وليد النقر

اليوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2018م. كنت اخطط للذهاب لدبي من ابوظبي لقضاء امر يتعلق بتكاليف العلاج. احس بالفتور . لذا لن نستطيع الذهاب وقضاء مسافة تقطع في ساعتين ذهابا وساعتين ايابا وعدة ساعات اخرى لقضاء الأمر. الامر مهم ومن المهم ان انجزه انا شخصيا ولكن ما باليد حيلة. وللجسد احكامه. لذا سأضطر لقضاء الأمر في يوم آخر.

من تجربتي فان أكبر تحديين يواجهان محارب السرطان هما ( عدم السيطرة على الجسد والخوف من المجهول). فالسرطان في ذاته نفسه من الناحية الطبية بتعريف بسيط “يشمل مجموعة واسعة من الامراض التي تتميز بنموّ غير طبيعي للخلايا التي تنقسم بدون رقابة ولديها القدرة على اختراق الأنسجة وتدمير أنسجة سليمة في الجسم. وهو قادر على الانتشار في جميع أنحاء الجسم”. اذا فالأمر يتعلق بالسيطرة على خلايا الجسد ذات نفسها.
اما من الناحية السلوك الحياتي اليومي لمحاربة السرطان؛ ففي حالتي مثلا، ليست لي القدرة علي السيطرة على جسدي سواء من الناحية البيولوجية او الناحية النفسية. من الناحية البيولوجية ومع كل الاحتياطات والترتيبات التي تعمل قبل أخذ جرعة العلاج الكيماوي قد أصاب بالاعياء الحاد او بالنزيف او القئ. فالاعياء غير ماله من تأثير علي مجمل حياتي والحد من حركتي ونشاطي اليومي فهو ايضا ليس له خط سير ثابت. بمعني انه يكون متناقص مع مرور الايام بعد الجرعة. نعم اول ثلاثة او اربعة يوم من الجرعة اكون في حالة اعياء اشد، قد اصاب بالاعياء مرة أخرى بعد مرور عشرة أيام من الجرعة واكون قبلها بوضع افضل. لذا فالأمر ليس ثابت ولا يمكن التحكم فيه.
بالإضافة لوجود كيس الاخراج بكل ما يستبعه من حد لحركتي ونشاطي. وايضا قد احس بالالم في اي لحظة او اي مكان فاضجر لاستخدام المسكنات وما يتبع ذلك من الرغبة في النوم او الاستلقاء لفترة. او قد اصاب بنزيف وانا في وسط قضاء امر ضروري او جولة ترفيهية منا قد يضكرتي للذهاب للطوارئ. وكل هذه الامور حدثت لي وتبعاتها من تغيير لخططي المقررة.
وايضا من الناحية النفسية أصاب بتقلبات مزاجية غير ثابتة وليس لها خط سير ثابت. فتحي انت تكون في مزاج جيد واحيانا اكون محبطا. تارة احس بالحماس لامر ومرة مرة يقل حامشي لنفس الأمر.
وكل هذه التقلبات البيولوجية والنفسية تأثر علي مجمل حياتي وسلوكياتي ونشاطي وتفاعل مع من حولي. ولكم ان تتخيلوا مقدار الضيق والتوتر الذي يصيب اي شخص منكم او من هم حوله في مواجهة هذه التقلبات التي لا يمكن السيطر عليها.
فثلا احيانا اخطط لتنفيذ برنامج او نشاط معين سواء ترفيهي او لقضاء حوجة ضرورية وعند توقيته وبعد أن البس ملابسي احس بالاعياء الشديد. او اكون في منتصف برنامج ترفيهي او مع أصدقائي وصديقاتي ويتغير مزاجي. لذا فمن المهم جدا لمحارب السرطان ومن حوله الوعي بأهمية هذه التقلبات والعمل على تقليل آثارها بقدر الإمكان نسبة لما قد تسببه من أثر علي حياة وخطة علاج المحارب وحتى علي من حوله.

اما من ناحية الخوف من المجهول. فهو من أكبر تحديات مرض السرطان. فكما يقولون الخوف اساسا منبعه الجهل. الجهل بما اتعامل معه وما سيأتي مستقبلا. ومرض السرطان تعقيده في انفتاحه علي احتمالات واسعة. وان لكل حالة فرادتها. احتمالات واسعة سواء من ناحية تطور المرض او تراجعه او من ناحية مدي استجابة المحارب للعلاج او حتى من ناحية احتمالية عودة المرض مرة أخرى. نعم المخاطر تحدث في حياتنا بشكل عام. وصحيح انه كلما قمنا بالاحتياطات والتجهيزات اللازمة فيمكننا تقليل المخاطر. ولكن الوضع هنا في محاربة السرطان أكثر تعقيدا. لذا تزداد الامور المجهولة وبالتالي يزداد الخوف الذي يصيب المحارب او المحاربة او حتى من حولهم.
فمثلا تطور العلاج او تراجعه يعتمد علي عوامل كثيرة منها العضو المصاب بالورم في الجسم ومستوى الورم، عمر الشخص، الأمراض السابقة والمزمنة التي هو اساسا الشخص مصاب بها، جودة العلاج والأجهزة والادوات المساعدة ومدي خبرة الكادر الطبي المعالج، مستوى التغذية، مدي فهم المحارب او المحاربة لطبيعة مرضه ومضاعفاته والعلاج وتبعاته، تقبل المحارب ومن حوله للمرض، البيئة المادية والاجتماعية والنفسية المحيطة بالمحارب او المحاربة، واخيرا تطور العلم وظهور خيارات علاجات جديدة.
وكل هذه العوامل وغيرها تجعل نتيجة مسار محاربة السرطان مفتوحة الاحتمالات وليست ذات نتيجة واحدة تصدق علي جميع الحالات. واذا اضفنا لها احتمالية عودة المرض حتى بعد الشفاء منه فهذا الأمر قد يصيب المحارب او المحاربة بالخوف من المجهول والمستقبل أوحتى اليأس من جدوى العلاج او الخوف خوض تجربته القاسية والاستسلام.
فمثلا انا من تجربتي الممتدة لأكثر من ثلاث سنوات، فهناك مسار متقلب في تطور الورم وتراجعه. والى الان لا أعرف ما ستؤول إليه الأمور. وانما ما نقوم به بعد كل الفحصوات والتقييمات الطبية ان يقر الاطباء بروتوكول طبي معين وعلاج معين وننتظر ما ستؤول اليه النتيجة. نعم البروتوكول المقرر ونوع العلاج يتم وفقا لنتيجة فحصطوصاتي وتحليلات جسدي وتتم بأجهزة حديثة، ووفقا لما اكتسبه الاطباء من علم وتجربة، ولكن الامر قابل للاحتمالات مثل مدي استجابتي وتحملي للعلاج المقرر. نعم انا مؤخرا هنا انحسار للورم مع نوع العلاج الجديد الذي أخذه. ولكن متى سيقول لي الأطباء انني قد أصبحت خالي من الورم؟ بعد ستة شهور، سنة او اكثر؟فهذا أمر لا أعرفه. وحتى ان اصبحت خالي، هل سيعود لي الورم مجددا ام لا؟ و بعد كم من الزمن؟وكلها أسئلة تصيب المحارب او المحاربة بالإضطراب والخوف من المجهول.

ولكن يبقى الأمل دائما في توفر خيارات للعلاج وجودتها، ومعرفتي بطبيعة المرض وكيفية التعامل معه. وفي انه هناك إجراءات علمية تتبع للتقييم وان العلم في كل يوم جديد يزيد خيارات العلاج. بالاضافة الي ان السند الحقيقي لي كان ومازال هو دعم وتقبل من حولي لي بكل تقلباتي التي ذكرتها سابقا سواء بيولوجية او نفسيا. ومساعدتهم لي في إنجاز الضروريات وخلق برنامج ترفيهية مناسبة لوضعي وتقبل اي طارئ قد يحدث لي. مما يزيد من ثقتي بالسيطرة علي جسدي، وزيادة مساحات الطمأنينة التي احس بها مع مرور كل يوم جديد.