خالد فضل

  قبل إسبوعين تقريبا اطلعت على مقالين مهمين _في تقديري_ كتبهما د. تجاني عبدالقادر والأستاذ ياسر عرمان كلا على حده , خلص الأول إلى أنّ ثنائية إسلامي/علماني قد أقعدت بالتطور السياسي والإجتماعي لبلادنا , ووصفها بالثنائية المدمّرة , داعيا إلى تجاوزها لمصلحة بلادنا . الأستاذ عرمان خلص إلى ضرورة الإنتقال السلس من مرحلة الكفاح المسلح إلى بناء حركة سياسية مدنية فاعلة تعتمد سلاح الجماهير عوضا عن (سلاح الأسلحة) . والكاتبان من ذوي الإسهام المقدّر في الساحة السياسية في طبعتها المعاصرة , وهما على طرفي نقيض في معادلة تجاني المار ذكرها , بل انتمياء فكريا إلى حركتين اعتمدتا الوسائل المسلحة لنيل المطالب السياسية , فمنذ السبعينات ظهر د. تجاني كمنتم أصيل للإتجاه الإسلامي بل من قيادات إتحاد طلاب جامعة الخرطوم في عنفوان مقاومة الإسلاميين لسلطة مايو اليسارية الطابع  في تلك الأوقات , ووصلت الحركة الإسلامية إلى السلطة عن طريق الإنقلاب العسكري في اليوم الأخير من مثل هذا الشهر في العام 1989م كما هو معلوم , ولكن يُحمد لتجاني تمييز موقفه الناقد لأوضاع حركته في السلطة على الأقل منذ أكثر من 15سنة , فهو قد كتب عن نشؤ طبقة الرأسمالية الإسلامية ذات السمت الطفيلي المعروف , وانتقد هيمنة جهاز الأمن على مقاليد الحكم , أمّا ياسر فقد ظلّ أمينا لمبادئ الحركة الشعبية لتحرير السودان شديد الإعجاب حد التمثُّل بقائدها التاريخي الراحل د. جون قرنق , وقد واجه في سبيل ذلك المعارك الضارية ليس من خصومه السياسيين فحسب بل من داخل حركته نفسها حتى انتهى به الأمر طريدا ومطاردا , يتبعه حكم بالإعدام من سلطة الإسلاميين في الخرطوم , وحكم بالإبعاد وتحريم دخوله الممناطق المحررة (الواقعة تحت سيطرة الجيش الشعبي في جبال النوبة والنيل الأزرق).

   خلفية الرجلين مهمة لقراءة ما طرحا للنقاش , فالحركة الإسلامية الراعي الأكبر لهيجان العواطف ضد الشيوعيين والعلمانيين , استغلت هذه الثنائية بصورة مكثفة حتى انقلبت الدعاية إلى ضدها في أذهان كثير من الناس , وبعدما تكشّف بالممارسة لا بالقول ضحالة المورد الفكري والأخلاقي للحركة الإسلامية السودانية وهي التي ملأت الفضاء زعيقا بقيم السماء فإذا بها تمرمغ شعبا كريما ووطنا عظيما في وحل الفساد والفشل والإنحطاط الشامل الذي لم يستثن مرفقا من مرافق الدولة ولم ينجُ منه منشط من مناشط الحياة , بهتت دعاية علماني وبطاقة متمرد ووصمة عميل , وعاش الناس في واقع تمثّل الحركة الإسلامية السودانية كل ما تدمغ به الآخرين من صفات الدعاية , فالقروض الربوية (فضلة خيرا) وهي التي كانت تتدعي طهارة اقتصادها الإسلامي لدرجة الحيرة في التصرف فيما عُرف (بالمال الخبيث) الناجم من عمليات تدوير الأموال في السوق العالمي الذي يشمل ضمن ما يشمل عائدات البغايا في الجزر المحيطية الصاخبة , ودوران كؤوس الويسكي المعتّق في الليالي الضاجة بالمتعة في الأندية الليلية والبارات الكبرى , فقه الضرورة كان هو المسعف دوما من ورطة مخالفة روح العصر حال التمسك بالنصوص , وعلى ذلك قس . تأتي دعوة د. تجاني _ وليس لدي ما يدعوني  للشك في صدقها _في وقت تشهد البلاد حالة شاملة من التململ بعد أن صار من المستحيل تلافي الفتق الهائل الذي سببته سنوات حكم الإسلاميين الطويلة , ومن هذه الزاوية يمكن النظر إليها كصرخة من داخل الصندوق الإسلاي وفي اتساق مع دعوات مماثلة صدرت عن اسلاميين آخرين أدركوا ما ينتظر مركبهم من أهوال وسط لجج حراك محلي وإقليمي ودولي لا يرحم , هنالك مثالا وليس حصرا د. خالد التجاني , عثمان ميرغني , راشد عبدالقادر .. إلخ , بل قرأت مؤخرا أنّ علي عثمان محمد طه يدعو لإلغاء شعار (فلترق  كل الدماء) ذلك الشعار المدمّر الذي سبب جروحا (نوسرت) في جسد الشعب والوطن . المطلوب إذا من الإسلاميين التقدّم خطوة إلى الأمام بالإقرار بفشل ما كانوا يتوهمون , والإعتذار عمّا أرتكب بالفعل من مجازر ومآسي تحت أوهام التفوق , ومن ثمّ العمل مع مجموع الشعب ليس على استئصال الإسلاميين لكن لاستئصال الأدواء التي غرسها الإسلاميون وهم على صهوة جواد السلطة الجامح , هنا تجد دعوة ياسر عرمان فرصتها لتحقيق انتقال سلس من رحاب حالة عدائية تغلّف حياة السودانيين إلى رحابة وطن (بالفيهو نتساوى نحلم نقرأ نتداوى ) وليرحم الله محجوب شريف الذي مات وصدره مفعم بالحلم النبيل , دعوة ياسر لانتقال حركته إلى رحابة صدر الجماهير تتطلب هي الأخرى عملا نقديا مستقيما , يجب على ياسر كقائد فذ من قادة سودان اليوم أن يتسع له صدره وماعونه الفكري , وأن يتحمل بجرأته المعهودة ما يليه من أسباب الإخفاق الداوي لمشروع حلم نبيل آخر اسمه السودان الجديد لم يشهد الناس شيئا من جدته على أرض الواقع رغم سموق الأمل , بمثل هذه المواقف الشجاعة يمكن أن يلتقي تجاني وياسر والخطيب والكودة والحلو وعبدالمحمود أبّو والمحبوب والحاج ورّاق ورشا ولبابة ومريم وهنادي وآمال عباس  د. أبّكر وعبدالواحد وفائز والدقير والباقر ومنعم …إلخ إلخ  وصلا لمجهودات ومبادرات شهدتها فترة اتفاقية السلام الشامل وقادتها منظمات المجتمع المدني التي تحتاج هي الأخرى إلى عمل مخلص ونقد صارم لتجربتها حتى يمكن لبلادنا العبور من هذه الأوضاع المنحطة التي تفتقد فيها إلى أي دليل وهادي فكري وسياسي , بلادنا الآن تتخبط وسط أمواج عاتية في ليل حالك الظلمة وليس بها قيادة حقيقية وجادة على مقودها هذه هي الحقيقة , الشعب الآن في مرحلة توهان بين أفراد لا يملكون أي رؤية أو أفق للعبور من حالة الانحطاط والفشل , ليس في مقدورهم واستطاعتهم فعل أي شئ , تحركهمم غريزة حب البقاء فقط للتشبث بالسلطة , في مثل هذه الأوقات يتقدم المثقفون والمفكرون للأخذ بزمام الأمور فهل نطمح فعلا إلى عمل جديد شامل يستوعب المركز والهامش هذه المرّة دون تقليل من شأن أحد وبعيدا عن الثنائيات المدمرة وقريبا من الانتقال السلس , فالثنائيات مع الأسف لم تعد حصرا على علماني / اسلامي بل شملت حتى خشم البيت الواحد ناهيك عن الجهات والقبائل  والأحزاب وحالة التشرذم والشتات والخصومة والعداء  أصبحت تضرب حتى برنامج (أغاني وأغاني). فهل من أمل هل !