عثمان ميرغني
مساء أمس شهدنا جلسة تكريم للفريق الذي أنجب السلسلة الوثائقية بعنوان (أرض السمر).. حوالي 52 حلقة تجوب أنحاء السودان وتستخلص أجمل المناظر وأنبل التاريخ.. بتقنيات تصوير عالية وإخراج مميز للأستاذ سيف الدين حسن، الذي نال عدة جوائز خارجية وآخرها جائزة أفضل إخراج عن هذه السلسلة منحت له في تونس الشهر الماضي.

الذي يشاهد هذه السلسلة يدهش أن يكون السودان بكل هذا الثراء الناجز، من كل الخيرات، وبكل هذه السحنات البشرية المتنوعة والمتجانسة.. فيطل السؤال الحتمي.. لماذا يبدو هذا الوطن، حتى بالنسبة لنا نحن أهل الأرض.. وطناً مجهولاً.. استكشافه يشبه رحلة كولمبس إلى الأرض الجديدة في أمريكا؟

من بين ثنايا مشاهد هذه السلسلة لفت نظري مشهد مهم وحاسم.. السيارات التي استخدمها الفريق للتجوال في أرض السودان واكتشاف المخبوء المنسي منه.. ثم مشهد هذه السيارات في أكثر من موقع وهي تتعطل في الرمال أو التلال أو الأوحال.. يا ترى هل يحتاج كل من يهوى هذه الأرض أن يحصل على سيارات الدفع الرباعي ذاتها التي استخدمها فريق (أرض السمر) ليصل إلى الأماكن ذاتها..

بعبارة أخرى.. لنفترض أن سائحاً أجنبياً أغراه جمال المنظر في هذه السلسلة وقرر أن يزور بلادنا ليتمتع برؤيتها كفاحاً.. هل يستطيع الوصول إلى المناطق التي وصلها فريق (أرض السمر).. بكل يقين.. لا.. ففريق (أرض السمر) نفسه لو طلب منه العودة إلى هذه المناطق لربما تردد كثيراً..

هذا يعني عملياً؛ أننا نعيش في أرض لا نملكها.. أو نملك أرضاً لا نعيش فيها.. حالنا كمثل الغلامين في سورة الكهف لهما كنز لا يقدران على الوصول إليه وامتلاكه..

السؤال المزمن المحير.. كيف نستخرج كنوز (أرض السمر) المدفونة في فقرنا وعجزنا وقلة حيلتنا؟

هذا السؤال لم يعد في الإمكان تأجيله انتظاراً لانتخابات 2020.. فالوطن ليس ملكاً للساسة.. ولا مزرعة يديرها الساسة على قدر طموحاتهم ورجاءاتهم.. لأنَّ كل يوم يمضي تحرق نيران فقره المدقع بعض هويتنا السودانية النبيلة وتمسخنا في جينات تتخلق من رحم الواقع المزري الذي نكابده.. أسوار العيب في مجتمعنا تنهار يوماً بعد يوم بفعل المتغيرات التي ترغمنا على التعايش مع الحرمان والفقر والضعف النفسي والمادي..

من ينظر في سلسلة (أرض السمر) يدرك إلى أي مدى هذا الشعب (مظلوم مرتين) على رأي الشاعر التجاني الحاج موسى…. مرة لأنه في الحاضر لا يملك ما يملك.. وأخرى لأنَّ مستقبله مسروق منه.. فمثل هذا الواقع لا ينجب إلا مزيداً من الحرمان..

تحية خاصة لكل فريق (أرض السمر).. أنجزتم ما عليكم.. ولفتم نظر شعبنا لفداحة الخسارة .. خسارة أرض مكتوب على جبينها (لا يمكن الوصول إليها).

التيار