أعمدة ومقالات

توحيد كفاح الهامش والمركز.. تحالف الناقدين!

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

رشا عوض

إن الأزمة المركبة والمزمنة التي انحدرت بالسودان إلى الحضيض في كل المجالات، والتي  تنذر بالانفجار في أي لحظة، تستوجب استنهاض الإرادة الوطنية لإنجاز مشروع تحرري يبعث الأمل في هزيمة “نظام الإنقاذ”  هزيمة استراتيجية وتاريخية، وتحقيق ذلك يتطلب “رؤية فكرية ملهمة” واصطفافا سياسيا قويا عابرا للإثنيات والأديان والجهات تجسده مؤسسات فعالة ويقوده جيل جديد، هذا هو واجب المرحلة التاريخية، وعدم الوفاء به معناه باختصار أن النظام المستبد الفاسد  سيبقى وإن حدثت انتفاضة أطاحت برأسه اليوم أو غدا!

فالإطاحة بعمر البشير هي شرط لازم للشروع في أي تغيير إيجابي، ولكنها غير كافية للعبور إلى السلام والديمقراطية والتنمية.

أدبيات السياسة السودانية زاخرة بتوصيف بل تشريح الأزمة السودانية، وبتصورات الحلول، وقد اتفق مفكرون ومثقفون سودانيون  كثر على أن الانتقال من وضعية السودان المأزومة الراهنة يتطلب تكوين “كتلة تاريخية”، والذي فرض مفهوم “الكتلة التاريخية” بقوة هو حالة الانقسام الحادة بين المركز والأطراف التي تنذر بمزيد من التفكك، وغياب هذه الكتلة من الأسباب الرئيسة التي أعاقت الشعب السوداني عن تحقيق اختراق سياسي نوعي في مواجهة النظام الذي يستقوي بسياسة “فرق تسد” ولذلك فإن الترياق المضاد الناجح لهذه السياسة هو “اتحاد أصحاب المصلحة في التغيير” لمواجهته مجتمعين! وهذا ما لم يحدث بنجاح رغم كثرة التحالفات السياسية، فلماذا فشل السودانيون حتى الآن في بناء”كتلة تاريخية” تتصدى لمواجهة النظام بهدف اقتلاعه وإقامة النظام البديل؟ وما هو المطلوب الآن لتوحيد “تيارات التغيير” في كل من  المركز والهامش في مشروع سوداني للكفاح ضد “نظام الإنقاذ” وإقامة بديل ديمقراطي ؟  

 إن لكل من المركز ممثلا في النخبة السياسية التي حكمت دولة ما بعد الاستقلال في السودان، والهامش ممثلا في التنظيمات التي تمردت على السلطة المركزية وعلى رأسها الحركات المسلحة تجربة ممتدة لعقود، ومآلات الصراع بين المركز والهامش على الأرض تقول بوضوح لا لبس فيه أن النخب السياسية في كليهما، أي في المركز والهامش مأزومة وفاشلة وتتقاسم ذات العقلية السياسية ومناهج الحكم والإدارة المعطوبة – وقد فصلت ذلك في مقالات سابقة تجدون روابطها أدناه – وبالتالي فإن من شروط بناء “الكتلة التاريخية” القادرة على توحيد نضال المركز والهامش ضمن مشروع وطني تحرري منحاز للسلام والديمقراطية والعدالة والتنمية بروز “تحالف الناقدين” للعقل السياسي المأزوم في المركز والهامش، والتحالف المعني هنا هو التواطؤ على المراجعة النقدية الأمينة لأداء النخب السياسية على ضوء نتائج أدائها على القواعد الشعبية التي تزعم تمثيلها، والمقارنة بين شعاراتها المرفوعة وممارساتها العملية ومحاكمتها بمعايير “الحكم الراشد” بصرف النظر عن الانتماء الإثني أو الديني أو الجهوي لهذه النخب.   

من أهم شروط نجاح “الكتلة التاريخية ” في الظروف الراهنة تحقيق اختراق نوعي في التحالف بين “أصحاب المصلحة في التغيير” في المركز والهامش، وفي هذا الإطار هناك مسؤوليات منوطة بالطرفين:  

المطلوب من تيارات التغيير في  المركز:

أي تيار فكري سياسي في المركز يريد فتح صفحة جديدة في تاريخ السودان من ضمن عناوينها السلام العادل والوحدة الوطنية والتحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والبشرية المجدية  لا بد ان يمتلك إرادة سياسية حقيقية لدفع أربعة استحقاقات رئيسية:

أولا: الاعتراف بحقيقة الاستعلاء العرقي والثقافي من قبل المجموعات المستعربة في شمال ووسط السودان على المجموعات السكانية المنحدرة من الإثنيات التي ارتكبت في حقها جريمة الاسترقاق في الماضي، والاعتذار التاريخي عن ذلك عبر أي آلية متفق عليها لرد الاعتبار معنويا لكل أبناء القوميات المهمشة، فالمسكوت عنه لا بد ان يواجه بشجاعة حتى لا يظل يسمم العلاقات فيقسم البلاد وحتى لا يظل يعمل كيد خفية توزع السلطة والثروة والتراتبية الاجتماعية بصورة ظالمة.  

ثانيا: احترام التعدد والتنوع الإثني والثقافي واستئصال العقلية التمييزية من المجتمع عبر تدابير تعليمية وتربوية وإعلامية وثقافية وقانونية كذلك، ففي بلد تستشري فيه العنصرية لا بد من الصرامة في تجريم الألفاظ العنصرية واي سلوك ينطوي على تمييز عنصري.    

ثالثا: إعادة هيكلة الدولة السودانية سياسيا واقتصاديا في اتجاه تحقيق المواطنة المتساوية للمهمشين، وهذا لن ينجح إلا بالتنمية المتوازنة والتمييز الإيجابي في فرص التعليم والتدريب والقروض لإزالة أي فجوة سببها التمييز السلبي على أسس عنصرية أو جهوية.

رابعا: العدالة الانتقالية: بعد كل ما شهده السودان من فظائع ارتكبت في حق المدنيين أثناء الحروب الأهلية المتطاولة يستحيل ان يتعافى الوجدان الوطني بمجرد النسيان!

هذه الاستحقاقات يجب ان تكون التزاما سياسيا وأخلاقيا غير قابل للمساومة،   يدخل في صلب الدستور والقانون، ويجب ان ترصد لها الميزانيات، ويتابع تنفيذها كل الأحرار الحادبون على وحدة السودان، ولا بد ان يساهم في تعميقها الفنانون والمبدعون والإعلاميون بإصرار ومثابرة.

ولا بد من بلورة خطاب سياسي للتعبئة في شمال ووسط السودان على مستوى قاعدي، محوره أن المصلحة الاستراتيجية لأهل الشمال والوسط هي دفع هذه الاستحقاقات لسببين: الأول، أخلاقي وهو إزالة الظلم والاعتذار للمظلوم انتصارا لقيم العدل، والثاني، سياسي ومصلحي  وهو ان بدون دفع هذه الاستحقاقات يستحيل تحقيق الاستقرار للوطن ككل ممايترتب عليه ضرر محقق على كل الوطن، وذلك بالتوازي مع خطاب مدروس بعناية يحث على تعميق الإخاء والمحبة  بين كل القوميات السودانية على أساس احترام التعدد والتنوع الثقافي والاحتفاء به.

المطلوب من تيارات التغيير في الهامش:

أولا: التقييم النقدي لتجارب الاحتجاج في الهامش وعلى رأسها تجارب العمل المسلح وتبني خطاب فكري وسياسي على ضوء مآلات تجارب الماضي  والتحديات الجديدة.

ثانيا:  الاستعداد لفتح صفحة جديدة إذا أوفى المركز باستحقاقات التغيير المفصلة أعلاه، وعدم التعامل مع المركز ككتلة صماء ظالمة ومستعلية، فالمركز تيارات متعددة ومتباينة، بعضها حليف استراتيجي لتيارات التغيير في الهامش بحكم ما يتبناه من أفكار ومواقف سياسية،    كما ان الهامش نفسه تيارات متباينة بعضها حليف للنظام الاستبدادي وبعضها شريك أصيل في السلطة، وبالتالي فإن الأصل العرقي او الانتماء الجهوي لا يصلح مطلقا ان يكون بطاقة تعريف سياسي! وبالتالي فإن الخطاب التعبوي في مناطق الهامش لا بد ان يتطور في اتجاه تحديد الحلفاء والأعداء على أسس فكرية وسياسية لا على أسس إثنية وجهوية.  

ثالثا: عدم السماح بأي حصانات ضد النقد والمساءلة لنخب الهامش سواء كانوا قادة عسكريين أو مدنييين بحجة ان في نقدهم استهداف عنصري لقضية المهمشين! لأن فتح الباب أمام هذا النوع من الابتزاز الأرعن هو أكبر خيانة لمصالح المهمشين سواء استمر السودان كدولة موحدة أو انقسم إلى عشر دول! فقيم الشفافية والمحاسبية والمساءلة وسيادة حكم القانون هي شرط النهضة والتقدم لاي مجتمع.

رابعا: لا بد ان تكون الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في صدارة الأولويات، وهذه يمكن أن تكون  أكبر جبهة للعمل المشترك بين تيارات التغيير في المركز والهامش، وهذه الجبهة بحكم طبيعة أهدافها لا بد ان تكون معادية بشراسة للفساد بكل صوره وأشكاله.

لقد شهدت دول في  هذا العالم نماذج للرق والتمييز العنصري والقهر على أسس عرقية ودينية، والحروب الأهلية الطاحنة  بصور أشد غلظة وقساوة من السودان، واستطاعت أن تعبر إلى مستقبل يسوده السلام والتسامح والعدالة والاخاء والمساواة، فالعبرة ليست بماذا حدث في تاريخنا؟ بل كيف تعاملنا مع هذا التاريخ؟ هل ظللنا أسرى له أم انتقدنا كل ما فيه من أوجه الظلم والعنصرية واستشرفنا المستقبل بأفق إنساني وأخلاقي متقدم؟

رغم ما نحن فيه من  حرائق وخرائب مادية ومعنوية، ورغم “تكاثر الزعازع وتناقص الأوتاد” – على حد تعبير الدكتور منصور خالد- ، يبقى الأمل في سودان الغد حاضرا بإطلالته الوقورة حينا، والمشاغبة أحيانا! فإن فارقنا الأمل فارقتنا الحياة!   

النساء، الشباب، المهمشون، والغرق في شبر ماء!

المركز والهامش بين خياري”الكتلة التاريخية” و”المفاصلة العرقية”

 

 

 

 

تعليق واحد

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    الأستاذة رشا عوض وحتمية “الرؤية الفكرية الملهمة”!
    بدر موسى

    كتبت الأستاذة، والكاتبة المميزة، رشا عوض، مقالا بعنوان: تحالف الناقدين! نشر يوم الإثنين عبر قنوات الميديا ومنافذ الانترنت، يوم 7 مايو, 2018، قالت فيه:
    إن الأزمة المركبة والمزمنة التي انحدرت بالسودان إلى الحضيض في كل المجالات، والتي تنذر بالانفجار في أي لحظة، تستوجب استنهاض الإرادة الوطنية لإنجاز مشروع تحرري يبعث الأمل في هزيمة “نظام الإنقاذ” هزيمة استراتيجية وتاريخية، وتحقيق ذلك يتطلب “رؤية فكرية ملهمة” واصطفافا سياسيا قويا عابرا للإثنيات والأديان والجهات تجسده مؤسسات فعالة ويقوده جيل جديد، هذا هو واجب المرحلة التاريخية، وعدم الوفاء به معناه باختصار أن النظام المستبد الفاسد سيبقى وإن حدثت انتفاضة أطاحت برأسه اليوم أو غدا!
    وهو، في رأيي المتواضع، تقرير صحيح في مجمله، ويعبر بشكل كبير، ودقيق، عن سبب أزمة الواقع الراهن، وأكثر ما أعجبني فيه هو الانتباه والتنبيه إلى ضرورة وحتمية متطلبات الحلول الجذرية والاستراتيجية الحقيقية، والتي حددتها الأستاذة رشا عوض وسمتها “الرؤية الفكرية الملهمة”، وقد سبقها في التنببه لأهميتها الأستاذ محمود محمد طه، والذي لم يكتف بمجرد التنببه إلى أهميتها، وحتميتها الضرورية، للتغيير، والإصلاح المستدام، ولم يقف عند حد استنهاض الكيانات السياسية للتوافق عليها، والدعوة للبحث عنها، بل مضى إلى أعمق، وأبعد، من كل هذا، وقدم وفصل، ما أمكن من تفصيل، مساهمته المعروفة بإسم “الفكرة الجمهورية”، والتي أرشحها لسد هذا العجز، فهي لا تزال تنتظر دراسة ونقد المثقفين والمستنيرين والسياسيين ودعاة التغيبر، وخاصة من طلائعهم الذين تنبهوا ونبهوا إلى شرط “الرؤية الفكرية الملهمة” من أمثال الأستاذة رشا عوض، ليقولوا لنا خلاصة ما يرون فيها، ويجيبون على السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي “الفكرة الجمهورية” وتفي بالغرض وتسد العجز، أم أننا بجب أن نتجاوزها، ونستمر في البحث عنها، بعد أن “تاهت ولقيناها”، كما أعتقد!
    فإن كان رأيهم فيها خلاف ما أرى، فلا بأس من أن نقرأ او نسمع منهم، ثم إني أرجوهم صادقا أن يقدموا مساهماتهم البديلة التي يقترحون، لأن المؤكد، الذي لا يجب أن نختلف عليه، هو حتمية أهميتها التي وفقت الأستاذة رشا في التنببه لها، ووفرت علينا وقتا طويلا، وجهدا كبيرا، كان، ولا يزال، يهدر في إجابة الأسئلة غير المهمة، حول تفاصيل ما يرتكب قادة نظام الإنقاذ من جرائم، وتنميق التوصيف حول شخوصهم وأفعالهم، ومظاهر فسادهم، شعرا ونثرا، وخطبا، وسجالات، مكررة، لا تسمن ولا تغني من جوع!
    ولكن المحير في مقال الأستاذة رشا عوض هو أنها، وبعد أن وضعت إصبعها على أصل الداء، وحددت أصله، وفصلت سببه، ووصفته بغياب “الرؤية الفكرية الملهمة”، تعود فتتساءل عن:
    “لماذا فشل السودانيون حتى الآن في بناء”كتلة تاريخية” تتصدى لمواجهة النظام بهدف اقتلاعه وإقامة النظام البديل؟ وما هو المطلوب الآن لتوحيد “تيارات التغيير” في كل من المركز والهامش في مشروع سوداني للكفاح ضد “نظام الإنقاذ” وإقامة بديل ديمقراطي ؟ ”
    فهل نحتاج لأن نذكرها، ونذكر قادة تيارات التغيير، ما قررته في مقالها، وخلاصته بأنهم لن يبلغوا غايتهم قبل أن يتوحدوا ويجتمعوا ويتفقوا على “الرؤية الفكرية الملهمة” التي تحدد الاستراتيجية، والغاية، والوسيلة، اللازمة للتغيير المنشود؟!
    أنا أعتقد أن أهمية مقال الأستاذة رشا عوض الكبيرة تجيء من تقريرها لهذه الحقيقة الهامة للغاية. ولو أن قادة المعارضة السياسية، وقادة تيارات التغيير، ركزوا على البحث عن هذه “الرؤية الفكرية الملهمة” وقدموا مساهماتهم ليتم الحوار حولها، وناقشوا مساهمات غيرهم من المفكرين، بحياد وجد، لما أعجزهم الوصول إليها، والاتفاق عليها، والتوحد خلف محدداتها، للتحرك نحو بناء “الكتلة التاريخية” الموحدة، التي تدعو لها الأستاذة رشا عوض، والتي تستطيع، حال اكتمال بناءها، أن تسقط النظام الظالم، بعصيان مدني شامل يشارك فيه غالبية أفراد الشعب السوداني، فيسقط النظام دون الحاجة إلى إراقة نقطة واحدة من دماء شبابنا العزل والأبرياء، على أيدي ميليلشيات حميدتي، وتكرار الدمار الذي قام به نظام الأسد في سوريا.
    ذلك لأن غياب وحدة السودانيين حول هذه الرؤية الاستراتيجية هو السبب الذي أفشل، وسيفشل، كل محاولات تنظيم العصيان المدني، الذي هو عندي، أنجع وأفضل وسيلة مأمونة العواقب، ومضمونة النتائج، لإسقاط النظام الفاسد، بدون إراقة دماء الأبرياء، ثم، إقامة النظام الصالح مكانه، وهذا هو الأهم!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى