خالد فضل

كل عام وأنتم بخير , ولكن ما بال طعم العيد الكبير في السودان جاء باهتا هذه المرّة على وجه الخصوص , فعلى كثرة المعاناة والتعب والرهق الذي يعيش في كنفه غالبية السودانيين على مدى سنوات حكم الإسلايين التعيسة بيد أن معاناة هذا العا فاقت كل تصوّر , وبصورة لم يعهدها الناس من قبل حقا . قبيل العيد بأيام قليلة عاش قاطنوا الخرطوم تجربة الخميس الكبيس , ذاك كان يوما مشهودا من أيام المعاناة الحقيقية التي واجهها جميع الناس تقريبا عدا أولئك الذين تسبقهم مواكب التشريفة بالطبع . تآزرت الأمطار الطفيفة مع انعدام مجاري التصريف في تحويل معظم شوارع الخرطوم إلى بحيرات مائية , لدرجة أن بعض الكماسرة الظراف كانوا ينادون على الركاب في الحافلات ليس بأسماء المحطات المعهودة , مثل المشتل , لفة جوبا , الصقعي , البوستة ..إلخ بل كانوا ينادون النازلين ب ( محل جاف في نازل؟) , كانت صفوف الخبز وما تزال تتضامن تلقائيا مع صفوف الوقود , وكان غاز المنازل عصيا على الوجود , فيما كانت الطامة الكبرى في انعدام النقود في الصرافات والبنوك , الجنيه السوداني الذي لا يساوي شيئا أمام أي عملة أخرى من عملات العالم صار حلما بعيد المنال لكل المواطنين الذين يتراصون في منافذ الصرافات والبنوك صفوف تتلوى تزداد ولا تنقص أبدا .مئات الآلاف من العاملين في الدولة ومثلهم في القطاع الخاص ممن تُصرف مرتباتهم الشحيحة عبر الصرافات والبنوك لم يتمكنوا من صرف نقودهم بسبب انعدام السيولة في هذه المنافذ , والعطلة الرسمية التي تزامنت مع بداية اسبوع العمل يوم الأحد قبل العيد بيومين فقط زادت من الوضع قتامة , آلاف المسافرين خارج العاصمة لقضاء عطلة العيد مع ذويهم في الولايات المختلفة تكدسوا في الميناء البري ومحطات السفريات الولائية في مدن العاصمة الثلاث , الأسعار جاوزت حدود المعقول , فسعر كيلو الطماطم 80ج أي دولارين ومثله كيلو الليمون في بلد موسوم بالأراضي الشاسعة والسهول الممتدة , لكنه موبؤ بالسلطة الفاسدة المفسدة , سعر الخراف بمتوسط 4000ج أي مائة دولار لوزن 20__25كيلو أي 5دولارات للكيلو الواحد في أرض تعانق فيها الوديان الخيران وتلتئم في الأنهار لكنه البرنامج الفاسد والخطة الخائبة والتمكين اللعين , و بفضل مجهودات التخريب المنظمة  تحولت كل مقومات التطور والتقدم والحياة المعقولة للشعب إلى نقيضها تماما , ولأنّ ضيق الأفق وضمور الخيال ظل هو السمة المميزة لأداء السلطة على طول عهدها البغيض فإنّ كل معالجة لكارثة تسبب كوارث أكبر , فالسيطرة على أموال المودعين في البنوك مثلا قاد تلقائيا إلى انهيار ثقة المتعاملين معها مما يقود  لإنهيار القطاع المصرفي المترنح أصلا بفضل الممارسات الفاسدة التي تشوب أداءه منذ زمن, وعلى ذلك قس بقية مرافق الدولة ومؤسساتها .

في جو الكتمة  وزمن العتمة هذا , وغياب الدولة عن كل أوجه الحياة الحيوية من غذاء وصحة وعلاج وتعليم ومواصلات , صارت صورة السلطة لدى غالبية المواطنين مثل حالة (المخلّى) وهو شخصية نمطية موجودة في كل مجتمع تقريبا في القرية والحي والعمل , هناك شخصية تجاوزت كل حدود التوصيف الأخلاقي للأسوياء حتى صار الناس لا يتوقعون منها خيرا أبدا بل يتوقعون منها دوما الشر وفعل المنكر فتخرج هذه الشخصية عن نطاق الضبط الأخلاقي ومعاييره لدى بقية المجتمع وتصبح في خانة المخلّى أي الخالي من أي إلزام ومعيار أخلاقي يتخذه المجتمع , هذه هي وضعية السلطة الآن في أذهان غالبية شعبها لم يعد أحد يتوقع منها فعلا راشدا أو ممارسة مستقيمة أو خطوة مثمرة بل يتوقعون منها الشر في كل شئ تفعله حتى لو كان ظاهرة خيرا ولعل الطرفة المتداولة تعبّر عن ذلك , قيل إنّ إماما في أحد المساجد قال للمصلين إنّه سيدعو بدعاء فمن أراد ردده بعده ومن لم يشاء على كيفو , ثمّ صار يدعو , اللهم إن أراد بنا عمر البشير شرا فدمره , وإن أراد بنا خيرا فدمره أيضا , ودي تحوطا كده .

ما هي الهموم الحالية لمن هم في السلطة ؟ سؤال جاد ما الذي يشغل حاتم السر , أليس حاتما هذا وزيرا ؟ ما هاجس حسن اسماعيل , أليس حسنا ذاك هو من صدع بالخطب العصماء في ذم السلطة حتى صار وزيرا بها ؟ ماذا يفعل مبارك الفاضل ؟ ولا نسأل عن الشيوخ السنوسي وعلي الحاج وليرحم الله يسن عمر الإمام الذي مات تائبا من خطيئة (الإخوان) , بالجد ماذا يفعل هولاء السادة والسيدات ؟ ولا أسأل عن كار ناس معتز ومصطفى والركابي وعبدالرحيم .. هولاء همهم إعادة ترشيح البشير ولا تثريب عليهم في ذلك . هو ولي نعمتهم وهم له من التابعين . من هو مرشح الشعب السوداني المفضّل , من مرشح الضحايا وما هو برنامجهم المطلوب ؟ هذا ما لايخطر على بال المخلّى أي السلطة ولكن حتما سيقول الضحايا كلمتهم ولو من تحت التوابيت ألم يسمعوا الوحش يقتل ثائرا والأرض تنبت ألف ثائر يا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر !