أعمدة ومقالات

فرقاء الجنوب , هل الخرطوم مؤهلة لعلاج الجراح ؟

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

خالد فضل

نظريا تبدو الخرطوم أقرب لجوبا بحكم أنّها ظلت عاصمة للسودان الكبير منذ تأسيسها في عشرينات القرن التاسع عشر على يدي الحكم التركي المصري (1821_1885م), وحتى يوليو 2011م ظلت جوبا تحت رحمة الخرطوم , ليرتفع في اليوم التاسع من ذاك الشهر العلم يرفرف فوق السارية , وعلى وقع النشيد الوطني ليتم إعلان ميلاد دولة جنوب السودان كأحدث دولة في العالم يتم الإعتراف بها دوليا وتتبوأ مقعدا في الأمم المتحدة , وقد أنشد المغني في الرنك صبيحة ذلك اليوم _كنت حاضرا هناك_ نشيد الراحل محمد وردي (أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا ) بتصرف في لفظ (سوداننا) ليصبح (جنوبنا ), من هنا تبدو الخرطوم أقرب لجوبا , فالوجدان المشترك لكثير من السودانيين لم ينفصل كما انفصلت العواصم , والأسر المشتركة لم تنقسم رغم أنّ بعض أفرادها يدخلون عبر بوابات المطار ب (فيزا) بينما يهرول آخرون عبر بوابة المواطنين , اللغة العربية ظلت هي اللغة المشتركة رغم مناهج التعليم الإنجليزية في دولة الجنوب , لا يشعر معظم الجنوبيين بالوحشة والغربة وهم يشيدون مأوى بائس في طرف عمارة تحت التشييد في كل أحياء الخرطوم مثلما يجادولون ويساومون في سماسرة العقارات حول غلاء أسعار منازل الإيجار , بالنسبة لي شخصيا لم يتغيّر شئ , ما يزال أصدقائي الجنوبيين همو همو , بالوسامة ذاتها , المحبة كلها , وعربي الجنوب الحبيب وبعض انجليزية لازمة للتوضيح , نسأل عن الأولاد ومراحلهم التعليمية ومدارسهم , ونعزي فيمن مات أو قُتل , وهم يفعلون ذات الشئ , نتعانق عند اللقاء ونتواعد عند الفراق , الأشياء هي هي ونقتسم المعاناة والحسرة على المشروع الذي ضاع , ونبكي قرنق الذي غادر من غير ميعاد !  هكذا تبدو جوبا أقرب للخرطوم ليس بفضل سوء الحكام وندالتهم في العاصمتين , ولكن بفضل وشائج انسانية لا تنفصل . وهموم مشتركة لا تنفصم , ألم تكن اللازمة الكلامية في قعر كل خبر عن لقاءات الحكام والوزراء والسفراء تقول (العلاقات الأزلية بين الشعبين ) يقال ذلك عن مصر والسعودية وتشاد و و و لكنني أشعر بها مبنى ومعنى عندما يتعلق الأمر بالجنوب .اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني مولاي على الحب !

  بكل هذه المحبة أنظر بأمل إلى لقاءات فرقاء السياسة الجنوبيين في الخرطوم هذه الأيام , أقابل بعض القادمين ضمن وفود التفاوض ؛ في مناسبات لا علاقة لها بالتفاوض , وكأي سودانيين يلتقون تكون الهموم شريكتهم , فأجد التفاؤل المشوب بالحذر بالطبع , ما من شئ في السودانين يمكن الركون إلى مقدماته , فعقب كل أمل يشرق طامة وكابوس , سلسلة لا متناهية من البلاوي التي تمسك برقاب بعضها البعض مثل أنشوطة تخنق في التفاؤل , وهل كان هناك أهم من توقيع اتفاق السلام الشامل في نيفاشا ؟ ما الذي أعقبه في الشمال والجنوب ؟ لقد بدا الأمل في أعين شعب جنوب السودان صبيحة الإستقلال ولكنه سرعان ما تبدد على وقع الدانات والراجمات والأسلحة الرشاشة تقتنص الأرواح وتهرب عصافير الأمل مع هروب الطمأنينة , ولتنمو بذور الشر والفتنة على وقع حرب الإستهداف العرقي والجهوي , صورة مكررة من السودان القديم , سودان الإضطهاد والمحسوبية والعنصرية والجهوية والفساد والإستبداد وحكم الفرد وتهالك التنظيم السياسي وسيطرة التعصب والشللية والقبلية حتى أضحت الحركة الشعبية شذر مذر , الكل يتغنى بها ومع كل صفقة ورقيص تنأى ممارساته عنها  , والعدوى تسري من الجنوب للشمال لدرجة بات فيها إراقة دم الرفاق أهون من مواجهة كيد الخصوم , والخرطوم الرسمية ليست بعيدة عن استشراء الشر في الجنوب , عهد الناس شمالا وجنوبا بسياسة الخرطوم الإنقاذية متخصصة في إشعال الفتن , كتابها المبين فتوحات ميكافيللي في كتابه الأمير , آياتها التي تسيس بها الناس فرّق تسد , أدبها في دنيا السياسة  رزق اليوم باليوم والنظر تحت الأقدام والمقايضة والسمسرة السياسية دون وازع من أخلاق أو أعراف مرعية , الخرطوم الإنقاذية هي التي دفعت الجنوب للإنفصال إرضاء لمصلحة وقتية وطمعا في عطية دولية ؛ فخاب الرجاء لأنّه لم يك فعلا يقود إلى خير للشعب أو بناء لوطن .

شعب الجنوب عانى بما فيه الكفاية ويزيد , لم يهنأ بعلم يرفرف ونشيد تضخه القلوب قبل الشفاه , وعوضا عن البدء من حيث انتهى السودان الكبير ولكن بصورة مغايرة , بدأ الجنوب عهده المستقل وكأنه استمرار لذات السياسات والممارسات التي قادت شعبه للهروب والتصويت بالأقدام (كما في تعبير بديع لبعض الكاتبين) فسادت القبلية وحلّت محل المؤسسة الحزبية والبيروقراطية الرسمية , وتسيّد أمراء الحرب الجو , يغضب الجنرال فيعلن تكوين فصيل , يحرد السياسي فيلوذ بحمى القبيلة , والشعب يعاني من واقع حياة يفوق حد الوصف بشاعة , ينهار الإقتصاد ويتمرغ الجنيه في خبوب ووحل طين الجنوب يموت  ويجوع الشعب ويتشرد ويلجأ ويهرب وتموت فيه فرحة الميلاد المجيد والأمل بوطن سعيد, ولسان حاله يردد لا تحلموا بعالم سعيد , هذا إرث متنام من الفشل والخيبات ورثه الجنوب من الخرطوم الإنقاذية التي خرّبت وطنا مكانه بين الأمم سام ومقامه عال لكنه صار عالة على العالم , ما الذي تقدمه الخرطوم عمليا لسلام الجنوب واستقراره ؟ الواقع يقول فاقد الشئ لا يعطيه , فلا خير في الديكتاتورية بأي زيّ تزيأت , لا عشم في الإستبداد شمالا أو جنوبا . طريق السلام يبدأ بالحريات والديمقراطية وصون حقوق الإنسان بغير ذلك لن يتحقق حلم مهما شاع التفاؤل أو سادت عبارات المجاملة والترحيب .   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى