خالد فضل

نعزي أهلنا في ديار المناصير ونتضامن مع الأسر المفجوعة في فلذات أكبادها , أولئك التلاميذ/ات والشباب الذين ابتلعتهم أمواج بحيرة سد مروي مطلع الإسبوع الفائت إثر انقلاب المركب التقليدي الذي كانوا يستغلونه للحاق بدروسهم في المدرسة الكائنة على الضفة الأخرى , غرقوا بطفولتهم وبراءتهم وهم يتشبثون بأقلام الرصاص والكراريس التي حلّوا عليها الواجب , وبضعة كتب _إن وجدت_ كانوا يقتسمونها اثنين اثنين على أفضل الوجوه , ماتوا وصورة السبورة الداكنة تتراءي أمام أعينهم في لحظات اغلاقها للمرة الأخيرة وسط لجج الفيضان , راحوا وصدى سورة  التين والزيتون وخلق الإنسان في أحسن تقويم ما يزال يرن في مخيلاتهم البضة , الآن هم في أسفل سافلي البحيرة يتحلق الأهل الذين تحولوا إلى كومة فجيعة , تخشّبوا على الضفة , فقدوا القدرة على الإحساس تماما بفضل قوة الصدمة , الآن يتحلق الوالد والأم ومن بقي من أفراد الأسرة للقاء الجثة الطافية في مشهد لا يحتمله وجدان سليم أو صاحب ذرة من شعور انساني حيّ والموت حقيقة أزلية كما القضاء والقدر يسبقان كل حذر , ولكن مع ذلك على أهلنا من سكان ضفاف الأنهار والخيران والبحيرات ألاّ يركنوا فقط إلى خبراتهم الطويلة وثقافتهم الراسخة في التعامل مع أخطار هذه المجاري خاصة في مواسم الفيضانات , كما لا يمكن في الأساس الركون إلى حلول تقدمها حكومة عاجزة عن إدارة ملف محطة مواصلات في وسط الخرطوم , هذه سلطة فاسدة وفاشلة واوصلت البد إلى مرحلة الإنهيار فلا يُرجى منها خير .

والمجد لوسائط التواصل الإجتماعي الحديثة التي تضع الناس في مواقع الأحداث لحظة بلحظة وتتيح التفاعل الحي مع الوقائع , دون انتظار لوسائل الإعلام الحكومية الميتة وتلك الموسومة بالمستقلة وهي تخضع للإبتزاز الأمني فتقع في خانة المستغلة (بفتح الغين), همّ السلطة ومن هم عليها هو دوام السيطرة والإمتيازات , لا مّ أطفال يغرقون أو أمهات يقضين في النفاس أو متأوه يتلوى في المشفى أو معدم يهرسه الجوع, هموم من هم على السلطة التجديد للرئيس والمؤتمر الوطني لفترة 5سنوات قادمة تنتهي في 2025م لتبدأ رحلة تجديد أخرى تستمر لزهاء 50سنة بعون الله وفاء لوعد حامد ممتاز , أو حتى ظهور المسيح عيسى بن مريم كما في مأثور حديث نافع علي نافع من قبل .

همّ في جيهة ونحنا في جيهة كما عند الرائع الراحل حمّيد , الفجائع مقاسها بالوزن وليس الحجم , عندما كانت الرصاصات تقتنص التاية أبوعاقلة في وسط ساحة النشاط بجامعة الخرطوم مطلع التسعينات من القرن المنصرم كانت أبواق السلطة ولسانها الرسمي يتحدّث عن مؤامرة الشيوعيين لإثارة الفتنة ! وعندما كان والدها يواري جسد كريمت ثرى قرية نور الجليل بولاية سنار ويترحم عليها آلاف الناس وتنتحب زميلاتها وتسيل الدموع من أعين زملائها كان هم من في السلطة تأمين الثغرات حتى لا يفلت منها عميل ! وعندما أشعلوها حرب الجهاد ضد الجنوب والمتمردين الخونة كانت أفواج اللاجئين والنازحين والفارين والقتلى والمصابين تقلق الضمير الإنساني في العالم كله إلاّ عند ربائب السلطة الذين جعلوا من الجهاد وسيط الترقي في نيل الوظائف ومهر الشهادات الجامعية , وعندما كانت الأقمار الصناعية تنقل للعالم صور الفجيعة الإنسانية من مخيمات ومنافي وأطفال صرعى وأمهات تبرز منهن الضلوع من جوع كانت الخرطوم تسمي شوارعها بأسماء من حاربوا ضد الجنوب في حرب الفيالق الإسلامية المجاهدة , وتسمي الصيدليات وداخليات نزل الطلاب ! وحتى في هدنة السلام التي أعقبت نيفاشا عندما رحل النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب د. جون قرنق استكثرت علي الخرطوم اطلاق اسمه على شارع فرعي ناهيك عن قاعة ومنظمة تخلّد ذكراه , ومع ذلك جاء في البرنامج الإنتخابي لحزب الشجرة العجفاء في 2010 الوجدة الوطنية وجعل خيار الوحدة جاذبا للجنوبيين , وعندما وقعت الواقعة وصوّت الجنوبيون بنسبة 99%لصالح الإنفصال , نحر الطيب مصطفى ثورا أسودا ابتهاجا ودلالة على بغضه لسواد اللون في وطن المصارين البيضاء !وقائل قائلهم في جماهير القضارف المحشودة (انتهى عهد دغمسة التعددية وجاء عصر آحادية الدين واللغة ) وعندما كان القناصة في بورتسودان يقتاتون بأرواح عشرات الشهداء من أبناء السودان كانت السلطة تحدّث ذوي الضحايا عن مخطط المعارضة لضرب الاستقرار , وفي محرقة دارفور وحرب الإثنيات والقبائل وفجائع اللجؤ والنزوح ومحكمة لاهاي كانت السلطة ومن هم على صهوتها يتحدثون عن 40مليون فداء الرئيس ولا نامت أعين الخونة الذين (سنقطع أصبع كل من تمتد منهم للنيل من رمز سيادتنا وعزتنا) الضحايا لا قيمة لهم في هذا الميزان المصمم أساسا لصالح الحكام , فالقتلى في شوارع الخرطوم في هبة سبتمبر 2013م مجرد (تبت يدا المخربين)كما عنونت جريدة الصحافة صدر صفحتها الأولى صبيحة الفجيعة . وهكذا هُمّ في جيهة ونحنا في جيهة وليرحم الله حميد وليتقبل شهداء مركب المناصير وليرحم المولى الشعب السوداني ويلهمه الثورة العارمة التي لا تبقي ولا تذر وكل عام وأنتم بخير.