• عادل حسن إبراهيم

فيما يتصل بالجدل الدائر منذ زمن طويل حول مسألة وحدة المعارضة و التى ربما قد تحولت إلى إشكالية، و إزدادت حدتها بصورة أكثر كثافة بعد الضجة التى أثارتها آراء و تصريحات السيد الصادق المهدي مؤخراً بعد إنتقاله إلى محطته اللندنية و التى لا تختلف فى مضمونها عن آرائه السابقة المعلومة إلا فى صياغتها فقط.

ما أود أن أؤكده و بحكم تجربتي المتواضعة فى متابعة الشأن السوداني هو أنني كنت قد وصلت إلى شبه قناعة راسخة ووفقاً لمقدراتي التحليلية، أن السودان و فى ظل هذا الواقع الدولي الراهن المعقد قد أصبح هدفاً إستراتيجياً أساسياً و إكتسب أهمية و أولوية قصوي بالنسبة للقوي الدولية الكبري فى صراعها من أجل النفوذ الدولي، أكثر من كل دول المنطقة، و ذلك لسبب منطقي واضح و محدد و هو و بحكم تميز موقعه الجيوسياسي كحلقة وصل ما بين العالمين العربي و الأفريقي بالإضافة لكونه لا زال و برغم كل التخريب و النهب و التدمير الذى تعرض له أبان حكم حقبة حكم الإسلاميين و التى لا تزال مستمرة، إلا أنه لا يزال يعتبر أرضاً بكراً و مستودع ثراء بالموارد بكل تصنيفاتها المتعددة، و هذه الحقائق لم يتم إكتشافها الآن، بل أنها معلومة و مدروسة منذ حقب طويلة منصرمة، غير أن الوقت لتحريكها يبدو أن أوانه قد أزف بعد أن تم التمهيد المنهجي له بخلق إدارة طيعة و هشة تم تدعيم بقائها فى السلطة لما يقارب الثلاثة عقود أو ربما أكثر من ذلك منذ الديمقراطية الثالثة، لكن الآن و بحكم السيناريوهات الموازية و المتسقة ضمن ما عرف ب (الفوضي الخلاقة) و التى تدار على مستوي المحيط المجاور، فربما قد تكون السلطة الراهنة بالخرطوم قد بدأت صلاحيتها فى النفاذ و ينظر الآن فى صيغة أخري أكثر مقبولية، مع صمامات أمان مضمونة فى يد قوي الهيمنة الدولية لإدارة مصالحها بسلاسة فى السودان كمركز عمليات لمجمل المنطقة.

و مثل هذا الدور يتطلب لاعبين جدد تتوافق شخوصهم و أطروحاتهم مع طبيعة المرحلة فى آفاقها المقبلة .. إذن فالمعارضة السودانية ستكون هي الأوفر حظاً فى الترشيح لإنتقاء الأكثر تأهيلاً لتأدية مثل هذا الدور من أوساطها، و يبدو أن الإنهماك فى مثل هذا البحث يجري الآن بكثافة، مثلما رأينا كيف تم ذلك فى مواقع مجاورة كتونس و مصر و ليبيا و اليمن و سوريا و العراق.

يبقي إذن و إن صح هذا التحليل أن أشير إلى نقطة تدركها جيداً القوي الإستعمارية الكبري و تتعامل معها بالحساسية المطلوبة و بحساب دقيق و هى أن التجربة السودانية الممتدة تأريخياً منذ نهايات القرن التاسع عشر تختلف جذرياًعن التجارب فى المحيطين العربي و الأفريقي، و لم يكن الإبقاء و التمكين المطول الذى تم لسلطة هشة مثل سلطة الإنقاذ على مفاصل الدولة طوال ثلاثين عاماً إلا جزءاً و منعطفاً محورياً ضمن الإستراتيجية الأساسية و

ذلك فى سبيل تفتيت و تهشيش التجربة الديمقراطية السودانية و عزلها عن مضمونها الثوري المجيد و غير المسبوق فى مجمل المنطقة.

إذن و فى هذا السياق و الحال كذلك، و فى رأي الخاص لم يتبقي أمام (قوي التغيير الإجتماعي الجذري) مع التشديد على التعبير ما بين الهلالين، إلا خياراً واحداً فى طريق رص صفوف جماهير الشعب المقهورة و هو و فى المقام الأول أن تقتنع (جمعياً) كل القيادات العريضة لهذه القوي الراغبة فى التغيير الجذري و تدرك هذا الخطر و بهذا التفصيل و تطرح فيما بينها و فى أوساطها كقوي معارضة لكل فصائلها السؤال البسيط  الواضح و المحدد، ألا وهو – هل من بيننا من لا يرغب فى التغيير الجذري الذى يسد المنافذ أمام النفوذ الأجنبي؟ أو بصيغة أخري – هل من بيننا من يعتقد فى ضرورة نفوذ و تسهيلات أجنبية ترافق ثورتنا من أجل التغيير الجذري؟

بالإجابة على هذا السؤال بوجهيه ستتحدد المواقف عملياً، و ستكون قوي التغيير الجذري قد وصلت إلى تحديد الحد الأدني لتحالفها و رصت صفوفها و سوف لن يصعب عليها من بعد حشد الجماهير الشعبية التى ظلت لسنوات طويلة تنتظر مثل هذا الموقف الموحد.

إن إصرارنا على التأكيد على خطر النفوذ الأجنبي لا يأتي من فراغ و هو نفوذ لم يبدأ من محطة نظام الإنقاذ الذى إتضح بما لا يدع مجالاً للشك و بدلائل واقع الحال بأنه صنيعة إستعمارية بإمتياز، بل إنما كان هذا النفوذ قد بدأ منذ خروج المستعمر بعد أن قام بتشكيل و تهيئة وكلائه الوطنيين المحليين لإدارة السلطة وفقاً لمنظوره للإستقلال الشكلي للمستعمرات ما بعد الجلاء فى تلك الحقبة، و لقد رأينا كيف تم قمع و تصفية حركات التحرر الوطني التى نشأت فى المنطقة فى تلك الحقبة الممتدة ما بين الخمسينيات و الستينيات من القرن المنصرم و التى تأسست على الفكرة الجذرية فى مناهضة إستمرار النفوذ الإستعماري ما بعد الإستقلال، و الآن و بعد أكثر من ستة عقود من الصراع الدولي حول الثروات و بعد عمليات الفرز الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي واسعة النطاق و إعادة تقسيم العمل الدولي و خرائط الديموغرافيا السكانية لشعوب العالم، لم تري القوي الإستعمارية الدولية حرجاً فى تشكيل أو دعم أنظمة ديكتاتورية قمعية باطشة فى الأطراف تتشكل خلفيتها و مرجعيتها البنيوية و الفكرية من الموروث الديني و الماضوي التقليدي منتهي الصلاحية و المتناقض مع مباديء و قيم العصر الحديث، ذلك أنها أي القوي الإستعمارية الكبري تريد الحفاظ على البنية التحتية التقليدية المبنية على الخرافة و الجهل و التخلف الحضاري حتى تضمن إستمرار إمتياز تحكمها فى السيطرة على موارد تلك البلدان و فى المقابل تكافيء وكلائها المحليين بضمان إستمرار تمتعهم بالسلطة و الإمتيازات و النفوذ.

 

لكن و فى المقابل أيضاً و مع تنامي التطور الهائل المضطرد الذى يشهده العالم يتنامي أيضاً و بالضرورة الوعي لدي قطاعات واسعة من الأجيال الجديدة التى نشات و ترعرعت فى خضم هذا البؤس و الشقاء الذى أنتجته هذه السياسات الإستعمارية، و ستكون هذه الأجيال الجديدة أكثر إستعداداً للتصدي لهذه الصورة المتناقضة و الشائهة للواقع الإنساني فى القرن الواحد و العشرين، و لا يمكن أو يتسق لها و هى إبنة عصر العولمة و التدفق المعلوماتي أن تتعايش مع خرافات و أساطير عفي عليها الزمان و أصبحت جزءاً من تراث إنساني سالف.

من هنا فإنني أتصور أن من أولويات مهام القوي ذات المصلحة الحقيقية فى التغيير الجذري بالسودان هى إستهداف هذه الأجيال المفعمة بالحيوية بإعتبارها الكتلة التاريخية الأكثر تأهيلاً و إستعداداً لإنجاز التغيير المطلوب، و ذلك بالعمل على تنويرها و رفدها بوسائل و أدوات العمل، و مثل هذا العمل يجب أن يتم بالتساوق و التوازي مع النضال اليومي لإسقاط النظام، كما يجب أن يتم الإتفاق على تعريف واضح و محدد لمفهوم الحد الأدني للعمل الجمعي من أجل تغيير النظام، فلا إقصاء لأحد ما دام يلتزم و يدعو بوضوح و دون أي تزويق أو إبهام إلى تأسيس المواطنة بعيداً عن أي وصايات طائفية أو دينية أو أثنية أو مناطقية، و دون أي مساومة بعد الآن فى (الحقوق) سواء كان ذلك بدعوي حقن الدماء أو الحفاظ على كيان الدولة، لأن مثل هذه التبريرات هى كانت دائماً الأداة الفعالة فى تشظية وحدة قوي المعارضة الحية.