خالد فضل

   طول الجرح قد يغري بالتناسي , لكن مرور خمس سنوات على المجزرة البشعة التي شهدتها شوارع الخرطوم لا يُنسي تناسل الجراح , فقد أًزهقت أرواح عشرات الناس بدم بارد , وجاء في تقرير لجنة الأمن والدفاع بالمجلس الوطني التي أُوكل إليها التحقيق في الواقعة , إنّ الجناة كانوا يمتطون سيارات دفع رباعي بدون لوحات مرورية , وأنّهم كانوا يطلقون الرصاص لإصابة أجزاء محددة من الجسم مثل الرأس والصدر . فهل هناك جريممة مكتملة الأركان أكثر من هذا .

  إنّ تجريد بسيط للوقائع يمكن أن يصل لذات الخلاصة , فقد انطلق الآف الناس في شوارع الخرطوم يطالبون بحقوق بسيطة تتمثل في تخفيف حدة المعاناة المعيشية الناجمة عن سياسات الحكومة الرعناء , سلاح المتظاهرين هتاف وقماش على أكثر تدجيج , من حق الشعب أن يعبّر عن رفضه وغضبه من ممارسات الحكومة , فما الحكومة إذا لم تكن ذلك الإختراع البشري لتنظيم ورعاية أوجه حياة المجتمع , وهل الأشخاص الذين صدف توليهم لمناصب في هذه الحكومة هم بالضرورة أفضل الخبرات وأعلمها بمصالح المجتمع , ثم من الذي اختار هولاء الأشخاص في الأساس ليصبح هذا بمسمى وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة , وذاك وزير الداخلية القامع الرسمي تحت راية الحكومة وثالث مدير الأمن المثير القانوني للخوف وسط الشعب , صحيخ الحكومة شخصية اعتبارية , ولكن البشر تواطؤ عبر دهور طويلة من المعاناة والعذابات إلى توصيف أقرب للدقة أو بالأحرى تلبية حاجة الناس للتنظيم , واحتاطوا من طغيان النزعات الفردية , ومصائب النفس البشرية وأمراضها وعللها النفسية إلى تسوير السلطة بالدستور والقانون شريطة أن يكون الدستور والقوانين مما يحتاجه المجتمع فعلا ويلبي طموحاته ويحقق له سبل عيش كريمة بعيدا عن الخوف والتهديد والحط من الكرامة , ليكون النظام الديمقراطي هو أفضل الأنظمة الموجودة بين البشر الآن في كل العالم , فأين بلادنا من ذلك وأين مكانة شعبنا بين شعوب العالم ؟

  لقد ارتكبت الجريمة نهارا وفي الشارع العام , رصاصات تقتل شبابا وشابات وأطفال يتزيأون بالزي المدرسي مما يدحض عمليا فرية كونهم مجرد مخربين يريدون الانقضاض على ممتلكات الشعب وتدمير مكتسباته , فهل يمكن أن تكون د. سارة عبدالباقي مثلا مخرّبة ؟ أو الطفل هزّاع أو ذاك الصبي المنحور بالرصاص كالخروف وهو يتكفن بزي المرحلة الثانوية ؟ هل هناك بشاعة أكثر من ذلك , وهل هذه طقوس عادية تؤديها الحكومة لتخدم مصالح الشعب , أ تشق ترعة لري أراض زراعية عبر شوارع الدم في الخرطوم ؟ أ تقيم مسرحا في كتري واعترضه أولئك الفنانين الشباب الذين ذبحهم  الرصاص في شوارع أم درمان ؟ أسئلة تبدأ ولا تنتهي إن مرّت خمس سنوات أو خمسمائة , فما حدث جريمة ضد أقيم ما في الإنسان ؛ روحه التي بين جنبيه . ولأنّ مرتكبي الجرائم لم يخضعوا للدستور ولم يطالهم حد القانون حتى الآن فإنّه من المستحيل الحديث عن نهضة أو تنمية أو أي وعد بالخير لا في فبرائر أو في 2020, كما أنّ الشهداء لم يعاقبوا وتصدر ضدهم أحكام بالإعدام من أي محكمة , ولم يثبت أنّهم كانوا يخربون في بصات الولاية أو يحرقون في محطات الوقود او يهربون دقيق المخابز أو يسرقون أموال الأوقاف أو ينهبون البنوك بالتمويلات المضروبة أو يبيعون (الفجّات كلها )في ولاية الخرطوم أو يضاربون في الدولار , الشهداء لم يخرجوا طمعا في حيازات شخصية ليكنزوا مزارعا وفللا في دبي وكوالالمبور أو يكونوا أرصدة في هاواي , خرجوا فقط ليعبروا عن رفضهم لغلاء المعيشة وزيادة سعر المحروقات ودقيق الخبز والدواء ورسوم الماء والكهرباء , فهل ارتكبوا جرما يستحقون عليه الإعدام في الشارع العام , وهم لم يغتصبوا طفلا أو ينتهكوا براءة فهل جزاء التعبير هو الموت الزؤوام , ومع ذلك نزعم أنّ لنا وطن مثل الآخرين (عنه نزود )؟ وهل هناك شبهة وجود حكومة تستحق شخصيتها الاعتبارية التقدير ويستحق الأشخاص الذين صدف أنّهم يتولون المناصب أدنى احترام !وهل هذه مقتضيات القسم على حماية الدستور ؟ كيف ينام القتلة ملء أجفانهم أ فلا تتراءى أمام أنظارهم مشاهد الفزع وغرغرة الروح وشحتفة خروجها من أجساد الضحايا ؟أما يزالون يأكلون ويشربون البارد والغباشة ويحجون ويصلون ويزكون ويستغفرون ؟ أ لم يسألوا أنفسهم سؤال البداهة الإنسانية السوية , ما ذنب هولاء المقتولين ؟ وهل واجباتهم تجاه الحكومة تضعهم في هذه المواقف التي عليهم أن يخسروا فيها صفة كونهم بني آدميين ؟ وأي حكومة , أ تلك التي يصف بعض قيادتها بعضا بالقطط السمان , هل تمت ترقية القتلة مهنيا وزيدت حوافزهم ومرتباتهم ومخصصاتهم لأنّهم زادوا عن حمى الحكومةبامتياز وضد من ضد شعب أعزل ! 

  إنّ مرور السنوات لا يمحو آثار الجرائم , وستظل اللعنة تطارد كل من قتل نفسا بريئة إلى يوم الحساب في الدنيا أو في الآخرة , وستظل أرواح الشهداء تحلّق فوق أرض السودان ترقب مآل الحال , وحتما سيطل يوم العدالة والمحاسبة مهما طال ليل الإستبداد . وستنجلي غمة القهر ويعود الوطن أبهى ما يكون , إن عشنا شهدناه وأن متنا فمن حق قادم الأجيال أن تعيش بكرامة , وما قدّم الشهداء في سبتمبر أرواحهم إلاّ فداء للشعب .