فيما يلي الجزء الثاني من الحوار الذي أجراه الأستاذ عثمان ميرغني مع الدكتور منصور خالد:

*في لحظة اعتراف نادرة، أنت كتبت مطالباً النخبة السودانية – بمن فيها أنت- الاعتذار للشعب السوداني وقلت بالنص الحرفي (لأن النخبة حرضت وتآمرت أو على أقل تقدير قبلت و أذعنت للحكومات العسكرية).. ما هو طبيعة هذا الاعتذار الذي تطالب به؟

أنا كل ما أريده هو أن لا يكرروا الأخطاء بالإصرار عليها، ثانيا أن يقولوا للشعب السوداني (نحن آسفين أخطأنا).. بل ولا حتى هذه.. فليقولوا فقط (أخطأنا).. الشعب لا يريد منهم أكثر من ذلك.. أنا ضربت مثلاً في كتابي “هوامش من سيرة ذاتية” بالمستشار العلمي للزعيم النازي “هتلر”  كان في محكمة “نورنبيرغ” وكان آخر الذين مثلوا أمام القاضي – الذي أصبح في ما بعد النائب العام لبريطانيا- سأله “الآن بعد أن سمعت بكل هذه الإفادات عن الجرائم التي ارتكبها النازيون هل كنت على علم بها؟” رد عليه “هذا السؤال لا يجب أن يوجه لأمثالي”.. فسأله القاضي “لماذا؟ “فقال له “لأن أمثالي يجب أن يدركوا إن هذا النوع من الأنظمة سيقود لمثل هذه النتيجة”.

هذا ما ظللت أنا أقوله للنخبة والساسة، لا نريد منهم أن يقفوا في الشارع ويعلنوا توبتهم.. لا.. فقط إعترفوا بأنكم أخطأتم وأن الأنظمة نفسها التي دعمتموها أنظمة خاطئة ولا مناص من أن يتمتع الشعب السوداني بالحرية والديموقراطية التي تتمتع بها كل الشعوب واستطاعت أن تتطور بها. بلد مثل الهند من كان يصدق أن تصبح من الدول الأقوى اقتصادياً في العالم، من كان يصدق، لكني أرى ذلك بسبب احترام القادة لحقوق الإنسان وتوفير الحريات والحوار بين كل القوى السياسية وعدم عزل أي شخص. من الأقوال الشهيرة لـ”نهرو” وكان يصر على أن يكون الدستور علمانياً فقالوا له 80% من شعب الهند هم هندوس لماذا تحرمهم أن تكون ديانتهم هي السائدة؟ فقال لهم “لسبب بسيط أنا أتمنى أن يسير كل مواطن هندي مرفوع الرأس في أي مكان في الهند أيا كان دينه”.. نحن نحتاج لمثل هؤلاء القادة، ربما يكون صعباً توفرهم لكن على الأقل هذا هو النموذج الذي نبحث عنه.

محمد أحمد المحجوب قال (لم تتح للديموقراطية في السودان الفرصة المناسبة).. في رأيك ما هي الفرصة المناسبة التي يقصدها المحجوب؟

(بدهشة).. لم تتح؟ هذا كلام غير سليم.. أفتكر أتيحت لها أكثر من فرصة.. أولاً عندما يكتب المحجوب كتاباً عن (الديموقراطية في الميزان) وعندما يكون ثلثا الكتاب عن قضايا خارجية لا صلة لها بالسودان، اليمن فلسطين الأمم المتحدة وغيرها  فهو هروب من الموضوع.. ثانياً ولم يرد حرف عن حل الحزب الشيوعي الذي حدث في عهده هو.. كيف يقول لم تتح لها الفرص؟ أتيحت لها فرص وعملت ما لا يجب أن تفعله.

في بعض كتبك قلت إن واحداً من الأخطاء التاريخية في حكم السودان اعتبار قضية الجنوب مشكلة تمرد لا أكثر بدلاً من التعامل مع الظلامات الاجتماعية، هل ترى أن الأمر نفسه ينطبق الآن على دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق؟

يعني بالنسبة لدارفور أو جنوب كردفان التململ موجود ولم يكن أمراً طارئاً، لكن إذا كان في البرلمان ممثلون لغرب السودان “إيه اللي خلاهم” يتحالفوا.. وعندما أقول الغرب أقصد شرق السودان أيضا.

“مقاطعة” لكن في الماضي كانت الأحزاب من المركز تصدر مرشحين إلى الغرب ليفوزوا بأصواتهم.. مثال لذلك ترشيح السيد عبد الله خليل في دارفور؟

التحالف كان موجوداً في البرلمان وعلى رأسه إبراهيم دريج من دارفور و”فيليب عباس غبوش” من النوبة وكان فيه “عواض” من الشرق وهو ضابط كبير في الشرطة وكان ممثل البجا، كلهم كانوا يتوحدون مع الجنوبيين في التصويت في البرلمان.

ولذلك لا أحد يمكن أن يدعي انهم لم يكونوا ممثلين، كانوا يتحدثون عن الفقر في مناطقهم وحقوقهم، لا يمكن أن تتهم رجالاً في مثل مقام “دريج” و”عواض” بأنهم كانوا مستغلين.

الأحزاب السودانية تأسست على تحالفات بين النخبة والطائفية، هذا ما وصلت إليه أنت في أحد مؤلفاتك، في رأيك كيف يمكن إصلاح هذا الوضع؟

الأحزاب لا يمكن أن يرسم لها دستور أو مخطط، لها قيادات تستطيع أن تستلهم مشاعر الناس وتحظى بتأييدهم وتستغل الفرصة المناسبة، لا أعتقد أنها قضية من أين تبدأ.. أنا أستطيع أن أرسم لك خارطة طريق جميلة جداً لكن لا أظنها تنجح.. لا بد من ناس مؤمنين بالأفكار ومستعدين للتضحية من أجلها، وإرادة لتحديثها ولا بد من برنامج، قصة كل عشرة يجتمعوا لتأسيس حزب كلام فارغ، لا بد من برنامج مستقبلي وآني، وإلا ستحكمنا الحالة التي نعانيها الآن، والذين لديهم مشروع لكن لا علاقة له بواقعنا كما هو الحال عند الأحزاب الإسلامية ستفشل حتى ولو بعد أربعين سنة.

 

 

ألا توافقني أن الأحزاب السياسية عندنا تهتم بالعلامات التجارية، أقصد الشعارات أكثر من العمل الحقيقي لصالح الوطن والشعب؟

الحزب الوحيد الذي كان ممكناً أن ينمو نمواً طبيعياً هو حزب الاتحاديين لأنهم مثقفون وعندهم أفكار وكانوا يحاولون الاستعانة بالتجارب الخارجية لكنهم أصبحوا ضحية لما أسميها المشكلة السودانية أو المعضلة السودانية أنهم لما ذهب الاتحاديون مع الختمية هم مشوا مع الأنصار.

هل تقصد مجموعة الأحزاب الاتحادية الحالية؟

لا أنا لا أتحدث عن الأحزاب الاتحادية أنا أقصد حزب الاتحاديين بالتحديد الحزب الذي قام على  مدرسة أبو روف لأنه كان حزباً وطنياً حقيقياً جمع الناس مختلفي الأعراق والهويات وأفكارهم مثل أفكار نهرو إنفتاح حتى على العالم.

لكن أنا أشك أن الأحزاب الموجودة حالياً لديها برنامج عمل أو خارطة طريق، لديهم شعارات لكن بلا برنامج.

لو أردنا أن نرسي أركان الجمهورية الثانية في السودان على أنقاض أخطاء وعبر الماضي، على أية مفاهيم نبدأ؟

والله شوف؛ القاعدة مريضة، ولسوء الحظ السودانيون – وهذا ليس  قذفاً فيهم- لكن بطريقة تكوين الشعب السوداني لا يزال عندهم بقية من انتمائهم العرقي هو الذي يكيِّف مواقفهم. ما زال – وهو الأخطر- رواسب الرق موجودة في أذهانهم.. من البساطة بمكان أن تجد من يقول (شوف العبد داك) هل تعلم في أمريكا لو استخدمت كلمة “نقيرز” تعتبر جريمة؟، لكن هنا بسهولة وفي أي مكان وبدون حياء تقال كلمة “عبد”.

المشكلة هذه هي التي تقف في سبيل تأسيس ما تعتبره الحزب المثالي، أنا أفتكر أن السودان في حاجة للمتعلمين – مستدركاً- لا أحب كلمة المتعلمين لأن هناك من لم يدخلوا المدارس وهم أكثر استنارة.. أنا في حاجة لناس مستنيرين، جماعة لا يكون شاغلهم كيف تصل للحكم.

لهذا أنا آثرت الكتابة على أي عمل آخر، لأني كلما أجلس مع جماعة من الذين يشتغلون بالسياسة أجدهم غرباء على القضية.. همهم (نعمل شنو في الانتخابات).. بينما هو يبحث عن ما يوفر الطعام والشراب لزوجته وأولاده في البيت.. كان يجب أن تكون تلك هي قضيته الأساسية.

 

اليوم 2018 في رأيك إلى أين تمضي الدولة السودانية وفق المعطيات التي بين أيدينا؟.

شوف مسار التاريخ لا يتغير في العالم، هناك مشكلة كبيرة.. جاء نظام أو حزب حكم البلد لمدة طويلة بكثير من القهر لكن هذا النظام لطول المدة التي قضاها والأفكار التي يدعو لها أو يسعى لتحقيقها حتى وان لم يحترمها أعطته احساس انه سيبقى لأبد الآبدين في نفس الوقت أسلوبه في التعامل مع المخالفين له في الرأي بدلاً من الاعتراف بهم واسترضائهم عاملهم بالقهر وأفلح في استخدام القهر لكن الشيء الذي لم يفكر فيه ان أسوأ حاجة لأي نظام أن يضطر لقهر شعبه لأن القهر علاوة على انه يولد مرارات فهو يستنفد طاقات، فبدلاً من العمل لتبني البلد ولتطبيق مشروعك، انشغلت بحروب داخلية، الوضع هذا هو الذي يحدد النتيجة النهائية للعبة الحاصلة.

في رأيك ما هي أسباب توتر العلاقات بين السودان ومصر؟

أنا لما توليت وزارة الخارجية صككت تعبيراً هو (خصوصية العلاقة) مع مصر وكنت أعتبر كل الكلام عن العلاقات الأزلية كلاماً خالياً من المحتوى. في مشاكل حقيقية لا بد من علاجها، وفي مفاهيم خاطئة أن المصريين يريدون استرداد السودان بدلاً من الحوار والاتفاق. لما كنت وزير خارجية وقعت خلافات كبيرة وصلت مرحلة الخصام بين النميري والسادات وكان السبب تافهاً لكن عالجناه لأننا اعتبرناها قضية ولا بد أن تحل وبالحوار المتواصل.

حتى اليوم مصر تحس أننا بلدان لكن أخوين.. ولأننا نحن بلدان لا بد أن يكون عندنا وعندكم الحرية أيضاً أن تتخذوا سياسات قد لا تكون متوافقة.. اختلفنا كثيراً مع السادات وصلت العلاقات مرحلة كدنا أن نتوحد معاً.

أنا لا أظن أن الحكومة المصرية بالغباء الذي يمكن أن تتعامل مع السودان بنفس الطريقة التي تتعامل بها بعض الصحافة المصرية مع السودان، ما في منطق في ذلك.

لنأخذ قضية حلايب مثلاً.. في الماضي ناقشناها وقررنا أن تكون منطقة مشتركة للاستغلال الاقتصادي ونبحث عن طريقة لتنفيذ ذلك وهو ما لم يتم، لكن المهم على الأقل كنا نبحث عن مخرج يحافظ على حقوق كل بلد ويضمن أن يعيش البلدان في وئام. لا اعتقد إننا كنا نضحى بكيانات وطنية، لأنه من الغباء أن نتكلم عن الوحدة العربية الشاملة، والوحدة الأفريقية الشاملة ونتكلم عن منظمات اقتصادية مشتركة، وعندما نأتي  لمرحلة التطبيق العملي في قضية معينة نقول هذه خيانة، هذه قراءة لمن يعيش خارج التاريخ.

 

السودان في رحلة الاستقطاب بين المحاور، من محور إيران إلى الخليج ثم الذهاب إلى روسيا وطلب المساعدة؟

لا يمكن أن يكون هناك محاور بهذا القدر من التناقض، كل محور يناقض الآخر. السياسة الخارجية  لو تركت للدبلوماسيين، وأنا بالمناسبة افتكر غندور (راجل حرفي كويس) لو تركت للدبلوماسيين وللخبراء في العلاقات الدولية يمكن أن تعالج بدلاً من التخبط، لأن التخبط هو سبيل من (راح ليهو الدرب)، لا يمكن تمشي يمين وشمال في نفس الوقت.

لمن ستعطي صوتك في انتخابات 2020؟

(ضاحكاً) ما جاني زول يقدم نفسه، أنا شايف كل زول بيقدم في أسماء أو بالأحرى اسم واحد.

حسناً، لأي حزب ستصوت في انتخابات 2020؟

لا.. لا.. أنا لا أصوت لحزب أبداً، أنا أصوت لشخص اقتنع به لو مد الله في العمر.

قرار فاتك اتخاذه، أو اتخذته ثم ندمت عليه؟

أنا رجل قدري..

“مقاطعة” أو ربما تقصد  صوفي؟

نعم صوفي، لا أعرف ماذا يحدث غداً. أكتب لكن لا أتوقع.. أسأل الله أن أعيش لأكملها لكن لا افتكر أني أستطيع أن أكمل كل حاجة.

أنت من سلالة سجادة صوفية، وولدت في حضن أم درمان ثم أتيحت لك الدراسة في الغرب أمريكا وباريس فكنت منصور خالد بكل هذا المزيج؟

شوف أنا افتكر التصالح مع النفس هو بداية النجاح

وإلا في النهاية (حا يروح ليك الدرب) أو تكون منافقاً،

انا أتصالح مع نفسي قد اتخذ مواقف كثيرة يرضى عنها البعض ويغضب وينفر عني البعض، و لكن أنا أؤمن بحرية كل شخص أن يفكر بالطريقة التي يريدها.

أي الأحزاب أقرب إليك؟

حزب الأمة كنت أقرب إليهم، (يفكر قليلا) كنت أقرب لعبد الله خليل.

تقصد أنك أقرب للسيد عبد الله خليل كشخص وليس الحزب؟

نعم عندي تقدير كبير لعبد الله خليل كشخص ورقم وطني لا كحزب.

شكرا يا دكتور، وعذراً لإرهاقك بالجلسة الطويلة؟

الجزء الأول من الحوار منشور على الرابط:

https://www.altaghyeer.info/2018/02/23/%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%87%D8%A4%D9%84%D8%A7%D8%A1-%D9%83%D8%B0%D8%A7%D8%A8%D9%88%D9%86-%D8%8C-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D9%87/