مشكل التاريخ هو تاريخ المشكل

حامد على نور

التشكيل السياسى الحديث لدولة السودان

الغزو التركي المصري وبداية تشكيل الدولة السودانية الموحدة  

23- وكما سبق الذكرفان محمد عى باشا، حاكم مصر بأسم الدولة التركية، عندما غزا السودان فى العام 1821، كان السودان عندئذ يتكون من دولتين مستقلتين هما: مملكة الفونج، وتُعرف ايضا باسم عاصمتها سنار، والى غربها سلطنة دارفور. اما كردفان فقد كانت “مقدومية” تابعة لسلطنة دارفور، منذ ان اسقطها السلطان تيراب فى العام 1785، وضمها لسطنته وولى عليها نائبه المقدوم ابو محمد كُرا. وعندما غزا جيش الدفتردار البلاد، كان”المقدوم مَسَلَم” هو الحاكم على كردفان بأسم سلطان دارفورمحمد الفضل.

ان الحقيقة التاريخية التى اريد تأكيدها هنا وبكل وضحوح، هى ان دارفور ليست مجرد اقليم مثل اقاليم السودان الاخرى، وانما مكون من مكونات السودان فقد كانت دولة مستقلة وذات سيادة لاكثر من ثلثمائة عام، وقد ظلت مستقلة وقائمة بذاتها لاكثر من خمسين عاما اخرى، من بعد الغزو التركى المصرى للبلاد فى العام 1821، واحتلاله لدولة الفونج، باقاليمها التى عرفت فيما بعد ب(الشمالى، الشرقى، الاوسط والخرطوم)، وان اقليم كردفان فى ذلك الحين كان جزء من سلطنة دارفور، وانما انتزعت انتزاعا من لدنها، بواسطة الجيش الثانى (الدفتردار). ولم تصبح دارفور جزء من (السودان التركى المصرى) الا فى العام 1874، اى قبل عشرسنوات فقط من طرد الاستعمار التركى المصرى من البلاد، وقد ساهم شعب دارفور فى ذلك مساهمة ليست لها مثيل ولا ينكرها عليهم احد، فهم اكثر من آمن بمهدوية المهدى واخلص لها ودافع عنها ثورة ودولة.

ضُمت دولة دارفور الى السلطة الجديدة عام 1874، لتصبح المكون الثانى (للسودان التركى المصرى)، وبذلك اكتمل التشيكل الجيوسياسى لما عُرف اليوم بالدولة السودانية.

 اسباب الغزو التركى المصرى للسودان

 24- اسباب الغزو التركى المصرى للسودان، افصح عنها صاحب مصر، محمد على باشا بنفسه وبوضوح لا يقبل التأويل: (البحث عن  العبيد والذهب)، وليس فى تقديرنا لاية اسباب اخرى كما نحا الى ذلك الاستاذ الجليل الدكتور محمد سعيد  القدال  فى سفره: “تاريخ السودان الحديث”، فى محاولة منه لايجاد موقف موضوعى للغزو،  فهو يعزوه ايضا الى ظروف العصر وقواه المضطربه والمتشابكة، كنمو السوق الراسمالية الذى خلق مناخا عالميا يبرر الغزو على اساس انه رسالة حضارية. فالواقع ان اول غزوات محمد على باشا الخارجية كانت للجزيرة العربية عام 1811، واستغرقت تلك الغزوة سبع سنين، ورغم انها انتهت باحتلال مكة، الا انها تركت محمد على باشا شديد الافتقار الى المال والرجال. وكان ثمة مكان واحد يستطيع ان يعوض فيه هذين النقصين الا وهو وادى النيل نفسه..فالرجال والذهب كانا موفورين فى ربوع السودان، والى جانبهما تتوفر ايضا موارد اخرى كثيرة، ولذلك قرر محمد على ان يوغل فى البرية التى وراء اسوان. ولقد افصح الباشا عن غرضه من الغزو، كما ورد فى نفس كتاب القدال:  “المال والعبيد!”…فقد كتب محمد على باشا الى ابنه وقائد جيشه الى السودان: ” انت تدرى ان الغاية من كل جهودنا هذه، هى استجلاب الزنج، فعليك ان تظهر الهمة والنشاط فى تنفيذ رغباتنا هذه فى هذا الموضوع الجوهرى” النيل الازرق/ آلان مورهيد

25- ومهما يكن من امر، فقد قرر محمد على باشا غزو السودان،  وأرسل حملة عسكرية مكونة من جيشين أحدهما بقيادة إبنه إسماعيل باشا، لاحتلال سنار التى كانت فى حالة فوضى وترنح واًيلة للسقوط، بسبب الازمات الداخلية، وسرعان ماتهاوت على يد الغزاة.  

اما الجيش الثاني فكان بقيادة صهره، محمد خسرو (الدفتردار)، وكان منوطاً به غزو واحتلال سلطنة دارفور، الا ان محمد على باشا اكتفى بانتزاع مقدومية كردفان من لدن سلطنة  دارفور. ورغم وعيده وتهديده للسلطان باجتياح دارفور، الا ان جيشه لم يتقدم نحو دارفوركما كان مخططا له،  ولذلك  إستمرت سلطنة دارفور مستقلة عن الحكومة التركية المصرية التى هيمنت على دولة سنار وكردفان لأكثر من خمسين عاما حتي أسقطها الزبير باشا فى العام 1874، كما سنرى. ولنقف الآن على مسيرة حملتى الغزو الاجنبى للبلاد

حملة اسماعيل باشا لاِسقاط سنار ونهاية مملكة الفونج:

  26- كانت الحكومة المصرية تعلم عبر إستخباراتها في الداخل مدي ضعف وهشاشة السلطة في سنار، وأن مؤسسة الدولة السنارية عبارة عن لامركزية تقليدية قائمة علي إستقلالية نسبية للكيانات القبلية. وكانت قبيلة الشايقية قد عُرفت بتمردها وإستقلاليتها عن السلطة فى سنار، كما كانت تبطش بالقبائل الأخري المجاورة لها، والتى ظلت تعانى من سطوتها وهجماتها المتكررة. فكانت قبائل المنطقة تريد التخلص من الشايقية، ولذلك لم تتحمس لمقاومة الغزو، بل رحب به بعض من قبائل المنطقة. وعندما تحركت قوات الغزو التركية من مصر وإتجهت جنوباً نحو السودان لم تجد مقاومة تذكر من السلطة المركزية في سنار لحماية حدودها الاقليمية وكان عليكل كيان من الكيانات القبلية أن تواجه مصيرها لوحدها، كما ان قيادات بعض قبائل المنطقة كانت تقدم الخدمات الاستخباراتية والعون اللوجستى لجيش الغزو، وسرعان ما إكتسح الجيش التركي المصري كل المنطقة تقريباً دون مقاومة. كان حاكم دنقلا والمحس حسين كاشف قد بدا يعد للمقاومة لكنه لم يجد من يؤازره ففر إلي كردفان، فقام أخوه حسن بالتسليم للجيش الغازي، (.). وسلم حاكم صاي، كما إستسلم حاكم أرقو وحاكم المحس وبقية دنقلا. وعندما حل جيش الغزو بمنطقة الشايقية أتفق زعيما الشايقية الملك صبير والملك شاويش وقبلا التسليم ودفع الجزية مقابل إحتفاظ قبيلتهم بخيلها وسلاحها وعندما رفض إسماعيل باشا ذلك العرض،  كوّن زعيما الشايقية حلفاً عسكرياً وقررا المواجهة فكانت معركتا كورتى وجبل الضايقة، وقد انهزم الشايقية فى المعركتين وذلك باعمال جيش الغزو للمدافع التى لم يالف اهل السودان فتكها، ورغم ذلك فقد كان بلاءهم شديدا، وقد أبدوا من إستبسالاً في التصدي ادهش العدو الغازى(*). لكن سرعان ما إستسلم الشايقية حينما أدركت قيادة القبيلة عدم جدوي تلك المقاومة، بل وذهبت أكثر من ذلك ،حينما قررت التعاون مع جيش الغزو فإنخرط الشايقية  في صفوفه كمقاتلين في سبيل إخضاع بقية البلاد للحكم التركي، وكان لهم دورهم التاريخي المشهود له بالتعاون مع جيش الغزو.

27- وإستمر جيش الغزو تقدمه جنوباً نحو بربر فسلم له الملك نصر الدين زعيم الميرفاب وهنأه بالنصر على الشايقية، فأقره اسماعيل باشا على بربر، ثم الملك أبو حجل زعيم الرباطاب ثم شيخ عربان الحسانية. وعندما أطلت الحملة علي أبواب شندي فى 22 مارس 1821 جاءه المك نمر طائعا، فأمنه وكساه واقره على بلاده وفى 9 مايو اتاه الملك مساعد مسلما وفى 15 مايو جاءه الملك جاويش مسلما، وكان قد التجا الى جنوب ارض الجعليين مع المئتى رجل الذين  فرً بهم من دار الشايقية، فعفا عنه وخلع عليه وعينه على رأس 140 من رجاله، وابدى جاويش رغبته بان يرافقه الى سنار. كما عين كل من الشيخ ازيرق والشيخ عبود شيخ بادية السواراب على رأس خمسين رجلا وربط لهم مرتبات معينة. وهكذا كان دخول الشايقية الباشبوزق فى جيش الحكومة التركية المصرية بالسودان، وقد بقوا فيه الى حين قيام الثور المهدية. واستمرت الحملة في طريقها جنوباً فوصلت منطقة أمدرمان الحالية فسلم لها ملك العبدلاب المانجل الأمين، والشيخ ناصر ورافقه في بقية زحفه، ثم عبرت إلي أرض الجزيرة فسلم شيوخ المسلمية وهكذا إلي أن دخل جيش الغزو إلي العاصمة سنار التي إنهارت فيها إستعدادات المقاومة قبل دخول الجيش الغازي فسقطت لقمة سائغة في يد الجيش التركي المصري وبذلك إنتهت سلطنة الفونج في السنة الأولي للغزو التركي لبلاد السودان دون أي خسارات تذكر للجيش الغازي(1).

حملة الدفتردار واسقاط كردفان

28- جيش الغزو الثاني بقيادة صهر محمد علي باشا، محمد خسرو الدفتردار وقد توجه نحو إقليم كردفان الذي كان يتبع لسلطنة دارفور وكان يحكمه المقدوم مسلم مندوباً عن سلطان دارفور، فبعث الدفتردار برسالة يطلب منه التسليم وذكر في رسالته أنه جاء بإسم السلطان العثماني خليفة المسلمين وأوهمه أن المقاومة تعني الخروج من دولة الإسلام لكن الأهداف العدوانية المغلفة بالدين لم تنطل علي المقدوم مسلم فرفض حجج الدفتردار وعبر عن رفضه في رده علي رسالة الدفتردارهذا نصه:  

“إلي حضرة دفتردار تابع باشي محمد علي ، مني إليك جزيل السلام ومزيد التحية والإكرام. أما بعد فخطابك الذي أرسلته إلينا فهمناه ومافيه من جهة السيال (الإعتداء) والطمع وغير ذلك فهمناه. طيب إن كان نحن في بلدنا مسلمين وتابعين كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بالأمر والنهي في زمان السلاطين المتقدمين. أنتم أهل بحر ونحن أهل بر وكل سلطان يحكم بلده بما قال الله ولا نحن تحت ملككم من الزمن السابق وكل سلطان يحكم رعيته بما قال الله وهو المسئول.

أما أنتم فغير مسؤولين عن حكم ديار الغير…ولا ظهر في زمن السلاطين المتقدمين من العثماني من خاطبنا بهذا الخطاب ولا من يرسل التجريدة علي بلاد الإسلام إلا أنتم في زمن محمد علي باشا، غزيتم ديار المسلمين وأنتم مسلمين تحت سلطان آل عثمان خليفة رسول الله، ولكن نحن خارجين عن حكمه وهو ليس مسئوول عنا يوم القيامة. نحن ما خالفنا كتاب الله وسنة رسوله ولا عهد الله لكم بقدوم بلادنا، أنتم غاصبين وظالمين وسايلين (معتدين) كما قال الشيخ مجاز دفع السايل. إن جيت بلادنا أنت سايل وظالم ونحن مظلومين (وإن متنا) شهداء بين يدي الله (2)

29- وكان للمقدوم  مسلم ما أراد، من طلب الشهادة فرسالته تلك تحمل في طياتها فهماً دينياً راسخاً للحكم ومضموناً سياسياً ووطنياً لم يعتاد القائد التركي علي سماعه منذ أن وطأت قدماه أرض السودان، أما المقدوم مسلم فقد بدأ بالفعل كرجل دولة ذي إرادة وقرار يواجه مسئولياته الوطنية بكل جسارة ويتبع قوله بالعمل، فبدأ في الإعداد للمواجهة العسكرية مع جيش الغزو التركي المصري، فإستنفر خيٌالة كردفان ومشًاة دارفور وتقدم بجيشه من الأبيض ليلتقي مع جيش الدفتردار في سهل بارا وبدأت المعركة سجالاً هناك رغم عدم التكافؤ في السلاح والتدريب لكنهم “ثبتوا امام الجيش الغازى طويلا واقتحموا نيرانه غير مبالين بالموت حتى انهم اخترقوا صفوفه وجرحوا كثيرا من عساكر الطوبجية (المدفعجية) وهم فوق مدافعهم”، ( نعوم شقير) فأخذت مدفعية الدفتردار توقع الخسائر بجيش المقدوم من علي البعد وهو سلاح لم يالفوا مثله من قبل، لكنهم وقفوا في وجهه بجسارة وثبات وقاتلوا في إستماته بسلاحهم الأبيض. وبعد قتال ضار سقط خلاله أكثر من سبعمائة شهيد من الجيش الوطني وفيهم المقدوم مسلم نفسه ، وجُرح وأُسر الالاف، إنفرط عقد الجيش المقاوم وأخذ الأتراك يوقعون أقسي صنوف العذاب بالأسري وبعد ذلك فقط تمكن الجيش الغازي من دخول مدينة الأبيض عاصمة كردفان  واخذ الدفتردار فى الاهبة للزحف نحو دارفور فتصدى له السلطان محمد الفضل مجددا وأعد جيشاً اخرا لمحاربة الغزاة المصريين والأتراك:

“فلما علم السلطان محمد الفضل أن المقدوم مسلم قد هُزم وقُتل في الحرب أرسل جيشاً ثانياً تحت قيادة أبي اللكيلك فخرج له جيش الغزو فإلتقاه في سودري بين فوجة والأبيض وحدثت واقعة شديده حارب فيها جيش (دارفور) حرب الرجال حتي قتل قائدهم فإنهزموا راجعين إلي الفاشر فخاف السلطان محمد السلطان علي دارفور (لا علي نفسه) وأخذ من ذلك الوقت يحشد الرجال ويستكمل العدة للمحافظة علي سلطنته.” (3)

محاولات غزو دارفور

30- ولم تتوقف مساعى محمد علي باشا في تهديد ومحاولات إخضاع سلطنة دارفور لحكمه، فبعد تسع سنوات من سقوط سنار وكردفان وبالتحديد في عام ١٨٣٠م بعث الباشا  برسالة إلي السلطان محمد الفضل يدعوه مجدداً ومهدداً إلي التسليم و إعلان الولاء للحكومة التركية، إلا أن السلطان محمد الفضل أستنكر هذا التجني ورفض الإذعان لما جاء بتلك الرسالة من تهديد،  ورد على الباشا بخطاب مطول يؤكد فيه عتزازه بمملكته وبشعبه. ومحذرا الباشا من مغبة تعديه علي دولته، وهذا هو نص خطاب السلطان محمد الفضل لمحمد على باشا:

” إلي حضرة الكوكب العالي، والنير المتلالئ والطور المعالي، ذي المفاخر والمعالي، بهجة الأنام وقدوة الليالي، أخينا ومحبنا صاحب العز والإفتخار الباشا محمد علي والثاني الإقتدار سلمكم الله تعالي من الآفات ووجهكم إلي فعل الطاعات،

وجنبكم الله عن فعل المخدرات وإستعملكم الله بالباقيات الصالحات بمنه وكرمه. السلام عليكم ورحمة الله والبركة لديكم وبعد فقد وصل إلينا خطابكم أوصلكم الله إلي رضوانه وجعلنا الله وإياكم في ظل ستره وأمانه، وفهمنا ما حواه خطابكم وما إقتضاه جوابكم وكل كلمة من المرقوم تستحق جواباً من المفهوم ولكن يكفي عن هذا كله كلام الحي القيوم حيث قال: “له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كباسط كفيه إلي الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال”. وقوله تعالي: ” فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحد”. ونهاية مطلوبنا وغاية إعتقادنا نحكم بكتاب الله العزيز وبسنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن خالفنا وتعدي نقصم ظهره إن شاءالله تعالي ونستعين عليه بالله، لأننا نرضاه قرباناً ولا نظلم إنساناً ونحن والحمدلله متبعون لا مبتدعون ومسلمون لا مشركون، نحكم ونأمر بالمعروف وننهي عن المنكر والذي لم يصل نأمره بالصلاة والذي لم يزك نأخذ منه الزكاة ونضع ذلك كله في بيت المال ثم ننفقها للفقراء والمساكين ونرد الأمانات إلي أهلها ونرفع يد الظالم من الرعية ونعطي كل ذي حق حقه. فأما إستعملنا ذلك نصرنا الله تعالي علي من عادانا وظفرنا عليه حتي دانت لنا القبائل العظام بعون الله العلام وإستقامت لنا أجناد لا يعلمها إلا رب الأرباب ولا يحصيها إلا رب العباد وهم ينفقون أموالهم إبتغاء مرضاة الله وفي طاعة الله، لما ورد في كتابه العزيز “إن الله إشتري من المؤمنيين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والأنجيل والقرآن” وكل مسلم ديوانه دينه وبعد.. لقد بلغنا أنكم طالبون طاعتنا إياكم وإنقيادنا لكم فيا عجباً هل أتاكم خبر من عند الله تجدون فيه نصركم؟ أم حديث رسول الله تجدون فيه تمليككم أم خطر خاطر بعقولكم أن لكم رباً  قوياً ولنا رب ضعيف؟ …فالعمري أن دارفور هذه محروسة محمية بسيوف قواطع هندية وخيول جرد أدهمية وعليها كهول وشبان سائرون إلي الهيجاء بكرة وعشية (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). فمن آتي دولتنا خاطئاً ينهزم ويرجع مكرها وينتقض عزمه ويضمحل ويتلاشي وتصير هباءً منتثوراً كرماد إشتدت فيه الريح في يوم عاصف وإن آتانا طاغِ فقد تعرض لزوال نعمته وحصول نقمته وأن بغي علينا باغِ لدُك في الساعة والحين. ألم تروا إلي قوله صلي الله عليه وسلم: “لو بغي جبل علي جبل لدك في الساعة الباغي.  فهل بلغكم إننا كفار وجب عليكم قتالنا أو أباح الله لكم ضرب الجزية علينا أو علمتم خبراً بعين اليقين فينا . أما علمتم أن فينا العباد والزهاد والصالحين ممن ظهرت لهم إلكرامات في وقت وحين وفى كل اوان وسنين وهم بيننا يطفئون نار شركم اليقين ويعلو دخانا ثم يرجع كل منكم إلي أصله ويعود إلي فصلهً.

فهل غركم قتالكم مع ملوك البحر كأهل السافل وسنار والشايقية؟ بل نحن السلاطين وهم الرعية! ولا يغرنكم قتل المقدوم مسلم إنما هو كحبة سقطت من رحل كبير. أما علمتم أن ملكنا هذا طلبه كثير من ملوك السودان (الذين هم خمسمائة الف أو يزيدون) فصاروا كلهم منهزمين أسرى وقتلى ولم يعد منهم أحد فرجعوا منهزمين هاربين بعون الله القادرالصمد ولكن لا يكفي هذا كله إلا بعد النظر والعيان والتجربة والبيان فإعتبروا يا أولي الابصار من قبل أن يخذل الله بغاة فيردها علي الأدبار وما النصر إلا من عند الله الواحد القهار والسلام علي من إتبع الهدي وصلي الله علي من لا نبي بعده وسلم“(1).

 (1) للأسف فإن هذا الخطاب قد إنتحل ونسب إلي الوزير السناري محمد ود رجب (أنظر الفحل الفكي الطاهر: تاريخ وأصول العرب بالسودان- الطابع العربي- (1976) ص35) والكتاب المدرسى المقرر للصف السابع بمرحلة الاساس.

قراءة  لوقائع تاريخ الغزو

31- إن وقائع تاريخ غزو السودان في القرن التاسع عشروالمذكورة فى كل كتب التاريخ تقريبا، تؤكد  حقائق لا بد من الوقوف عندها وهي تتمثل في الآتي:

اولا- فيما عدا مقاومة قبيلة الشايقية القصيرة تلك،  فأن جيش الغزو التركي المصري لم يجد مقاومة تُذكر من الكيانات القبلية في الشمال او الوسط النيلي عند دخوله السودان حتي سقوط سنار حاضرة مملكة الفونج. على العكس تماما فقد وجد الترحيب والتشجيع والتعاون من اغلب قيادات هذه الكيانات، بل وان بعض هذه القيادات كانت تقوم مقام الاستخبارات لصالح جيش الغزو! ان المقاومة  الحقيقية الوطنية – وليست القبلية- هى تلك التى واجهها الجيش الغازى في غرب السودان. فمدينة الأبيض لم تسقط إلا بعد ان مهرها الشهداء بدمائهم وعلي رأسهم قائدهم المقدوم مسلم، وبعد أن جٌرح وأُسر آلآف الجنود الذين واجهوا آلة الحرب الحديثة بسلاحهم الأبيض فقط.

    32- الامر الاخر الذي لابد ان نقف عنده في هذه القراءة الموجزة لتاريخنا الوطني- (الحديث والموثق وليس القديم) – هو أن  الحكومة التركية المصرية تعاملت منذ البدء مع (سلطنة دارفور) معاملة دولة حرة يسعون لانتزاع سيادتها، ومع حكام دارفور كرجال دولة وطنية. و حكام دارفور بدورهم اثبتوا عمليا بانهم اصحاب سلطة سياسية وسيادة وطنية مركزية، وليسوا مجرد زعماء عشائراومكوك قبائل، وهم بهذه الصفات تصدوا للجيش الاجنبى الذى جاء غازيا لهم وساعيا لإستعبادهم، فقاوموه بقوة وعناد وإرادة وطنية لم تلن، وبذلك فقد اثبت حكام دارفور وعيًا وطنيا متقدما على غيرهم، كما اثبتوا نظريا وعمليا جدارتهم بتلك الصفة السيادية لدولتهم وسلطتهم. فرغم الفارق الكبير بين الجيش الغازي وجيش دارفور من حيث العتاد الحربى والسلاح الحديث والتدريب المتطور… فإن حكام دارفور لم يهن عليهم مصير الوطن، بل هانت النفوس من أجله، فوقفوا في وجه العدو الغازي ولم يُسلموا أو يستسلموا قط -(وذلك عبر تاريخهم المعلوم)- لأي عدو أو غازى أجنبي دون قتال شرس.

33- الأمر الاخير هو: إن مخاطبة حكام دارفور للغزاة – خطاب المقدوم مسلم للدفتردار وخطاب السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا- تستند علي قاعدة وروح وطنية اصيلة، وفهم راسخ للدين الإسلامي القويم، فهم يستنكرون مبدأ ان تتجرأ دولة مسلمة علي غزو بلادهم المسلمة وبلا سند من الشرع الإسلامي الذي لا يجيز غزو البلاد الأخري لغير رد العدوان او دفع الظلم “1”.

34- أما الملاحظة الاكثر أهمية فى مخاطبة السلطان محمد الفضل لمحمد علي باشا، الى جانب ما فيها من الحصافة والدبلوماسية، هى: تلك الندية والاعتزاز بالاستقلالية والسيادة الوطنية وروح الشجاعة والتحدى. كما ان المخاطبة تستبطن وجداناً وطنياً ووعيًا سياسيا وحدوياً  متقدما وقويا تجاه سلطنة سنار وكياناتها القبلية. فالسلطان محمد الفضل وبعد سقوط  سنار وكردفان، تحمل مسئوليتة الوطنية والأخلاقية  تجاههما. ففي إشارته: “فهل غركم قتالكم ملوك البحر كأهل السافل وسنار والشايقية! “  فتلك إشارة لا تخلو من ذكاء وحنكة سياسية وروح وطنية وتحد عسكري. فهو هنا لا يزدري دولة سنار أو أهل السافل من الشايقية والجعليين، وإنما اعتبرهم جزءً من سلطته ومن مسئوليته، وإنه يمثل المركز او القطب/وهم رعاياه: (بل نحن الملوك وهم الرعية) وغرض السلطان يتضح جلياً حينما أشارإلي مقتل نائبه و عامله علي كردفان، المقدوم مسلم فوصفه:  “كحبة سقطت من رحل كبير”- فمن البدهى انه لم يهدف من هذا الوصف إلي تصغير شأن واحد من اعظم قواده، وإنما هدف فى الواقع إلي إرهاب العدو الغازي وتحذيره من مغبة ما سوف يلاقي من ويلات ان هو أقدم علي تنفيذ تهديده بإجتياح (مركز) البلاد، وهذا النوع من التهديد والوعيد للعدو الذى هو جزء من الحرب النفسية معروفة في الحروب التقليدية عامة “1”

اٍضاءة أولي: في تهميش التاريخ

 35- أن معركة بارا الوطنية البطولية تلك، وهي أول معركة لجيش ( وطني) في مواجهة الغزو التركي المصري للبلاد،  وذلك التصدي الجسور للغزاة في كردفان، لم يجد حظه من التناول الموثق لتاريخ أبطالنا ومعارك شعبنا ضد الغزاة والمستعمرين… فبالرجوع إلي كتب التاريخ التي كتبها “المؤرخون الرسميون”   لا نجد ذكراً لمعركة بارا إلا علي إستحياء وبشكل مختصر ومبتسر، وبإسلوب نقد سلبي يخلو حتي من الإشارة الرمزية للنضال الوطنى لأولئك الأبطال. لقد اقتصرت تلك الكتابات التي تتناول تاريخ تلك الفترة على مقاومة قبيلة الشايقية بمن فيهم الحكامة الجسورة مهيرة بت عبود، حيث وجدت ذكرا طيبا فى التاريخ تستحقها عن جدارة، ثم عن حرق المك نمر لاسماعيل باشا رغم ان كل سكان المنطقة قد دفعوا ثمنا غاليا وعل رأسهم قبيلته من الجعليين، وهرب هو واسرته من تلك المحرقة الجماعية المجانية. و أما ذلك الجيش الكردفاني الدارفوري فكأن لم يكن جيشاً وطنياً تصدي لغزو أجنبي إستعماري!! وذلك الفارس المغوار المقدوم مسلم الذي إستشهد في ميدان الوغي مدافعاً عن وطننا وشعبنا بسلاح أبيض أمام آلة الحرب الحديثة عندئذ، لم يكن بطلاً وطنياً سودانياً! بل وكأنما السبعمائة شهيد الذين روت دمائهم رمال بارا وهم يدافعون عن وطنهم،  والآف الأسري الذين سؤموا العذاب علي يد الدفتردار وجيشه الغازي، لا يسوون شيئاً في تقييمهم للوطنية والوطنيين!!. اما الابطال الذين يستحقون التخليد الوطنى من منظور مدونى التاريخ (الرسمى) فهم المك نمر والزبير باشا والميرغنى والمهدى وغيرهم ممن لا نغمطهم حقهم الوطنى تخليد ذكراهم وهم الان الان موجودون فى كتبنا وفى فصول دراستنا وفى الشوارع و الكباري والمرافق والمؤسسات الوطنية والاهلية..الخ. لكن سؤالنا المشروع والذى لابد له من اجابة هو:  كم من الناس في هذا الوطن قرأوا  أو دُرسوا تاريخ الوطن يعلم شيئاً عن ابطال وطنيين مثل السلطان محمد الفضل أو عن المقدوم مسلم؟ – وغيرهم آخرين سناتى على ذكرهم لاحقا- نبحث عن موقعهم في تقييم تاريخهم وتكريم وتخليد ذكراهم كأبطالنا الوطنيين!

36- ألم تكن ما مواجهات السلطان محمد الفضل أو المقدوم مسلم أو القائد أبي لكيلك  أكثر جسارة ووطنية مما قام به أولئك الذين لقنونا- وظلوا يلقنون ناشئتنا من بعدنا- بطولاتهم الحقيقية اوالمتوهمة ؟!  وهل هناك معيارآخر لتكريم الأبطال الوطنيين والقادة التاريخيين، غير الشجاعة والجسارة في التصدي للعدوان الأجنبي، وبذل النفس وكل نفيس في سبيل عزًة هذا الوطن! وهل هناك من اعطى اكثر منهم في مجابهة الغزاة المستعمرين والصمود في مقاومتهم، ساعين للنصر أوالموت دونه؟  لنراجع التاريخ سنكتشف حقا  من هم الابطال  ومن هم المتواطئون! أين ذلك الجزء العزيز من تاريخنا الوطني، وأين دور أبطالنا الوطنيين من دارفور بل ومن كل الهامش السوداني من تاريخنا الوطنى فى مناهجنا الدراسية؟ وهل ضاق ماعون معرفة الخالدين فى تاريخنا الوطنى لغير أهلنا في الشمال والوسط النيلي!؟

 لقد سقط الآف الشهداء في ميادين المعارك، فهل تسقط حقيقة أن تلك المعارك كانت من أجل الوطن وليس غيره؟…. ورغم هزيمة الجيش الوطني فى معركة بارا، إلا أن مبدأ التصدى البطولى للغزاة والجسارة والصمود في القتال حتي إستشهاد القادة مع جنودهم في الميدان،  أليس في ذلك تأكيداً للإرادة الحرة، وإنتصاراً للعزة والشرف الوطني؟ أليس هؤلاء الرجال هم الذين عبروا عن إرادة شعبنا وكتبوا الصفحات الأولي الناصعة من تاريخنا الوطني الحديث؟  فكيف نسعى عامدين او غافلين اسقاطهم من وعيَنا ومن ذاكرتنا التاريخية الوطنية؟ وكيف نبقي علي أخرين هم دونهم هامة وقامة، ونسعي لننشئ الأجيال بأنهم  وحدهم الأبطال وليس غيرهم! أين موقع هؤلاء الأبطال في توثيق تاريخنا الوطني؟ وكم منا يعرف عنهم ؟ وإلي متي نتجاهلهم  ولماذا؟

نواصل (4-6)

حامد على نور/ nurdarfur@gmail.com

 الحلقة الأولى على الرابط:

مشكلة السودان فى دارفور (من منظور نقدى لتاريخ السودان) 1-6

 الحلقة الثانية على الرابط:

مشكلة السودان فى دارفور (منظور نقدى لتاريخ السودان) (2-6)