أعمدة ومقالات

حادثة المدرسة .. فلتكن حصتهم الأخيرة من أرواحنا

التغيير واتساب

خدمة الـتغيير واتساب

إحصل علي اَخر التحديثات يومياً علي هاتفك

عمر الدقير

الشَّمْسُ ذَاهِبَةٌ لِمَخْبَئِها ووَجْهُها مُحْتَقِنٌ دَمَاً

“من مرثية سومرية”
*
منذ بواكير نظام “الإنقاذ” ومسرح الأحداث في السودان عبثي تراجيدي، وإن كان ثمة كوميديا على هذا المسرح فهي على طريقة شر البلية ما يُضحك .. منذ بواكير نظام “الإنقاذ” وخيوط الدَّم والدمع تأبى أن تنقطع .. أمثلة لا حصر لها لمواطنين أبرياء ذهبوا في موتٍ عبثي مجاني وبقي الأسى يقطر من شواهد قبورهم، ولا يزال جُرح الحزن عليهم مفتوحاً كفمٍ بليغ يشهد على واقعٍ غاشمٍ يخسر فيه الورد رائحته لمصلحة الدَّم.
*
يصعب على المرء أن يكتب بالحبر في لحظةٍ مضمخةٍ بالدَّم .. وأهون عليه أن ينام بجسده العاري على سريرٍ مزروعٍ بالشوك مِن أن يفتح عينيه على مشهد ذلك الجدار المدرسي – الذي أسقطه سوس الفساد – وتحوَّل إلى تابوتٍ حجري لأجساد تلميذاتٍ صغيرات في ظهيرةٍ أسيانةٍ غابت شمسُها قبل الأوان وذهبت لمخبئها ووجهها محتقنٌ بالدَّم ولم يعقبها قمرٌ كي يفتضح اللصوص والقتلة، فيما تحوَّل ذلك المشهد الحزين إلى مجرد عَلَفٍ للميديا بكل وسائطها!!* *
*
كأنّ هذه الحادثة أبت إلاّ أن تفضح زيف شعارات الحكم “الإنقاذي” في أكثر الصور فداحةً وبشاعة وتقدم تجسيداً مكثفاً للمعنى العبثي للحكم الراشد وتقف شاهدةً، مع شواهد أخرى كثيرة، على تخلي دولة “الحكم الراشد” عن أهم واجبٍ يفرضه عليها الدستور، وهو صيانة “الحق الأصيل لكل إنسان في الحياة والكرامة والسلامة الشخصية – المادة 28” .. وتزداد المفارقة إيذاءً للشعور العام وازدراءً له حين لم ترتقِ تلك الحادثة المأساوية إلى أن تكون سبباً كافياً لاستقالة، أو إقالة، أي مسؤول من المعنيين في مستويات الحكم الإتحادي والولائي.
*
إنَّ أدب إستقالة، أو إقالة، المسؤولين الكبار بالدولة في حالة حدوث قصورٍ فادح أو أخطاء جسيمة في الدوائر التي تتبع لهم إدارياً – خصوصاً تلك الأخطاء التي تتسبب في إزهاق أرواح – لهو من صميم ثقافة الحكم الراشد “المُفتَرى عليه”، إذ أنه يعني الإعتراف بالخطأ والتقصير وإعلان الندم عليهما وإدانتهما ويعني نقداً للذات وفتح الطريق للمحاسبة العادلة والمراجعة الأمينة والشجاعة للسياسات والممارسات، كما يعني قبل ذلك كله تقديراً لحرمة أرواح البشر وانحناءة أسف وخجل إنساني أمام شواهد قبور الضحايا واعتذاراً أخلاقياً لأسرهم، وكلها من شروط الحكم الراشد اللازمة لتلافي العجز والتقصير والأخطاء الفنية والإدارية وإعادة البناء على أُسسٍ علمية سليمة وأخلاقية نقية خدمةً للناس وإيفاءً لحقوقهم.
*
أمّا لجنة التحقيق التي أُعْلِنَ عنها، فهي – بحسب التجارب مع سابقاتها – ليست أكثر من ذَرٍّ للرماد على العيون ريثما يواري القضية غبار النسيان، ولن تكون ذات جدوى فعلية أو تمنع تكرار الحادثة المأساوية وأمثالها، مادام ليس مسموحاً لأي تحقيق أن يتسع ويأخذ منحى المراجعة النقدية والتقيمية الشاملة للسياسات والأداء وكشف مكامن الخلل، إذ أنه في هذه الحالة سيطعن الفيل، وليس ظلَّه، وسينتهي بتوجيه أصابع الإتهام الرئيسي لمؤسسة الفساد ومنسوبيها ولانعدام الرشد في نهج الحكومة الإقتصادي الإجتماعي وسياسة التمكين التي اعتلَّ بسببها أسلوب إنفاق الموارد العامة وإدراة المرافق العامة.
*
يقول شاعر إسبانيا الأشهر غارسيا لوركا: “من لا يصغي لأنين حمامةٍ أسقطها الصياد مضرجةً بدمها، ليس شاعراً على الإطلاق”، وبهذا المقياس فإن من لم يهتز ضميره لحادثة موت التليمذات الثلاث تحت الجدار المنهار، ليس جديراً بالانتساب للإنسانية .. ولوركا نفسه هو الذي طلب من الضابط المكلف بإعدامه – عندما اقتاده مغلول اليدين في ليلةٍ قمرية لتنفيذ الحكم فوق تلال غرناطة – أن يتخير للتنفيذ مكاناً في سفح التلال يحجبه عن رؤية القمر لأنه، كما قال، يخجل أن يموت قبالة قمر إسبانيا الذي ألهمه أجمل قصائده وأوثقها اتصالاً بالأطفال ومخيلاتهم وأحلامهم .. وليس بعيداً عن لوركا، حكى أحد الكتاب الطليان عن طفلةٍ جميلة دَهَمَ عسكريون ألمان منزل ذويها بحثاً عن أخيها الشاب، وعندما لم يجدوه قتلوا الطفلة وتركوها على عتبة الباب، وحين جاء الأب المفجوع مدَّدَ جسدها الصغير الدامي في إناءٍ وغمره بالنعناع، ثم دعا الجنرالات إلى وليمةٍ وهو يقول لهم: “هذا هو عشاؤكم المُتَبَّلُ الأخير”.
*
يكفي هذا الوطن شقاءً وموتاً، فقد تكّسرت النِّصال على النِّصال وشبع السودانيون من أسباب الشقاء والموت المجاني حتى بات عليهم أن يتحسبوا من موتٍ يتربص بأطفالهم فوق أسقف المدارس وجدرانها .. فما حدث خلال الأسبوع الماضي في تلك المدرسة – غربي أمدرمان – تكرر كثيراً في كل بقاع السودان، حيث الجريمة واحدة وهي القتل الذي يتم في كل مرةٍ بسلاحٍ مختلف وأمام شهود زورٍ جدد .. لكنَّ الموت العبثي المجاني عندما يفيض ويحوِّل أرض الوطن إلى قبرٍ جماعي، لا بدَّ أن يُفْضي إلى قيامةٍ وطنية يتجلَّى فيها الشهيد والشاهد وينال القاتل ما يستحقُّ من عقاب.
*
فلتكن أرواح التلميذات الشهيدات الثلاث هي حصتهم الأخيرة من أرواحنا .. لقد مُدِّدَت أجسادهن الصغيرة على النعوش وحُمِلَت إلى القبور على الأكتاف مثل هوادج القافلة، وكان الحِدَاء نشيداً صامتاً مُتْرَعاً بالحزن والأسى يستصرخ الأفواه المشكومة لتكسر حديد اللجام، ويَسْتَحِثُّ هذه الأقدام التي تسعى في الشوارع والساحات أن تضرب الأرض غَضَباً حتى يَتَفَصَّدَ عرق الأرض وتقاوم الظلم وتقهر هذا اليباب حيث لا وضوء بغير الدَّم.

‫2 تعليقات

  1. هو واضح الترهل فى كل شىء والفساد عم الوطن ونسال الله السلامه وهل سمعتم يوم من كل منسوبى الانقاذ الان عملوا برنامج كما يحلوا لهم من المسميات برنامج اسعافى لمدة معبنه وكل وزير نزل الى المدارس ميدانيا فى كل ربوع الولاية ومعه مدراء التعليم ووزراء ومعتمدين ويعنى دوله مصغرة وسجلوا ملاحظاتهم وتابعوا التقارير وذلك من صميم علملهم وواجباتهم وهل السور يسقط بدون عوامل بالطبع بعدت عوامل منها الامطار وهى موسمية ؟ وعدم المراجعه وثانيا الصيانه الدوريه وعدم الزيارة الميدانية ويجب ان تكون هناك تقارير فنية دورية للمدارس الحكومه والخاصه وكيف يكون العام الدراسى مهيا ومواكب الى التعليم الحديث ونحن ننهج سياسة تطوير العملية التعليمية كما وكيفا وهنا المسئولية تقع على عاتق مديرة المدرسة ومن ثم مدير تعليم المنطقة ومن ثم الوزير واخيرا نؤمن بالقضاء والقدر ولكن وهل نحن تحوطنا وقمنا بواجبنا الطبيعى والمدروس والصحيح والاجابة لا؟ وبالتالى لا تنطيط من المسؤلية ويجب محاكمتهم جميعا اداريا وماديا لرفع الضرر عن الاسرة المكلوبه ونسال الله لها الرحمة وامل بان الامر لا يمر مرور الكرام كما تعودنا وهذه روح وسوف نسال جميعا عنها لمذا ازهقت بعملنا قبل عمل وقضاء الله وختاما لا تنصل من الحقيقة ووسوء الادراة والتضليل وعدم الشفافية والترهل الواضح وعدم تفعيل القوانيين الاولية والبسيط ووضع لائحة فى كل موقع الادراة المدرسيه وتعمم على كل مدرسة بالاهتما م بصلاحية المبنى والبيئة المدرسية والمحافظة عليها والقيا م بالصيانة والاصلاح الدورى وهل يطبق ذلك فى مدارسنا وكل شىء ماش برزق اليوم وناس عايشه مخصصات وسيارات الاولى بها التعليم وضاع صوتنا ونادينا بان الكوارث سوف تنزل علينا لاننا خدعنا المواطن بشعارات وكلام هلامى وكذبنا على انفسنا ولكن الله عالم وبالتالى كثرت المصائب والمحن جراء اعمالكم ويا المسولين ادركوا الحقيقة قبل فوات الاوان واستردوا حقوق المواطن والبسمه وتقشفوا واعلموا الشىء الذى يرضى الله والمؤمنيين و ما زال هناك بعدا بين المواطن والحكومه الحالية فى التعليم والمواصلات والسكة حديد والمطار والتصريف الصحى وايضا الترهل الوزارى والادراى والصرف والخ وكلها عوامل وسوف تؤدى الى التغير بلا ادنى شك ومن المحال ان يظل الظلم والاستهتار بالمواطن فى حقوقه المشروعه ومن فئة يديرون الدوله لا يدركون ويزكرون اخطاءهم ويعيشون فى البروج العاجية والمخصصات خصما على التعليم والصحة والخدمات والتطور واين هو فى الواقع المعاش الان ؟ والتغير الافضل سنة الحياة وواجب كونى ودينى وخلقى وانسانى والمواطن السودانى منتظر شىء من هذا
    وصبر طول تلك الفترة ولاحظ التخبط والعنتريات والخداع وللصبر حدود والغضب الشارع فى الطريق وسوف يقضى على الاخضر واليابس واين تفرون والاحداث واضحة فى الدول المجاورة ؟ والله المستعان

  2. صباح الخير والبركة
    العزاء لاسر الضحايا الذين نشاركهم الالم والفجيعة والتحية والاجلال للكاتب والمناضل الباسل
    نقرأ كثيرا عن امثال هذه الماسى الا ان القادم افظع
    اناشد كتاب الصحف الاكترونية الذين يؤدون دورا نضاليا عظيما فى نشر الخبر وتوعية القارئ ان يخصصوا جانبا من كتاباتهم لاستنهاض الهمم وتعبئة الشعب وتوحيد الصف من اجل احداث التغيير المنشود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى