فايز السليك

وسائط التواصل الاجتماعي ليست صديقة دائماً

  حين أطاحت ثورة ٢٥ يناير في مصر بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قيل إنه التقى بالرئيسين الراحلين أنور السادات وجمال عبد الناصر؛ فسآلاه ان كانت الاطاحة به تمت عن طريق اغتيال منصة، أم  بسبب تناول جرعات سم مدسوس؟ فرد مبارك لا هذا ولا ذاك بل ” فيسبوك” وتكشف الطرفة دور وسائط التواصل الاجتماعي في عملية التغيير السياسي.

والتي جاء دورها في السنوات الأخيرة متزامناً مع تفجر ثورات ” الربيع العربي بعد أن استخدمت شعوب تونس ومصر وليبيا وسائط التواصل الاجتماعي؛ في عملية التوعية والتنظيم والحشد في الشوارع والميادين.

وكنت أشرت في مقال سابق الى دور الناشط وائل غنيم  في ثورة يناير بعد أن أنشأ صفحة ” كلنا خالد سعيد” على الفيسبوك، وبلغ عدد أعضائها وعضواتها ٢٥٠ ألف عضواً خلال فترة ثلاثة أشهر؛ مع العلم أن نسبة مستخدمي الأنترنيت في مصر في تلك الفترة كانت تبلغ حوالى ٣٥٪ من جملة السكان  وفق احصائيات مركز بيو الأمريكي لاستطلاعات الرأي العام.

واليوم في السودان؛ يتطلع معظمنا إلى هذا الكائن الأسطوري، ويترقبون من عنايته تفجير ثورةً تطيح بنظام الجبهة الإسلامية القومية الإرهابي الشمولي، وغالباً ما يكون هذا الانتظار؛ من دون

 إن مهمة ابتداع وسائل جديدة ومتطورة مهملة سهلة، وتأتي صعوبة المهمة بسبب تعدد مراكز قوى المعارضة التي تهدف الى احداث تغيير حقيقي، فلا يخفى على مراقب انعدام مركز موحد لمعارضة منظمة أو حزبية، وهو ما لا يزال يهزم فكرة ابتداع وسائل جديدة للتواصل وللتنظيم وللحشد والتعبئة.  لقد جرب الناشطون من الشباب العمل عبر وسائط التواصل الاجتماعي في ظل سيطرة النظام على الإعلام التقليدي، وفي ظل فشل المعارضة في تأسيس قناة تلفزيونية أو امتلاك أي وسيط تواصل تقدم عبرها رؤاها للتغيير. كانت تجربة فبراير ٢٠١١ تجربة ضعيفة، وهي كانت رد فعل أو تقليد لثورة يناير المصرية والياسمين التونسية.  ولأن التجربة  كانت هشة وعشوائية فقد انتصر النظام في عملية استخدام االفيسبوك لبث الاشاعات كنهار البحث عن ” شهيد ” أو اصطياد المعارضين في ميدان عقرب ببحري.  كما سعى النظام الى تشكيل كتائب أو وحدات جهاد الكتروني بغرض اثارة البلبلة ونشر الشائعات المغرضة وخلق الفتن والخصومات والتخريب وسط المعارضين. وتكرر ذات السيناريو في يوليو ٢٠١٢ وسبتمبر ٢٠١٣.

هذه الوقائع تفرض علينا طرح تساؤلات حول مكامن الخلل؛ أهي في وسائط التواصل الاجتماعي أم في مستخدمي الوسائط من المعارضين السودانيين؟ وهل يمكن أن تحقق الوسائط ثورة؟ أم الثورة تتحقق بفعل على الأرض؟ وما هي العلاقة ما بين الفعل على الأرض والفعل في العالم الافتراضي؟

و في تجربة مصر مثلاً؛ أكدت نتائج دراسة جامعية للطالبة المصرية، صفاء عبد العال ونشرتها الأهرام ” أن نسبة 74 % من عينة الدراسة تستخدم الفيس بوك لمناقشة الموضوعات السياسية كأهم الاهتمامات، وأثبتت نتائج الدراسة أن نسبة 75.1 % أكدوا علي أن للفيس بوك تأثير في الحشد لثورة 25 يناير، في حين أن نسبة 12.5 % من عينة الدراسة أكدوا أن موقع تويتر أسهم في قيام ثورة 25 يناير. صحيفة الأهرام

 

بالطبع؛ الحقيقة البديهية هي أن وسائط التواصل الاجتماعي هي وسائل لا غايات؛ بالتالي تحتاج الى استراتيجيات محددة وواضحة لكيفية استغلالها، وغير ذلك يمكن أن يكون سلاحاً مرتداً على قلب مستخدمه ان لم يحسن استغلاله.

الأمر المؤكد أن قيادات القوى السياسية المنظمة تعتصم بجبال التقليدية في تصوراتها وفي وسائلها؛ لذلك نلاحظ ضعف الاهتمام بالإعلام البديل، وكلما كان الحزب عتيقاً قلت درحة اهتمام قيادته بالوسائل الجديدة، وربما لذات السبب جاء ترتيب  حزب ” المؤتمر السوداني على رأس القائمةـ وبلغ عدد المتابعين لصفحة  الحزب حوالي ٧٦ ألف متابع، ثم بحثت بطريقتي فوجدت صفحة الحزب الشيوعي السوداني وبلغ عدد المتابعين لها حوالي ١٠ ألف فقط.  بينما بلغ عدد متابعي صفحة حزب الأمة القومي ألف فقط ، وبلغ عدد متابعي صفحة الحزب الجمهوري حوالي ١٠ ألف.

وللمفارقة فأن صفحات الصحف الداعمة للمعارضة تتفوق على صفحات معظم الأحزاب السياسية  في عدد المتابعين؛ عدا حزب المؤتمر السوداني، فلو أخذنا صحيفتي ” حريات” سنجد أن عدد المتابعين بلغ أكثر من ٤٦ ألفا بينما  بلغ عدد متابعي صحيفة ” التغيير”  ٣٠ ألفاً   في وقا أجتءت  فيه صحيفة ” الراكوبة” في المقدمة، ويبلغ عدد متابعي صفحتها على الفيسبوك أكثر من ١١٦ ألفاً.  لفت انتباهي في مسألة جمهور صفحات الصحف أن نسبة النساء في صفحة ” التغيير” تبلغ ١١٪ فقط من جملة المتابعين؛ مع وجود نساء مؤثرات ومشاركات على الأرض وحتى تكون الصورة مكتملة لا بد من الإشارة إلى أن أن عدد حسابات الفيسبوك في السودان تبلغ حوالي ٢ مليون وستمائة الف حساباً.  وهذه الأرقام في حد ذاتها يجب مقارنتها مع عدد السكان الكلي لمعرفة النسبة المئوية للمستخدمين، ووضع استراتيجية لاستهداف نسب أكبر منهم؛ وبالطبع لا تحتاج الثورات لخروج كل الناس في الشوارع.

 إن  التخطيط السليم يتطلب بناء استراتيجية كاملة لتوضيح كيفية استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، ولمعرفة الطريقة العلمية  لإطلاق حملات التضامن أو الدعوة للثورة.

          ترتيب الدول المصنفة عربية حسب استخدامات الانترنيت

 

١ جمهورية مصر 34.800.000
2 السعودية 20.813.695
3 المغرب 20.207.154
4 الجزائر 15.105.000
5 العراق 14.000.000
6 السودان 10.886.813
7 دولة الامارت 8.515.420
8 تونس 5.800.000
9 المملكة الأردنية 5.700.000
10 سوريا 5.502.250
11 لبنان 4.454.007
12 سلطنة عمان 3.310.260
13 الكويت 3.202.110
14 فلسطين 3.007.869
15 ليبيا 2.800.000
16 دولة قطر 2.200.000
17 المملكة البحرينية 1.278.752
18 اليمن 677.228
19 موريتانيا 714.132
20 الصومال 660.000
21 جيبوتي 150.000

 

من خلال متابعتي اللصيقة لوسائل التواصل الاجتماعي لاحظت أن الناشطين/ت حققوا نجاحات في استخدام الوسائط فيما يتعلق ببعض حملات التضامن مثل حملة الناشطة ويني عمر، وحملة مناصرة الفنان ابوعركي البخيت، كما نجحوا في التعبئة للمظاهرات في يناير الماضي؛ إلا أن الملاحظ في ذات الوقت سوء استخدام للوسائط بطريقة عشوائية ساهمت في رفع مشاعر العنصرية والعنصرية المضادة، بل أن بعض الناشطين أو الناشطات يسارع في انتقاء حادثة أحادية، ثم ينفخ فيها ويعممها حتى تصبح رأياً عاما! أن يكتب شخص نكرة” أو ربما واجهة لجهاز الأمن مثلا” وصفاً عنصرياً لقبيلة محددة، أو ذكر اسم متهم أو مجرم مصحوباً بقبيلته. تكررت هذه الظواهر في الآونة الأخيرة ولي عشرات الأمثلة، التي تظهر أكثر عند التحركات الجماهيرية والطلابية ضد الحكومة، وربما ينزلق  البعض بحسن نوايا في وحل أجندة تزيد الهوة بين السودانيين، وترفع درجات الاحتقان أكثر. وقد نجحت الحكومة في اختراق المعارضة مرات عديدة؛ أبرزها جرها الى خطها في الدخول في حرب إعلامية مختلقة مع مصر، وقد اتضح كذب التوجه الحكومي وما مارسه من عمليات تضليل في ادعاء مزاعم بحرب محتملة مع القاهرة واسمرا، ومارس الجانب الحكومي عمليات الهاء الرأي العام في مرات عديدة، و ضخ أخبار عن شائعات  وقضايا انصرافية مثل حكايات  ” أبو القنفذ” وهي مناهج تتبعها أجهزة الاستخبارات حتى العالمية، وتعيش اليوم الولايات المتحدة الأمريكية تحت تأثير الدعاية الروسية والتأثير حتى على الانتخابات. وتزدهر الشائعات أوقات الأزمات والاحتقانات، وتستغل الأجهزة الأمنية  مشاعر الغضب للتأثير  ف سلبا او إيجابا في الجماعات المستهدفة وتوجيهها وفق الخطة المرسومة.

هناك أمر آخر، وفي غاية الأهمية، وهو أن بعض المشتركين في حمالات التضامن يتحولون هم/ن الى نجوم يخطفون الأضواء مما يؤثر سلباً على تحقيق أهداف الحملة، فيكون الشخص هو الهدف و يتحول مضمون الحملة إلى أمر ثانوي؛ يمكن التمثيل الى ذلك بخروج حملة من أجل قضية محددة، أو دعم شخص محدد؛ إلا أن شخصا ما  قد ينجح في سرقة أضواء الحملة وتوجيهها الى اتجاهات أخرى. ومن مخاطر وسائط التوصل الإحتماعي أيضا قدرتها على التضليل عبر نشر أخبار مضخمة أو كاذبة عن حراك جماهيري، أو استغراق الناشطين كل وقتهم في الفضاء الاسفيري حتى ساعة الأحداث.  وفي المقابل نجد أن ما حدث في الثورة المصرية هو العكس، بل تدفق مئات الآلاف من الصفحات الى الميادين التي فاضت، وحتى منظمي الحملة أمثلهم عادوا من خارج مصر للمشاركة الميدانية في الفعل الجماهيري وساعة تشكل الكتلة الحرجة. 

   إن وسائط التواصل الاجتماعي لن تخلق ثورة ما لم يتم استغلالها الاستغلال الجيد، يكفي أن نشير الى أن نسبة ٧٠٪ من الثورات التي حدثت في العالم سبقت ظهور الفيسبوك وتوتير، وحتى في السودان يكفي الإشارة الى أبريل ١٩٨٥ واكتوبر ١٩٦٤، لكن مع ذلك فالأمر مختلف جداً اليوم، فثورة التكنولوجيا وعالمها الافتراضي ستحدث فارقاً كبيرا ونوعياً في التغيير، فهي مفتوحة ومتاحة وبعيدة عن سيطرة الحكومة، وعبرها يمكن عقد اجتماعات ” الماسينجر والواتساب والايسكايب، كما يمكن  التنسيق عبر انشاء مجموعات  الفيسبوك، واستخدام توتير لنشر الاخبار العاجلة والدعوات للتظاهر، كما يمكن توظيف اليوتيوب في جذب الفضائيات الإخبارية ونقل ما يحدث على الأرض الى العالم.