خالد فضل

ها هي وصية ميكافيللي للأمير في كتابه الشهير يتم تطبيقها حرفيا على يدي دعاة أسلمة الحياة في السودان , الذين ظلوا لعقود طوال يزعقون بالعبارات الفضفاضة و الشعارات البرّاقة يخادعون بها بساطة البسطاء ويضللون بها أنصاف المتعلمين ويستحلبون بها تعاطف الأميين , فيما كان الأذكياء منهم يعرفون حق المعرفة أنّهم إنّما يستغلون الدين لتحقيق مآربهم الخاصة , ويرضون بذلك غرورهم وطمعهم في التسلط والجاه والثروة . وكان المستنيرون من أبناء وبنات السودان يفهمون ما يتخفى تحت جلد الأفعى من سموم ماحقة ينذرون أهلهم من سوء العاقبة إن تمكّن السرطان من جسد البلد , ودفع أولئك من دمائهم وأرواحهم فداء الشعب , ولكن المكتولة ما بتسمع الصايحة على قول الحكمة الشعبية الصائبة . كان ميكافيللي يوصي الأمير ب (خلق الأزمات المعيشية حتى ينكب الشعب على معافرة شؤون يومه لاهثا فلا يجد فرصة للتأمل في فساد الحكم أو منازعة السلطان ) ثمّ خفف من هذه الأزمات بصورة تدريجية فلا تبسطها كل البسط حتى لا يعود الناس ثانية بعد انفراج الأزمة للنظر في أمر الحكم وفساده بل دعهم يتشبثون بالقليل الذي حصلوا عليه ويتمسكون به خوفا من فقدانه مرّة أخرى , وهكذا تضمن البقاء لأطول فترة في الحكم .هذا هو الحال الآن في السودان , سلسلة أزمات مضطردة ومتتابعة ما تنفرج إحداها حتى تمسك بتلابيب الناس أختها , بينما السلطة في غيّها ومستنقع فسادها الآسن تخرج على الناس في كل أزمة بفرية وخدعة .

ظلوا لعشرين عاما يخدعون الشعب بالحصار الجائر , فلما توسط شيخ العرب عصام الشيخ لدى الأمريكان لرفعه فرفعوه إكراما له (كما قالت المغنية في تمجيد شيخها ذات مرة ) انتظر السودانيون الفرج , وباتوا يمنون النفس بأن تتقاود الشركة في قعر الشركة , والمليار يسك أخاه من جنس الدولار للحاق بالإستثمار في السودان , شطّب البعض الطابق العاشر في عمارته انتظارا للمستأجرين بالدولار , وجدد البعض الأثاث طمعا في المفروش , واستبدلت النساء العدة بالملابس القديمة استعدادا لقدوم الضيوف , وفتحت البنوك أفرعا جديدة وعيّنت موظفين جدد في أقسام العملات ال(القاسية)وصعيبة , ما الذي يمنع فتح باب التمنيات , أهو الحصار الذي دمر البلاد وزال , وكأنما الناس لا يتعظون أو أنّهم حديثوا عهد بخدع (الكيزان) , الحصار كائن فينا يمشي على أقدام الفساد والفشل وليس قرارات أمريكية , الحصار هو ما تفرضه السياسات الشوهاء والبلادة في التعاطي مع الشأن العام وتولية الجهلاء , الحصار هو اعتماد خطة الإستبداد ومعاداة الحريات وحقوق الإنسان , الحصار هو الطغيان وسيطرة البندقية والعسس على شؤون البلاد , واشعال الحروب ,الحصار بإختصار ابتدأ واستحكم على يدي كار الديكتاتورية والشمولية الدينية البلهاء . هذا هو الحصار الحقيقي , خصار العقول والأرواح وهو الأخطر . لذلك لم تثمر الخديعة , ولم تتحسن أوجه حياة الناس بعد رفع الحصار بل ازدادت قتامة ودمامة مما يعفي الحصار من أي آثار .

كم بلغت تكاليف حروب الإسلاميين ضد شعبهم منذ أيام الجهاد ضد الجنوب ولمدة 15سنة , ثم استئنافها ضد دارفور منذ 2003م , ثم اشعالها مرة أخرى في الجبال والنيل الأزرق منذ 2011م وحتى الآن , كم قيمة الطلقات والبدلات والوقود والرشاوي وشراء الذمم المصاحب لهذه الحروب , وهل كانت الملائكة التي لا تأكل ولا تشرب هي من يقاتل في الجنوب؟ وهي من ضمن الخدع التي شاعت في تلك الأيام . هل الحروب بالمجان ؟ الأسلحة من غنائم المتمردين والتشوين ؟ أم هي الدولار واليورو وثمن حقنة البنسلين التي ضنّ بها النظام على البائس المسكين من غير المحاربين ؟ ويحدثونك عن سد مروي وجسر الإنقاذ ومصنع اليرموك , هل هذه هبات من المحسنين الدوليين أم هي قروض يتحمل سدادها على داير المليم وبفوائدها كمان المواطن الحائر المقهور ؟ ثمّ من أهدر الملايين التي تمّ تحصيلها من بيع ورهن وايجار كل ممتلكات الشعب تقريبا حتى لم يبق للدولة السودانية من شئ في كل المؤسسات التي بناها الشعب وأسستها من قبل الحكومات حتى عهد الصادق المهدي الأخير قبل 30سنة , ما الذي بقي من آثار الممتلكات العامة التي حافظت عليها كل الحكومات في العالم من لندن إلى بكين بينما هنا في السودان المسكين الذي يحتاج ثلثا شعبه للدواء والماء والغذاء تباع الممتلكات العامة في وضح النهار , ثم يخدعون الشعب بوهم الإستثمار ! ويستورد التجار الطماطم والنبق الفارسي كدليل عاى الرفاه فتأمل !

وبعد , غيّب الموت د. أمين مكي مدني أحد أبرز المدافعين والمنافحين الأقوياء عن حقوق شعبهم في الحياة , هكذا يرحل أخيار الناس وشعبهم في أشد أوقاته بؤسا انتظارا للخلاص , لكنه سلطان الموت لا رادع له , ومشيئة الله لا محيص عنها وقدره النافذ لا راد له . رحمه الله رحمة واسعة والتعازي موصولة لأسرته وتلامذته وزملائه في العمل العام , فقد كان د. أمين أحد رواد الوعي والتنوير وبفقده انهد ركن ركين من أعمدة الوطن ولا حول ولا قوة إلا بالله .