسكري في 1989م , ليبدأ الفصل الحالي من فصول هدم ركائز البناء الوطني القويم .

لقد شكل مشروع بناء السودان الجديد حضوراً قوياً في الساحة السياسية السودانية , و اصبحت نبرة المطالبة بالحقوق العادلة وسط مكونات المجتمع السوداني التي رزحت لقرون تحت سيطرة و توجهات مجموعة الامتياز السابقة , فلا غرو ان كانت القواعد و الروافد الرئيسة المكونة للحركة / الجيش الشعبي في غالبيتها من اقاليم الجنوب سابقاً و جبال النوبة و جنوب النيل الازرق حالياً , كما ان المجموعات المهمشة في دارفور قد انتظمت هي الاخرى في حركات سياسية مسلحة لا تبعد كثيراً عن دوافع الحركة الشعبية لتحرير السودان , و كذلك لمجموعات في شرق السودان .

ان ما جرى مؤخراً من تطورات و خلافات في قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان / شمال , يمكن قراءته من خلال واقع الازمة الماحقة التي تواجه مشروع بناء السودان الجديد , و لعل في سياق ما اورده الفريق عبد العزيز الحلو ضمن اسباب استقالته عن موقع نائب رئيس الحركة , انه قد يكون حجر عثرة امام تحقيق السودان الجديد , خاصة في ما يتعلق بتمثيل (النوبة) في قيادة الحركة , فالحلو من القادة الذين لا تخطئهم العين و لا يمكن بأي حال تجاهل مساهماته و تضحياته الجسيمة من اجل بناء وطن يسع الجميع و يليق بهم كبشر اسوياء على قواعد الانصاف و العدالة و حقوق المواطنة الكاملة و المتساوية لكل مكونات المجتمع السوداني في ظل دولة ديمقراطية رحيمة , لقد وضح ان هنالك خلافات تنظيمية و سياسية جعلت القائد الحلو يجد صعوبة في التعامل مع رفيقيه مالك عقار و ياسر عرمان حسبما يقول من دواعي استقالته , والاخيران مما لا يمكن المزايدة على تضحياتهما كذلك من اجل ذات المشروع , وهنا يكمن الموقف الحرج الذي وضعت امامه جموع المهمشين و المنتمين فكرياً او تنظيمياً لمشروع السودان الجديد , كما ان الركون إلى مطلب نيل حق تقرير المصير لجبال النوبة قد لا يشكل حلاً موضوعياً لقضايا النوبة , و لا لقضاية غيرهم من السودانيين الذين يواجهون الاضطهاد في وطنهم , و إذا كانت مصائر (الزرقة) في دارفور قد آلت إلى تشريد و نزوح و لجوء, فان بعضاً من مسؤولية ذلك يعود إلى قيادات الحركات السياسية المسلحة انفسم بانقساماتهم الاميبية , و لا يتصور ان يتكرر ذات السيناريو في قيادة الحركة الشعبية , كما ان تجربة جمهورية جنوب السودان بكل اخفاقاتها تجعل التفكير كرتين ضرورة لابد منها , الخلافات شئ طبيعي و معالجة اسبابه واجب وطني و انساني و امل يتطلع إليه ملايين السودانيين حتى في اوساط المجموعات التي حازت على الامتياز التاريخي . الامل موجود و لولا الامل و الحلم بالغد ما كانت حياة .

تعليق واحد

  1. مسالة العنصرية والتهميش التي تبناها الحركة الشعبية بقيادة قرن ومن ثم حركات دارفور مجرد خطاب سياسي ويصلح للتعبئة اكثر من اي شيء اخر وحتي الحركة نفسها فشلت في تطبيق سطر واحد من مبادئها عندما انفردت بالسلطة في كامل مناطق الجنوب
    انا لا اعتقد ان العصابة الحاكمة تجتمع لتهمش منطقة دون الأخرى بل تركز في بقائها في السلطة بشتي الاساليب بغض النظر عن تلك الاساليب هلي هي اساليب عنصرية ام جهوية ام حتي اساليب وحدوية اي نقيض للعنصرية ونلاحظ كلما بدا الحراك الشعبي انتشرت الشائعات وسط المواطنين بان الغرابة او الجنوبيين سيقوم بقتل الناس في الشوارع او الاغتصاب الي اخره والغرض هنا معروف ولا يمكن تسميته بالعنصرية بل انتهازيون ويستفيدون من الشرخ الاجتماعي الموجود منذ الاذل.
    لنفهم هذه المواضيع علينا ان ننظر الي كل المجتمعات من حولنا عربية كانت ام افريقية بل حتي المجتمعات الاوربية فالاستعلاء العرقي والطائفية أي شتي اصناف العنصرية موجودة وبسبب هذا الاستعلاء العرقي فقدت الانسانية 50 مليون في الحرب العالمية وايضا افريقيا خسرت الملايين ومازال النزيف مستمر والان نشاهد الماسي في الشرق الاوساط بسبب الطائفية.
    السؤال المنطقي ما هو الحل؟
    الحل يحتاج الي الارادة والخطط البناءة والي عشرات السنوات من العمل الجاد ولكن ان تحلها بالبندقية وبالخطب السياسية او سن قوانيين فلن نصل ابدا للحل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى