مشكل التاريخ هو تاريخ المشكل

بقلم/حامد على نور*

الاستلاب والهوية الضائعة

التكوين السياسي للسودان

عصر الممالك السودانوية الإسلامية

13– كان يطلق اسم بلاد السودان علي كل المنطقة التي تقع جنوب الصحراء الافريقية الكبرى فى شكل حزام يمتد من البحر الأحمر شرقاً وحتي المحيط الأطلسي غرباً. والسودان لغة جمع اسود، وهو إصطلاح جغرافي عرقي أطلقه الرحالة والجغرافيون العرب، كما سبق الذكر. وسودان اليوم يمثل الجزء الشرقى من هذا الحزام السودانوى الاسلامى الافريقى وكان يتكون من ثلاث سلطنات كبيرة وهى سلطنات: الفونج وكردفان ودارفور، ويمتد الحزام غربا ليشمل ممالك: ودّاي وكانم وباقرمى التى تكونت منها دولة تشاد الحالية. ثم ممالك  برنو وسكاتو بنيجيريا، فممالك النيجر ومالى لينتهى غربا عند المحيط الأطلسي، شاملة الدول القائمة اليوم على شواطئه الافريقية مابين  غانا والسنغال والجزء الجنوبى من مورتانيا.

 ومنذ مطلع القرن السادس عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، كما سبق الذكر، كانت تسيطر على ارض السودان الحالية ثلاث ممالك راسخة، تمثل كل منها كيانا سياسيا قائما بذاته، اى ان كل مملكة او سلطنة كانت عبارة عن دولة مستقلة.

مملكة سنار او (الفونج)

14– كانت مملكة الفونج هى بداية الحزام من جانبه الشرقى. وقد سادت هذه المملكة فى الفترة ما بين (1504-1821)، وعرفت إيضاً بإسم عاصمتها سنار، و باسم السلطنة الزرقاء، او باسم مؤسيسها من قبيلة الفونج الافريقية بالنيل الأزرق والذين اقاموا تحالفا مع قبيلة العبدلاب العربية،  فأسقطوا دولة علوة المسيحية وأقاموا دولة الفونج وعاصمتها سنار والتي ظلت قائمة لأكثر من ثلثمائة عام،  تولي الحكم خلالها ثمانية وعشرين سلطاناً كما ورد فى بعض  كتب التاريخ . كانت مملكة الفونج تمتد من الشلال الثالث شمالا حتي حدود أثيوبيا جنوباً، ومن الصحراء الشرقية على البحر الاحمر حتي حدود كردفان غرباً، وقد كانت دولة قوية وذات شوكة إستطاعت أن تجمع عدداً كبيراً من ملوك ومشيخات القبائل المبعثرة، في كيان مركزي إداري  وسياسي  موحد. فقد إستطاعت قبيلة الفونج بقيادة  زعيمها عمارة دنقس أن تخضع مشيخة خشم البحر وملك فازوغلي ومشيخة الحمدة وملك بني عامر و الحلنقة. أما عبدالله جماع  زعيم العبدلاب، فقد أخضع مشيخة الشنابلة والمناصير والجموعية والجعليين والميرفاب والرباطاب والشايقية والدفار ودنقلا العجوز والخندق.  وقد قام بين الاثنين- الفونج والعبدلاب- تحالفا بالتراضى فيما بينهم قاد الى نشوء الدولة الجديدة. لعل مثل هذا التحالف المتراضى عليه هو المعنى علم السياسية بالبناء العضوى الداخلى للدولة. فألبناء العضوى يستلزم وعيا داخليا من الكيانات المجتمعية التى تعيش فى ذلك الحيز الوطنى الذى يجمعهم وليس المفروض عليهم بفعل من خارجهم.

مملكة المسبعات

15– يلي الفونج من الناحية الغربية مملكة  المسبعات فى شمال كردفان، والى جنوبها  مملكة تقلى وهى مملكة صغيرة نسبيا وتتبع فى الغالب الى سنار.  واما المسبعات  قبيل من الفور، زحفوا شرقا وحكموا منطقة شمال كردفان الحالية، وذلك بسبب صراع على السلطة بين فصيلين من أبناء العمومة – الكنجارة والمسبعات- من قبيلة الكيرا الحاكمة فى  دارفور. ولما سيطر جزءُ من الكنجارة، وهم الكيرا، على الحكم فى دارفور، خرج الجزء الاخرغضابي على بنى عمومتهم، وتوجهوا صباحا، اى شرقا (دارصباح)، فاطلق عليهم اسم “مصبحات”، وانشاءوا مملكة لهم فى كردفان. ولقد ظلت المملكة التى انشأها المسبعات فى كردفان، تمثل دولة فاصلة او حاجزة  (buffer state) بين الدولتين القويتين، الفونج ودارفور، ولذلك ظلت مزعزعة الى حد كبير.  فقد دخل ملوك المسبعات فى صراعات طويلة من اجل استعادة السلطة فى دارفور، اذ يرون انفسهم اصحاب الحق التاريخي فى حكم دارفور. ومن الجانب الاخر كانت لهم  صراعات متطاولة من اجل الانعتاق من سلطنة الفونج التى ظلت تطمح لضمهم اليها، بينما ملوك المسبعات يريدونها حليفة لهم فى نضالهم لاستعادة الحكم السليب فى دارفور. وقد ظل ملوك المسبعات فى كردفان اقوياء ومقاتلين عنيدين من اجل تحقيق اهدافهم، لكن حظهم العاثر و قدرهم  الصعب اوقعهم بين سلطنتين قويتين، وهما بين طامح وطامع. ولذلك لم تتمتع مملكة المسبعات بفترات استقلال طويلة، بل ظلت متجاذبة تخضع حيناً للفونج واحياناً لدارفور، الا ان السلطان تيراب استطاع دمجها بصورة نهائية الى سلطنته، بعد هزيمة الملك هاشم المسبعاوى فى العام 1785 فأصبحت اقليما تابعا لدارفور تُعرف ب “مقدومية كردفان”، وذلك الى حين الغزو التركى  المصرى فى العام 1821 فأنتزعها الدفتردار ودمجها الى سنار اثر سقوطها على يد اسماعيل ابن محمد على باشا، وبذلك اكتمل الجزء الاول من تكوين ما عُرف بعد ذلك بالسودان التركى المصرى.

سلطنة دارفور

16– الى الغرب من مملكة المسبعات تقع سلطنة دارفورالتى تمتد حدودها من كردفان شرقا حتى مملكة ودّاي غربا،  ومن بحر الغزال جنوباً الى الحدود المصرية والليبية من الناحية الشمالية والشمالية الغربية علي تخوم الصحراء الكبري.  كانت دارفور تمثل أحدى الممالك السودانوية  القوية سياسياً، ومهابة عسكرياً وتتمتع بتنظيم إداري وسياسي صارم .

 وقد عُرفت المنطقة باسم دارفوربحكم ان الفور كانوا المجموعة السكانية الأكبر بالمنطقة، واصحاب السيادة على الارض، وظلوا الحكام الفعليين لها منذ قيام سلطنتهم فى القرن السادس عشر والى حين إسقاطها فى العقد الثانى من القرن العشرين.  كانت دارفور تضم عشرات القبائل السودانية التى تنتمى الى عرقيات وجذور متنوعة و مختلفة. وتنقسم السلطنة عمليا إلي إدارات قبلية،  وتُسمي البلاد باسماء القبيلة التى  تقطنها وتسود فيها، فيُطلق علي كل منها اسم “دار” ويتبعها اسم القبيلة: (دار زغاوة او دارهبانية على سبيل المثال).. و تشكل الدار، “الهوية الإجتماعية والسياسية والثقافية للقبيلة المحددة التى تسود عليها وتري فيها تجسيداً لمكانتها الإجتماعية وحياتها الجماعية وحيزها الثقافي والسيادي”. وإلي  اليوم، توجد الى  جانب التقسيمات الإدارية الحكومية  الرسمية للاقليم: من ولايات ومحليات ووحدات إدارية، تُوجد ايضا التقسيمات الادارية الاهلية للقبائل وديارها. ولأن القبائل فى دارفور متداخلة ومتصاهرة، فمهما بلغ من كبر او صغر دار القبيلة، إلا انها دائما ما تضم افراداً وجماعات من قبائل وعشائر اُخرى، تتساكن وتتعايش مع اصحاب الدار وتستغل كل ما فى تلك الارض من موارد طبيعية وخيرات دون منً ولا اذى، فقط ان  تظل السيادة حسب الاعراف والتقاليد السائدة، لأصحاب الأرض، اى القبيلة صاحبة السيادة على الدار.

التقسيم والادارى وعاصمة السلطنة

17– تتكون السلطنة – كما فى سنار- من تحالف الكيانات القبلية الموجودة بالمنطقة تحت سلطة مركزية بقيادة السلطان. ولم تكن للدولة عاصمة ثابتة فى مكان واحد، بل حيثما اختار السلطان مكان اقامته، يصبح ذلك المكان فاشرا، اى مجلسا له وعاصمة لملكه. وكان لكل سلطان من السلاطين الاوائل فاشره او عاصمته، فسليمان سولونق فى مدينة (طرة)، وفاشرالسلطان تيراب فى (قِرلى) ثم نقلها الى  (تيسى) ثم (شوبا). وكانت كل الفواشر او العواصم قريبة من منطقة جبل مرة. لكن فى نهاية القرن الثامن عشر وتحديدا فى العام  1785، وحينما كانت دارفور فى اقوى اوضاعها السياسية والعسكرية، شن السلطان تيراب حربا على السلطان هاشم المسبعاوى، فاسقط مملكة المسبعات بكردفان وضمها الى دارفور، وبذلك صارت الدولة واسعة الاطراف، واصبحت ادارتها من منطقة جبل مرة  امرا صعبا، فاستقر راى السلطان عبدالرحمن الرشيد-خليفة تيراب- على تحويل العاصمة الى السهول الشرقية من دارفور، الى موقع يتوسط السلطنة التى توسعت شرقا، حتى يستطيع ان يشرف منها على الامتداد الجديد للدولة فى كردفان، فاختار منطقة (رهد تندلتى) لتكون فاشره، كان ذلك عام  1791، وهو تاريخ انشاء مدينة الفاشر الحالية التى احتكرت الاسم  الى اليوم.

ديار القبائل او (الحواكير)   

  18 تتكون السلطنة او الدولة من ديار او حواكير للكيانات القبلية المتعددة، ولكل قبيلة  اداراتها الاهلية الخاصة بها، فمنها على سبيل المثال ولا الحصر: دار مساليت،  دارقمر ودار تاما بغرب دارفور، ودار زغاوة، دار برتى ودار ميدوب فى شمال دارفور، ويكون لكل قبيلة من يترأسها اداريا، كسلطان او ملك القبيلة،وتختلف حسب الثقافة الادارية السائدة فى المنطقة من ملوك  ونظار وفُرش (جمع فرشة وهو منصب حاكم فى الادارة الاهلية بغرب دارفور)، وشراتى (جمع شرتاى) وعًمد شيوخ.. ثم فى ديار البقارة بجنوب دارفور، حيث قبائل الرزيقات، الهبانية،  البنى هلبة، التعايشة، الفلاتة، المعاليا، الترجم، القمر، البرقد، المسلات البيقو..الخ، ويسمى رأس القبيلة “الناظر” . اما القبائل التى تمتهن رعى الابل اى”الابالة” او “الجمالة”، ويقيمون  في شمال الاقليم، فيتزعهم شيوخ القبائل: شيخ عرب المهرية وشيخ عرب المحاميد، شيخ عرب العطيفات، شيخ عرب العريقات، شيخ عرب الزيادية وشيخ عرب الزبلات..الخ ، وشيخ القبيلة لدى الابالة يماثل ناظر القبيلة لدى البقارة.

هذا النظام الدقيق والمحكم لللامركزية الإدارية للقبائل، ربما لم يكن موجودا في كثيرمن السلطنات والممالك السودانوية الأخري بالحزام الاسلامى الافريقى. وبالرغم من ذلك فإن السلطة المركزية فى دارفور كانت تعاني من تمردات بعض القبائل الكبيرة، فكثيراً ما خرجت سلطنة دار مساليت أو سلطنة القمر عن السلطان المركزي في فاشره. وأكثر التمردات القبلية والخروج علي السلطة المركزية كانت تأتي من عرب البقارة بقيادة الرزيقات بجنوب دارفور. وسبب التمردات والخروج  عن السلطة في الغالب هو رفض دفع الإستحقاقات السلطانية من ضرائب وعشور وزكوات للسلطان.

العلاقة بين دولتى الفونج ودارفور

19– كانت سلطنتا الفونج ودارفور، هما أقوي سلطتين سياسيتين وجدتا علي أرض السودان الحالية آنذاك. وقد تزامنتا فى الوجود لمدي أكثر من ثلاثة قرون، وظلتا دولتين منفصلتين، حتي نهاية العقد الثالث من القرن التاسع عشر، (1874). وكانت العلاقات بينهما تتميز بخصائص مشتركة: كدولتين ذاتا عقيدة دينية واحدة، وتشابه وتشابك في التكوين الأثني، بل وكانتا على درجة واحدة  تقريبا من حيث التطور الاقتصادى الاجتماعى. وكانت هذه العلاقات تعكس التعاون الثقافي والإقتصادي والديني. وكان السودان النيلي يمثل قيمة عاطفية ودينية لسلاطين وأهل دارفور عموما بكيانتهم الاثنية والاجتماعية المختلفة.  كانت نظرتهم إلي (دار صباح) مشوبة بالكثيرمن التقدير والإحترام، لما بينهم من صلات الدم والجيرة والعقيدة والعلاقات الاقتصادية، بل وظل الكثير منهم يوقنون و يترقبون ظهور مهديِ منتظر فى (دار صباح)- اى الوسط والشمال النيلى- سوف يجدد الدين ويحارب الكفر ويملأ الأرض عدلاً بعد ان ملئت جوراً.

التداخل الاثنى بين مملكتى الفونج ودارفور

20– فى القرن السادس والسابع عشر، وهى الفترة التى تم فيها توسع القبائل العربية والنيلية غرباً، نزحت افراد ومجموعات كبيرة من القبائل العربية والنوبية من منطقة النيل الى كردفان، و واصلت مجموعات منها النزوح الى دارفور، مثل  القضيات والجليدات والجمع  وربما قبائل اخرى من (المجموعة الجعلية) نحو مناطق الغرب التى سبقتهم اليها قبيلة الجوامعة التى استقرت بالقرب من الابيض الحالية وفى مناطق الرهد (ابودقنة) والبركة والمشارف الشمالية لجنوب كردفان، واصبحت قبيلة الجوامعة هى القوة المسيطرة فى كردفان، حتى ان قبائل دارحامد و الجلابة هوارة، حينما نزحوا الى هناك ورغبوا فى الاقامة، فان الجوامعة هم الذين منحوهم الارض..(مكمايكل/تاريخ العرب فى السودان). هذه القبائل لم تقف عند نزوحها فى حدود كردفان، كما سبق الذكر انما واصلت جماعات منها النزوح غربا حتى دارفور، بل والى جمهورية تشاد الحالية  حيث اسسوا مملكة وداى او دارصليح، ومنها( الصليحاب). وكان الجوامعة هم السكان الاوائل لمدينة ام شنقة التاريخية بدارفور. كما اسست جماعة من الفقهاء الجوامعة عاصمة روحية بمنطقة جديد السيل بالقرب من مدينة الفاشر، حيث بنى  الولى الصالح الشيخ عزالدين الجامعى مسجداً جامعاً مازالت اَثاره باقية حتى اليوم.  وجاْء من بعده حفيده الفقيه مسلم  الذى اصبح قاضيا لقضاة دارفور واعمالها فى عهد السلطان عبدالرحمن الرشيد (التونسى/تشحيذ الاذهان). وفى منطقة جبل مرة يوجد فرع من الفور يُعرفون ب(جوامعة طُرة سلاطين)، وهم من العلماء وحفظة  القرآن، وقد اصبحوا الآن جزء من قبيلة الفور وقيادتها، ومن احفادهم البروفسور ابو القاسم سيف للدين، والاستاذ عبد الواحد محمد نور، قائد ومؤسس حركة تحرير السودان، والدكتور امين محمود القيادى بالمؤتمر الشعبى، وشقيقه الاستاذ صالح محمود المحامى، القيادى بالحزب الشيوعى والناشط الحقوقى المعروف. وهناك احياء كاملة فى مدينة الفاشر تحمل اسماء القبائل والجماعات التى نزحت من  قديم الزمان، من الشمال او الوسط النيلى وقد انبتت عن جذورها بتطاول الزمن، الا ان وجودها الفعلى على الارض، يمثل توثيقا واقعيا وحقيقيا لحضورها التاريخى فى دارفور. فهناك على سبيل المثال: حلة جوامعة، حلة طريفية ، حلة هوارة، حلة واحية، حلة اِسرة،  حلة اولاد الريف (مصريين)، وحلة القاضى (دناقلة)، هذا الى جانب حلة كفوت والوكالة اللتان تجمعان مزيجا من المكونات القبلية المنبتة من الشمال والوسط النيلى:  (مغاربة، جعليين، شايقية، محس، بديرية، عركيين، عبابدة، حضور، جعافرة، مشايخة، بنى عامر، جلابة هوارة، دناقلة، كنوز..الخ). ومن المرجح ان نزوح بعض المجموعات الكبيرة من القبائل مثل البديرية والطريفية من مناطقهم الاصلية بالشمالية الى كردفان ودارفور، قد تم فى تلك الفترة التى عرفت سطوة الشايقية وهيمنتهم على منطقة دنقلا، فقد عانت هذه القبائل من تعسف قبيلة الشايقية، الامر الذى اجبر اعداداً كبيرة منهم الى النزوح غرباً حيث وجدوا المستقر الآمن وطاب لهم المقام فاستقروا واصبح لهم موطنا. (مكمايكل/ تاريخ العرب فى السودان).

21– كانت دارفور وكردفان موئلا لأعداد كبيرة من الجماعات والاسر من قبائل (دار صباح)- وكان منهم  العلماء والفقهاء وتجار المسافات البعيدة وصغارالتجار. كما ان  كل مدن وارياف دارفور كانت تغص بالتجارالجلابة، بل انهم كانوا يمثلون اغلبية سكانية مطلقة لبعض المدن التجارية الكبرى فى عهد السلاطين الاوائل. فمدينة “كوبى” على سبيل المثال، كانت تعتبر اكبرمدن السلطنة وكانت تمثل العاصمة الاقتصادية لسلطنة دارفور، وقد  قال عنها الباحث والمؤرخ ر.س.اوفاهى بانها مدينة وادى النيل، وَجُدت فى السافنا، وجاء فى وصفه لها: “كانت كوبى من ابتداع المهاجرين من مصر العليا وومن شمال السودان: كالهوارة، الجعافرة، النوبة واخرين من شمال السودان، الدناقلة والمحس والجعليين من شمال السودان.”.وقد سبقه الى ذلك الرحالة براون (1792)، حيث كتب عن المجتمع التجارى فى كوبى: “كان مؤلفاً من عناصر اجتمعت من ارجاء مختلفة من العالم، الى تجار من مصر العليا وتونس وطرابلس، ودنقلا ونوبيا وكردفان..”.  وكانت مدن دارفور مليئة “بجلابة الخير”- كما اطلق عليهم الكاتب الصحفى الحصيف الاستاذ عبدالله ادم خاطر-  وهؤلاء الجلابة كانوا فى الماضى وما زالوا يمثلون حتى اليوم نسبة كبيرة من المكون السكانى لبنادر دارفور الكبرى مثل الفاشر ونيالا والجنينة ومليط والضعين وكبكابية..الخ

ما نود تأكيده فى هذا المقام، هو إن العلاقات بين دارفوروكردفان والوسط والشمال النيلى لم تكن يوما مجرد علاقات إقتصادية وتجارية  عابرة، او حتى علاقات دينية فقط ، انما تداخل اجتماعى و تمازج بشرى وانسانى كبير وقديم، وان  القبائل النيلية يشكلون فى الواقع مكوناً اساسيا وعضويا من  سكان مدن وارياف  دارفور، هذا اذا استثنينا المجموعات الاثنية التى نزحت من/الى منطقة الشمال النوبي منذ عهود غابرة مثل الميدوب والبرقد وربما التنجرايضا، كما تدلل بعض الابحاث التاريخية.

اما الامر المؤكد الآخر والذى لا خلاف عليه، هو ان كل سلاطين واهل دارفور على العموم، كانوا يرحبون بكل القادمين اليهم من (دارصباح)، خاصة التجار ورجال الدين و زعماء القبائل. كذلك كان الحال بالنسبة للجماعات التى كانت تاتى من بلاد اخرى من وراء حدود سودان اليوم، مثل غرب افريقيا، ومن المغرب العربى كبلاد الشنقيط ومراكش وفيزان وتونس..الخ،  حيث يجد العابرون منهم الضيافة والامان الى ان يغادروا، و يجد المقيمون الاحترام والتقدير ويمنحون الارض للزراعة ان رغبوا فى الزراعة والتسهيلات ان عملوا بالتجارة.. فأهل دارفور لم يعرفوا فى ثقافتهم اى شكل من اشكال الممارسات العنصرية اوالاستبداد او الاستبعاد لاى  وافد عابر او مقيم، وانما الترحاب به و السرعة فى استيعابه وادماجه بينهم.

22– ورغم أهمية دارفور كعمق استراتيجى وسياسي واقتصادي لمملكة الفونج، كما ورغم اهمية السودان النيلى السياسية والإستراتيجية والاقتصادية وكمنطقة عبور لتجارة دارفور مع الخارج، وبخاصة مع مصر والحجاز وتركيا، ، الا انه لم تكن لاى من المملكتين ادنى رغبة للعداوة أو الحرب بينهما بسبب من الطموح السياسي أو المنافسه علي السلطة. ولعل الحملة الوحيدة التي شنها السلطان تيراب عام (1785م) علي الفونج – كما اشرنا الى ذلك من قبل وسنتناول تفاصيلها لاحقا – كانت بهدف تعقب السلطان هاشم المسبعاوي ملك كردفان الذي سعي لزعزعة  السلطة بدارفور بهدف العودة إلي ملك أجداده.

(*) ماكمايكل: تاريخ العرب فى السودان

نواصل (3-6)

/ nurdarfur@gmail.com