لا بديل لأوسع جبهة


مرفعينين ضبلان وهازل
م شقوا بطن الاسد المنازل
نبقى حزمة كفانا المهازل
ونبقى درقة لوطن عزيز
يوسف مصطفى التني

تأبى الرماح اذا اجتمعن تكسرا
واذا افترقن تكسرت احادا

عوامل ذاتية لتفعيل وانفاذ الارادة الثورية:

في عام 1871، كان كارل ماركس قد حذر عمال باريس من الاقدام على الانتفاضة ضد البرجوازية، قبل ان تنضج العوامل الموضوعية والذاتية لها ، وكان واضحا وقتها، في الجانب الاجتماعي لقوى الثورة، غياب حركة منظمة للفلاحين على استعداد للمشاركة في الثورة الى جانب العمال. ومن هنا بالذات، جاء ضمن تقييم ماركس لهزيمة تلك الثورة، انها كانت تحتاج “نسخة اخرى من حرب الفلاحين في المانيا” أي انها كان ينقصها حضور فعال لحركة ثورية بين الفلاحين.
واستطراداً من ذلك نبهت الماركسية الى خطأ اختزال فترات ومراحل التطور التاريخي، كما نبهت الى ان التغيير الثوري لا يتم بالرغبات الذاتية غير الموضوعية.
وقد أوضحت دروس العديد من التجارب التاريخية والمعاصرة خطأ وقصور الاختزال للمراحل الثورية والقفز من فوقها.
ومعلوم أن تجاربنا الثورية في السودان ، في21 اكتوبر وفي انتفاضة مارس/ابريل1985 تشير الى انه كان قد تم التضافر والتكامل بين جهود جبهة الهيئات وجبهة الاحزاب في اكتوبر، وكذلك سجلت الانتفاضة انتصارها بعد تنسيق جهود التجمع الحزبي والتجمع النقابي.
وفي هذا الاطار، لابد من التثمين الايجابي لما جرى في بعض المناطق، مثل عطبرة وسنجة، من شحذ وتفعيل للتحالفات القائمة، وخاصة منذ يناير الماضي، حين فجرت الموازنة السنوية للعام 2018 للخراب الاقتصادي وافقار الشعب، تفاقما خطيرا في الازمة الاقتصادية السياسية للنظام بصورة صارخة استفزت الضمير الوطني.
إن ما جرى في هذه المناطق يظهر تفهما عميقا لتكتيك”اوسع جبهة” و”اوسع تحالف” جبهوي لقوى المعارضة.
ان مثل هذا التحالف الجبهوي يكفل، ولا شك في ذلك، العمل المستقل لمكوناته في اصدار الصحف والبيانات واقامة الندوات وما الى ذلك. ولكنه يشترط ، ضربة لازب، في المعارك الجماهيرية ضد النظام، المشاركة الفاعلة لكل الاطراف. ذلك ان انفراد مكون واحد في المعركة الجماهيرية المعينة، وغياب المكونات الاخرى، يضعف من الحراك الجماهيري، كما يطلق ايدي النظام واجهزة امنه في البطش والتنكيل به.

خطأ المبالغة في ضعف وعزلة النظام

وهذا خطأ يقود الى تصور ساذج مفاده سهولة اسقاط النظام. وينطلق هذا الخطأ من الزعم الباطل بأن النظام لا يستند الى قاعدة اقتصادية اجتماعية، وكأنه ” مقطوع من شجرة” كما يقولون. واستنادا الى ذلك فانه نظام لا يعبّر الا عن ” مجموعة تعيش على الدعم الخارجي”! كما يتصور البعض.
وكثيرا ما تجرى في هذا الاطار المقارنة بين المؤتمر الوطني كحزب سلطة والاتحاد الاشتراكي المايوي. وهذه مقارنة لها ما يبررها. فهما وجهان لعملة واحدة مفرداتها: الشمولية والطفيلية والفساد.
صحيح تماما ان نظام 30 يونيو دخل في تناقض مع كل القوى الاجتماعية في البلاد. ولكن صحيح ايضا انه نظام يمثل فئات اجتماعية قائمة في المجتمع السوداني ، هي فئات الطفيلية الاسلامية، وهي فئات تتلقى الدعم الخارجي من الحركة الاسلامية العالمية، كما انها تجد السند، لتوجهها الرأسمالي ولتفريطها في السيادة الوطنية، من قوى الامبريالية العالمية.
الصحيح هو فقط ضعف القاعدة السياسية والاجتماعية للنظام. وتبقى الحقيقة ماثلة وشاخصة، وهي ان لنظام 30 يونيو سندا اجتماعيا هو قوى الرأسمالية الطفيلية وقوى الاسلام السياسي، وكذلك القوى المعادية للديمقراطية وقطع الطريق امام تطور الثورة الديمقراطية في السودان.وكذلك القوى الخارجية المستفيدة من بقاء مثل هذا النظام على دست الحكم في السودان.
وقد قادت مسرحية الحوار مؤخرا الى بعض التوسع في القاعدة السياسية والاجتماعية للنظام. وذلك عبر مشاركة المؤتمر الشعبي في النظام عموما وفي حكومة الوفاق الوطني.
إن ما يمكن ان ندمغ به النظام هو انه نظام منبوذ ومرزول، ولكنه في نهاية الامر نظام تنسحب عليه كل سمات وخصائص التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية للرأسمالية الطفيلية اقتصاديا واجتماعيا.
ويبدو أن تصوير النظام كنظام ” مقطوع من شجرة” ولا سند له، يقود اوتوماتيكيا الى سهولة اسقاطه!
غير ان التشريح الحقيقي للنظام والدعم الخارجي له، وكذلك التعثر في قيام اوسع جبهة لقوى المعارضة، هو الذي مكنه من الاحتفاظ بالسلطة لمدى زمني يقرب من 3 عقود.
وكل هذا يؤكد تماما صحة المقولة التي تحكم قضايا الاستراتيجية والتاكتيكات: ” استخف بالعدو الطبقي استراتيجيا، ولكن ضع له الف حساب وحساب في قضايا التاكتيك“..

خطأ التعويل على ” ضَربة قاضية” لاسقاط النظام

تشير تجارب العمل الثوري في بلادنا، وخاصة بالنسبة لثورة اكتوبر وانتفاضة ابريل، الى ضرورة توفر الشروط الموضوعية والذاتية للثورة اولا قبل اندلاعها. ولا جدال في ان عزلة النظام وفشله وتخبطه، لا تقف وحدها عوامل كافية لنضوج الازمة الثورية مهما بلغت في انفلاتها وحدتها، وفي هذا الصدد هناك عدة امثلة لمحاولات قام بها العدو الطبقي رمت الى دفع حركة المعارضة السياسية لتبني وانتهاج تاكتيكات خاطئة قبل نضوج كل الشروط اللازمة لذلك. وبالتالي يسهل على النظام توجيه الضربات لها واضعاف حركة المعارضة وتصب في ذات المنحى خوض المعارك الجماهيرية ضد النظام بعيدا عن راية”اوسع جبهة” وكذلك من جانب آخر يسعى النظام لاتهام حركة المعارضة بانها استكانت وانها تغطي خوفها بالحديث عن عدم نضوج الظروف الموضوعية، وان الوقت لم يحن بعد وما الى ذلك. وذلك بهدف استفزاز قوى المعارضة ودفعها للدخول في معارك متعجلة يسهل ضربها وهزيمتها.
ومعروف طبعا ان العمل الثوري لا يسير دوما في خط صاعد، بل انه يتعرض في الواقع لحالات النهوض والتراجع. وطبيعي ان التاكتيكات يتم رسمها على ضوء الممكن الذي توفرت عناصره ومقوماته، وليس على حالة السخط والعزوف العام أو المتوقع والذي في رحم الغيب.

نماذج للاخطاء في قضايا التكتيك

هناك ثمة ظلال افكار لاخطاء وانحرافات في قضايا التكتيك لا يتم الافصاح عنها فكريا وسياسيا بوضوح. ورغم ذلك نجد انعكاساتها ونتائجها المدمرة في جبهة النشاط العملي واضحة للعيان. وفي هذا الصدد هناك:
الزعم بان برنامج الحزب الذي اجازه المؤتمر السادس للحزب، يربط بصورة محكمة سهام استعادة الديمقراطية والحريات وتفكيك الشمولية مع مهام انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية. وعرضا اشير هنا الى ان هذا هو حرق المراحل بعينه. صحيح ان اسقاط النظام يمثل خطوة هامة وضرورية لفتح الطريق لانجاز المهام الوطنية الديمقراطية ولكن هذا الانجاز لا يتم بصورة اوتوماتيكية بل انه يتطلب اصطفافا جديدا للقوى الطبقية والسياسية. ويبدو أن هذا الخطأ يستند ظاهريا الى ما ورد تحت عنوان ميثاق البديل الوطني الديمقراطي لقوى الاجماع الوطني.
وفي حقيقة الامر نجد ان البرنامج الذي قدمه المؤتمر السادس يطرح درجتين اثنتين او فترتين مميزتين ولندع البرنامج نفسه يتحدث عن نفسه وليكن حديثه صارخا انه يطرح مهاماً آنية واخرى مستقبلية على النحو التالي:-
فترة استعادة الديمقراطية والحريات وتفكيك الشمولية.
ثم فترة قضايا مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.
وبالتالي فان الزعم بان خط الحزب يطرح بضربة واحدة استعادة الديمقراطية والحريات وانجاز المهام الوطنية الديمقراطية، زعم خاطئ يتعارض جذريا مع خط اوسع جبهة لاسقاط النظام، ويفتح الباب للوقوع في براثن الخطأ التكتيكي الذي هو حرق المراحل وثورة في الثورة واختزال مراحل التطور التاريخي. وبطبيعة الحال يشمل التحالف الطبقي لاسقاط النظام قوى اليمين واليسار في حركة المقاومة، وذلك ان استعادة الديمقراطية والحريات هي الخطوة الاولى والضرورية لفتح الباب للولوج في فترة انجاز المهام الوطنية الديمقراطية. وهذا هو تماما مثل ما أكدته دروس ثورة اكتوبر 1964 وكذلك انتفاضة مارس/ ابريل 1985.
والحقيقة ان شعب السودان درج على تسخير الديمقراطية والحريات للسير قدما في مضمار ثورته الديمقراطية وانجاز مهامها. وبالتالي فانه لا يمكن حرق المراحل والقفز من فوقها. او القيام بثورة في الثورة وما الى ذلك. ولعل ما سطره كارل ماركس في كتابه : مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي” تغنينا عن الاسترسال في هذا الموضوع.
ولعل الخطأ الكامن وراء كل ذلك هو استبعاد اليمين في حركة المعارضة السياسية للنظام بصورة او اخرى. ان الزعم بان البرنامج واحد في دستور الحزب لفترتي استعادة الديمقراطية وانجاز المهام الوطنية الديمقراطية يضعف، ولا شك ، من التمسك بكل الشروط والمقومات التي تقود لبناء اوسع جبهة لحركة المعارضة السياسية بمختلف الوان طيفها سياسيا وفكريا.
ـــــ
نشر بصحيفة الميدان لسان حال الحزب الشيوعي السوداني