خالد فضل

  رمضان كريم , ولكن يحل علينا هذا العام مثله مثل  أعوام سبقت حتى بلغت الثلاثين وغالبية الشعب في صيام ممتد طيلة العام , نذر المجاعة وشواهدها تبدو جليّة الآن , وجولة سريعة في سوق احتياجات رمضان الموسمية تؤكد زعمنا, فكيلة العيش (الذرة) 150جنيها ,  و كيلة القمح200, وعدس البليلة 200ج, وكيلة الفول المصري 900ج , وحتى الويكة تجاوزت سقف ال500ج,  , أمّا كيلو السكر  30ج , وكيلو اللحم البقري 120ج ,  غاز المنازل فسعر الأنبوبة في الخرطوم 250ج  وعلى ذلك قس قساوة الأسعار وبشاعتها فيما تظل الرواتب والدخل الشهري لأغلب الأسر السودانية في حدود 2000ج على أحسن الفروض , وعقب رمضان مباشرة يبدأ موسم العام الدراسي للمدارس وما أدراك ما المدارس ورياض الأطفال ! تلك مأساة حقيقية يعيش في كنفها معظم الشعب , ولولا تحويلات المغتربين والمهاجرين وحملة الجوازات العالمية من ذوي الأصول السودانية لما استطاعت أسرة واحدة من عامة الشعب إلى البقاء على قيد الحياة سبيلا , فهناك بنود الأمراض الفتّاكة والعمليات الجراحية باهظة التكاليف والعلاج الذي لا يطيق ثمنه أحد فيلجأ المرضى لأخذ الجرعات على طريقة (قدّر ظروفك) ولتذهب كل نظريات الطب والصيدلة وعلم الأمراض إلى الجحيم .

 في المقابل  كم وزيرا يرأسهم بكري حسن صالح ووزير دولة , 100مثلا , كم واليا ومجلس وزراء ولايته 180 ؟ كم جوقة القصر من الرئيس ونوابه ومساعديه ومستشاريه ومكتبه وحرسه وووو 40 ؟ كم  معتمدا ومديرا تنفيذيا ومديرا للأمن والشرطة والخدمة الإلزامية والدفاع الشعبي والضرائب والزكاة والصحة والحسابات والتعليم والدعوة والإستثمار وووووو ألف ألفان عشرة آلاف ؟ مضافا لهم المجلس الوطني ومجلس الولايات ومجالس الولايات التشريعية _عدا الجزيرة طبعا_ إذ فيها سلطان فريد قراره   ليس له بشؤون المراقبة ولو صورية شأن , ولا تنس هيئة علماء السلطان ومجمع فقهه , والبنوك من مركزييها إلى ود أمبارح منها , والجنجويد ورتبهم ورواتبهم المطلوقة ….إلخ  هل يعاني هولاء من شظف العيش وغلاء الأسعار وندرة الوقود , أيقفون الليالي الطوال في صفوف الطلمبات للحصول على ما يدير ماكينات سياراتهم( الجحمانة) للوقود والتي تزدرد الواحدة منها ما يكفي لري 100فدان زراعي في سهل البطانة الجديب , هل يبكي هولاء في سرّهم أم يجهشون بالبكاء أمام الناظرين كما فعل ذلك الوزير الهمّام وهو يجلس على وسادة وزارة البترول , وحتى لا نظلم الرجل إذ لا نعرف عنه شيئا سوى ما طارت به الأخبار من وقائع (جعيره) أمام ما يطلق عليه جزافا البرلمان , إذ ربما كانت دموع الرجل حقيقية سالت من عينيه دون استئذان فلم يكابر كما فعل أبو الطيّب  أحمد بن الحسين المتنبئ : الحزن يقلق والتجمل يردع والدمع بينهما عصيّ طيّع , يتنازعان دمع عين مسهّد هذا يجئ بها وذاك يُرجعُ , ربما شعر الوزير بفداحة الموقف وقلة حيلته أمام تلال راسخة من الفشل العام في إدارة شؤون الحكم , فلم يتمالك نفسه فبكى , وخرجت كلماته من بين حشرجة النحيب ( لو كشفت المستور  للحقت بزميلي غندور ) , وغندور هذا الطبيب كان قد بكى في مطار الخرطوم عشيّة عودته رفقة الرئيس البشير في رحلة جنوب افريقيا المشهورة , وما تزال تلك (البكية ) حاضرة  مرسومة في ذاكرة الشعب الممكون وشايل فوق (الدبر)  وللذين لا يعرفون الدبر عليهم مراجعة استاذنا البروفسير عبداللطيف البوني, ما علينا نعود لبكاء الوزير وهو على ما عليه من نعمة الإستوزار , وقد نُشر للرئيس البشير تصريح في التسعينات من القرن الماضي أو بدايات الألفية , قال فيه إنّ وزراء حكومته يستحقون الزكاة لولا تعففهم , وكانت تلك إشارة إلى فقرهم وعدم وجود فوائد مادية ينالونها جراء توزيرهم , في تلك الأيام فهل يا تُرى ما تزال أوضاعهم كذلك أم صارت المناصب غنائم يتمتع بوافر دخلها أناس بزعم السلطة وسياسة بلادنا ورعاية مصالح الشعب المكلوم ؟ خاصة ونحن نعيش في واقع تحيط به الحواشات التي تدر المليارات في أطراف الخرطوم ! وفي زمن الذهب المختوم , ولا تسألن عن بترول الجنوب فتلك سيرة معطونة في الأذى يا صاح , وشواهدها مما لا يحتاج إلى تبيان فالشواهق والنواطح من ذوات الطوابق هي هبة السماء للأقوياء الأمناء الذين قنصوا كل ريال ودولار ولو كانت للدواء الدوّار , لا تسألن مكلوم الفؤاد من سواد الناس الذين يتراصون النهار كله على الطرقات يمنون النفس الدنيّة دي بطلّة (هايس) يفرض سعر مشواره كيفما يشاء فيتزاحمون مائة شخص من ذكر وأنثى على 14مقعد فقط ومن يظفر بالركوب لا يسأل عن غلاء سعر المشوار المهم أنّه بطل قومي يتلذذ في المساء برواية قصة حصوله الإسطوري على مقعد وسط تلك الجموع , لا تسألن والدنيا رمضان والعطش والجوع وشحتفة الروح عن قيم ومُثل ونخوة أو (عجوة) فتحت رايات حكومة (بيت البكا) تنهمر الدموع من الوزراء في كل شأن ولو كان مغادرة من باب الولوج , الوزراء سادتي يبكون , والشعب لا يجد دمعة تبلل خدّه المشقق من لهب الشمس وصفوف الوقود وبؤس الحال , فيكتم الآهة .

  كُنّا جماعة نمتطي صهوة سلّم حافلة متجهة لقرى شرق النيل , وجد (عمّك) فرصة زلق رجله اليسرى على صاج السلّم الخشن ذاك وتشبّث بالأمل وجدار الباب ريثما ينزل في محطته القريبة , وكان النهار والشمس في تحالف صارم ضد أي نسمة هواء , قلت لمجاوري أو (عافصي) في الحقيقة : ربنا إحلّها ب مطرة . أجابني بسخرية السماء ما فيهو سحابة . قلت : بل مطر أرضي يعمّ كل البلاد (الباقية) تنهّد تنهيدة أعرف مصدرها في الجوف وقال : ما أظن ! لم أُحبط لكنني همهمت بصوت مسموع : يا شاب نحنا بقينا (عمّك) عشنا وشفنا كيف تجمّع سحاب أبريل , كيف الثورة انطلقت , نزل الشاب قبل نزولي ومضى ربما يتمتم ب (الثورة انطلقت انطلقت انطلقت … وحتما . ورمضان كريم