الباقر العفيف

تعجب الكثيرون من عدم انفجار الشارع بالمظاهرات رغم احتقانه، ورغم ضيق الشعب وتلاحق أزماته.  ولقد صَدَمَ منظرُ الناس وهم يقتلون الوقت بلعب الورق، وتبادل النكات، أثناء انتظارهم الطويل في صفوف البنزين والغاز الممتدة على مد البصر، الكثيرين من الكتاب والنشطاء السياسيين، وزاد من يأسهم من قيام الثورة الشعبية. حار الناس من هذا الهدوء العجيب رغم توفر جميع الظروف الداعية للانفجار.

الحاصل شنو؟

بدأت تظهر بعض النظريات التي تحاول الإجابة على هذا السؤال، وتفسير هذه الظاهرة المحيرة. فهناك النظرية القديمة التي تعزوا الأمر لضعف المعارضة وتمزقها وزهد الشعب فيها، ومن ثم غياب البديل. وقبل ذلك كان هناك من أعلن نهاية عهد الثورات الشعبية بنهاية الربيع العربي، وفشله في إحداث التحول الديمقراطي المنشود، بل ارتداده لحكم عسكري قابض في مصر وانزلاقه لحروب ودمار ونزوح وتدخلات أجنبية في كل من سوريا وليبا واليمن. وهناك من صارت تراوده قناعة بأن الشعب استكان ووطن نفسه على التعايش مع الفقر والقهر والاستعباد، وشرع يشتمه بأقذع الألفاظ.

بيد أن أعجب من كل أولئك، فإن هناك من شكًّك في وجود شيء اسمه “الشعب” نفسه. فوفق هذا الطرح، فإن مفهوم “الجماهير”، أو ما يرادفه من عبارات مثل “الشارع” أو “الشعب”، ليس له وجود حقيقي، بل ابتدعته النُّخَب لاستغلاله لمصلحتها الذاتية، مما اعتبره نوعا من أنواع الاحتيال السياسي. فهذه النخب، حسب هذه النظرة، تتحدث باسم الشعب دون تفويض حقيقي.

ماذا عن أكتوبر وأبريل؟

أما إذا تساءلنا عن ثورتينا اللاتي نفاخر بهما الأمم، أكتوبر وأبريل، ألم تكونا ثورتين شعبيتين؟ فتأتي الإجابة “لا” عالية. فإن النخب، ممثلة في الأحزاب والنقابات والجيش، هي التي صنعت أكتوبر وأبريل وليست “الجماهير” أو “الشعب”. وأن هذه النخب تسلَّقت “الجماهير” لتصل للسلطة، لأنها لا تستطيع الوصول إليها بالطرق الديمقراطية المستقيمة. أي أن “النخب” هي التي زيَّفت التاريخ الحقيقي لهاتين الثورتين ووصفتهما، زورا وبهتانا، بالثورات “الشعبية”، بدل “النخبوية”.

وهكذا نرى نموذجا لكيفية تحول الآراء السياسية لعقائد دُغمائية يسعى أصحابها لإثبات صحتها بكل سبيل، ولو بمحاولة إعادة كتابة تاريخ الثورات السودانية لتجريد الشعب من دوره فيها.

وفي مارجريت تاتشر أسوة لكم

إن نفي وجود شيء اسمه “الجماهير” شطحة لم يسبق صاحبها عليها إلا شطحة السيدة مارجريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانية في عقد الثمانينات من القرن الماضي، حين صرحت بأنه ليس هناك شيء اسمه المجتمع وإنما هناك فقط أفراد وأسر”.

There is no such thing as society. It is only individuals and families

وجاء تصريحها في مضمار سعيها المحموم لتفكيك دولة الرعاية الاجتماعية التي أنشأها حزب العمال البريطاني. وقد جَرَّ عليها هذا التصريح وغيره من التصريحات المؤيدة للرأسمالية المتوحشة، وكذلك تشريعها لضريبة الرأس “الدِّقنيَّة”، غضب “الجماهير” البريطانية التي خرجت “للشارع” بالملايين، وأسقطت ضريبة الرأس، ثم أسقطت تاتشر ذاتها، التي تخلص منها حزبها عندما أصبحت رمزا للكراهية، وعبأ ثقيلا عليه، وكان واضحا جدا أنها ستكلفه الانتخابات ما لم يتخلص منها. ومن آثار تصريحها العجيب ذلك أن أحد الشباب البريطانيين لم يتمالك أعصابه عندما رأي تمثالها في متحف الشمع فقام بتوجيه لكمة للتمثال أطارت رأسه.

ولأهل النظام تفسيرهم

هذا في جانب المعارضة. أما من جانب النظام، فهناك تفسير آخر مختلف تماما لهذا الهدوء الشعبي. تفسير يثني على الشعب “المسلم” الصابر على “الابتلاءات”، والذي يتَفَهَّم وضع حكومته “الإسلامية”، وما تعانيه من حصار ظالم نتيجة تمسكها بدينها. ودلّل الكاروري في خطبه على ذلك بمشهد المنتظرين على الصفوف وهم يقيمون الجمعة في محطات الوقود. وصرح منتشيا بأن تلك من أبلغ الرسائل التي أرسلتها الجماهير “المسلمة” للأحزاب المعارضة التي تحلم بالثورة، بأن تؤوب إلى رشدها وتعود إلى حضن دينها وشعبها “المسلم”.

بعيدا عن العقائد والأماني

وبعيدا عن محاولات جعل الآراء السياسية البشرية أصناما تعبد، وبعيدا عن أماني أهل النظام المزنوق، الذين صاروا مثل الغريق ال “بتلافى زبد البحر”، فالمشهد الشاخص امامنا يقول ان هناك شعوب، وهناك جماهير، وشوارع تثور وتقضي على طغاة، وتطيح بحكومات، أو تضعفها وتذهب بهيبتها. ففي تونس نجح الشعب في هزيمة النظام وأقام بديلا أفضل. وفي مصر أطاح الشعب بمبارك ومرسي، وبالرغم من أنه لم يقم البديل الديمقراطي، إلا أنه حقق مكاسب عظيمة، ليس لمصر وحدها بل للعالم كله، وذلك بقضائه على سرطان الإخوان المسلمين الذي يكاد يفتك بنا، ونزع السلطة منهم، ثم فتح الأبواب على مصراعيها لحركة تنوير ستقتلع أفكارهم من جذورها، وتقطع دابرها. وحسب هذا وحده المصريين، والبشرية جمعاء، من مكسب في هذه المرحلة. أما التحول الديمقراطي فهو قدر الشعب المصري الذي سوف لن يطول انتظاره له كانتظارنا. و”الشعب” في اليمن نجح في انجاز التغيير، وحافظ على سلمية الثورة لزمن طويل، رغم انتشار ثقافة السلاح في البلاد. إلا أن أحابيل الرئيس المخلوع أدخلت اليمن في حرب أهلية، وتدخلات إقليمية مدمرة، لا يُسْأَل عنها الشعب، وإن اكتوى بنارها. وقد راح ضحيتها الرجل الذي تسبب فيها، عله يصبح عبرة لغيره من المهووسين بالسلطة. وكذلك الحال في ليبيا، وسوريا، فقد بدأت الثورة الشعبية سلمية، ولكن دموية النظامين هي التي أدخلت بلديهما في الفتنة والخراب الحاليين. ولذلك لا يُلام الشعب في البلدين على ما آلت إليه الأوضاع. وعموما، ورغم الدماء والدمار، إلا أن المستقبل هو للشعوب، ولو بعد حين. فسوريا لن تكون سوريا القديمة، وليبيا لن تكون ليبيا القديمة. والتاريخ ملئ بالشعوب التي أصابتها الحروب والمحن والكوارث، فخرجت منها لآفاق الحرية والسلام والتنمية. ولقد أصبح الربيع العربي مهما قيل فيه معلما في التاريخ المعاصر وتجربة انتقلت لأروبا وأمريكا في شكل حركة “أحتل وول ستريت” وانتقلت لعدد من البلدان الأفريقية، مثل بوركينا فاسو، وغامبيا. وستظل إرثا إنسانيا يجلب المفخرة لشعوب المنطقة.

ذاكرة سبتمبر ٢٠١٣

خرجت الجماهير خروجا تلقائيا في سبتمبر ٢٠١٣، عقب الإجراءات الاقتصادية التي أسفرت عن زيادات في أسعار السلع الأساسية. خرجت في عدد كبير من المدن شملت جميع أقاليم البلاد. ولم تستطع الحكومة إيقافها إلا بعد أن أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين العزل وقتلت منهم ما يزيد عن المائتي شهيد. إذن هناك شيء اسمه الجماهير، وأن هذه الجماهير تخرج في مظاهرات بالرغم من ضعف المعارضة وتمزقها، ورغم عدم توفر البديل. خرجت الجماهير دون أن تدعوها المعارضة للخروج. خرجت ودفعت الثمن من دماء شهدائها. بيد أنها اختزنت التجربة.

 

لماذا لم تتجاوب الجماهير مع دعوات الثورة؟

ولكن هذه الجماهير لم تخرج الآن بالرغم عن أن الأوضاع أسوأ مما كانت عليه عام ٢٠١٣ أضعاف مضاعفة. وبالرغم عن أننا نعايش دولة فاشلة وعاجزة عن إدارة البلاد، وفاقدة للشرعية، وفاقدة لزمام المبادرة.

السبب في عدم خروج الجماهير هو ببساطة لأن ذاكرة الشعب ما تزال تختزن هذه الجريمة البشعة، جريمة مقتل أكثر من مئتي مواطن أعزل وبريء، وضياع دمائهم هدرا، بلا قصاص أو عدالة. فالشعب يعلم أن النظام لن يتوانى في قتل المتظاهرين العُزَّل، وبطبيعة الحال فالجماهير سوف لن تستجيب لدعوات التظاهر ما دامت المعادلة هي بين الحياة، مهما كانت بائسة، وبين الموت. فحفظ الحياة مُقدَّم على حفظ الكرامة عند جملة البشر، وهذا ما جعل المهزومين في الحروب قديما يقبلون الاسترقاق، ويفضلونه على الموت. ولولا ذلك لما ظهر الرق في الكون.

هذا هو السبب الرئيسي الذي جعل الشارع المحتقن هادئا تماما. وهناك قناعة متزايدة أنه لن يتحرك في مظاهرات ما لم تتساوى عنده الحياة بالموت. لذلك هلا تريّث قليلا الذين بدأوا يسيئون لشعبهم، ويصفونه بالجبن والخنوع والتفاهة، في ظن ساذج منهم أن تلك الإهانات السخيفة ستستفزه للتحرك. لابد لنا من قراءة عميقة للشارع، وتحليل دقيق لأوضاعه المادية والمعنوية، ثم صياغة الفعل المناسب في الوقت المناسب، باستغلال حدث مناسب.

تجربة العصيان

استجاب الشعب لدعوة العصيان بالبقاء في البيوت  بدرجة كبيرة أعادت للناس الامل في التغيير عبر توحيد الوجدان الشعبي. ولعل أبلغ رسالة أرسلها العصيان للمتشككيين في الجماهير والشعوب هو أن الشعب استجاب للدعوة بالرغم عن أنها جاءت من جهة غير معروفة، وبدون عنوان. استجاب دون أن يتساءل أو يتشكك في مصدر الدعوة. فلماذا استجابت الجماهير لدعوة البقاء في البيوت عام ٢٠١٦، ولم تستجب لدعوات الخروج في المظاهرات عام ٢٠١٨؟ الإجابة  واضحة أن العصيان لا ينطوي على خطر الموت أو الإعاقة أو الإعتقال والتعذيب، بينما المظاهرات تنطوي على كل أولئك. إذن يجب أن نفكر في أفعال احتجاجية فعالة وقليلة الثمن. أفعال قليلة المخاطر وكبيرة العائد. أفعال لا تعرض الشعب للمخاطر ولكنها تكبد النظام خسائر فادحة. فهل هذا ممكن؟ نعم ممكن. تجاربنا القريبة وتجارب شعوب أخرى تثبت ذلك. في الحلقة القادمة أحدثكم عن التجربة التركية في منتصف التسعينات والتي كان حالها يشابه حالنا الآن.

الحلقة الأولى منشورة على الرابط

https://www.altaghyeer.info/2018/06/09/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8-%D9%87%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84-%D9%83%D9%8A%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84-%D8%A7%D9%84/