معتصم أقرع

إذا  افترضنا ان السيد معتز موسى يعي مصطلح العلاج بالصدمة الذي توعد بـه الشعب  (وهذا افتراض من الصعب الدفاع عنه أو الوثوق فيه) فقد وجب توضيح المصطلح.

بداية نلاحظ ان الحركة الاسلامية قد عجزت طوال تاريخها عن  انتاج خبير اقتصادي واحد  بوزن ما , فحتى في الجامعات في مجال الدراسات المرتبطة  بـالاقتصاد   يفضل الاخوان  دراسة العلوم السياسية أو ادارة الاعمال  ومالية الشركات حيث الطريق الاقصر للسلطة والمداخيل العالية. فحسب كينز  “يجب أن يمتلك خبير الاقتصاد   مجموعة نادرة من المواهب. يجب أن يكون عالم رياضيات ومؤرخ ورجل دولة وفيلسوفًا – إلى حد ما. يجب أن يفهم الرموز ويتحدث بالكلمات. يجب أن يفهم  الخاص مرتكزا على  الاطار العام ، وان يقارب المجرد والمتعين  الملموس  في نفس لحظة التفكير. ”

فالسيد  رئيس الوزراء الجديد رغم انه درس الاقتصاد الا انه عاش حياته المهنية في مناصب لا علاقة لها  بتصميم السياسة الاقتصادية وادارة عجلة الاقتصاد , تلك المهام التي لا تسلي,  المعقدة سياسيا وفنيا  والتي تحتاج الِى معارف لا تتراكم بسهولة.  فقد عمل معاليه   في دهاليز السلطة مديرا  للموارد المائية والكهرباء ومديرا للإدارة العامة للمشروعات –  وحدة تنفيذ السدود ومدير الإدارة العامة والتمويل و مديرا للإعلام وتكنولوجيا المعلومات ومديرا  للإنتاج الإعلامي و دبلوماسيا  برئاسة وزارة الخارجية ثم  قنصلا .

العلاج بالصدمة  الذي تحدث عنه السيد  رئيس الوزراء اصطلاحا هو  تغيير مفاجئ في السياسة الاقتصادية لتحويل الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة إلى اقتصاد السوق الحر. المصطلح  يشير الِى  تنفيذ حزمة  سياسات  راديكالية  شديدة الوقع   دفعة واحدة بلا تدرج  كما هو الحال في الاوضاع الأكثر عادية .  يهدف  العلاج بالصدمة الي :

– خفض التضخم  باطلاق العنان للمكبوح منه ثم السيطرة على الاسعار بعد ان تستقر على مستويات اعلى مما هي عليه بداية . أي ان الاسعار سوف ترتفع أولا دفعة واحدة الِى مستوى توازن فيه بين العرض والطلب  ثم تستقر بعد ذلك.

خفض عجز الميزانية.

– تقليل العجز في الحساب الجاري.

تقارب سياسة الصدمة أهدافها من خلال جرعة موحدة  شديدة التركيز تحتوي علي  :

+ التحرير الكامل  والمفاجئ  لكل الاسعار والتخلي عن ضوابط الأسعار والعملة .

+ تعويم العملة الوطنية أو خفض  سعرها الرسمي  بنسبة عالية بناء علي العرض والطلب.

+ سحب الدعم الحكومي .

+تشديد السياسة المالية.

+ زيادة كل انواع الضرائبـ .

+ خفض الإنفاق الحكومي لخفض عجز الميزانية .

+ تحرير التجارة الخارجية وتركها لعوامل السوق .

+ الخصخصة وبيع الاصول المملوكة للدولة.

رغم ان العلاج بالصدمة يفاقم من المعاناة في المدى  القصير على الاقل  إلا ان المدافعين عنه يعتبرونه  طريقة أسرع للتغلب على عدم الكفاءة الاقتصادية وسوء استخدام  الموارد المتاحة  بما ان عناصر العلاج بالصدمة هي عناصر تتكامل ولا تأتي بأكلها فرادى. ايضا يحاجج أهل الصدمة  بـان تدريج الإصلاح الاقتصادي يسمح للاخطاء والتشوهات  القديمة بالوجود لفترات اطول كما ان المقاومة السياسية المتوقعة من قبل الجماهير ضد الام الصدمة   قد تجبر الحكومة على التراجع عن  اصلاحاتها أذا ما تم تطبيقها و نشرها  تدريجيا .

في حالة السودان , على المستوي السياسي , سوف  يسبب العلاج بالصدمة  ارتفاعا  في معدلات البطالة ، كما سوف يفاقم  من سوء توزيع الدخل القومي ليزداد  الفقراء فقرا وينمحي ما تبقي من ذكرى الطبقات الوسطي  الشيء الذي يعد بمزيد من  الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

الصدمة الموعودة توجه في غاية الخطورة سياسيا واجتماعيا لانها  سوف تأتي اضافة للإفقار المريع الذي فرضه النظام في ثلاثة عقود  سابقة  والتي لم تترك شبرا في جسد الوطن يخلومن سرقة  أو املاق أو افساد.

أما على المستوي الفني والتنفيذي فانه من الصعب  توقع ان تنجح الحكومة  في وضع حزمة سياسات متماسكة , لا تتناقض عناصرها   ليهزم بعضها بعضا.  وحتى إذا ما نجحت في تصميم حزمة سياساتية محترمة بمساعدة خبراء وطنييين أو مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد    فسوف يصعب عليها الالتزام بهذه الحزمة  وتطبيقها بصدقية  لانها سوف ترجع لعاداتها القديمة عند أول منعطف سياسي  يهدد وجودها . فلو استشعرت الحكومة أي تهديد فسوف تضرب بحزمتها عرض الحائط  لتضاعف الصرف  ببذخ في الفضاء  الأمني, بمعناه الواسع , مما يعود بالاقتصاد الِى المربع الاول من نقدنة عجوز الميزانية والأمراض التي يسببها ذلك.

وايضا قد لا تتردد الحكومة عن التراجع  عن  خيارات  سعر الصرف المرن المدار   وتحرير التجارة الخارجية , وخاصة ترك الاستيراد لقوى السوق إذا ما نتج عن ذلك, كما هو متوقع, غرق جنيه لا   تجربة  له في  فن العوم ولا عنده زورق!

أو نتج عنه انفلات شياطين التضخم   المعتقلة حاليا داخل البنوك.

باختصار فان سياسة الصدمة الاقتصادية الموعودة , لو تم تنفيذها , فانها تعني ان الحكومة سوف تركز جميع السياسات  التي حقنت بها شراييين الاقتصاد في ثلاث عقود سابقة في جرعة واحدة عالية  التركيز وشديدة الالم .

وسوف يكون تنفيذ عناصر هذه الجرعة بنفس  كفاءة ونجاعة الجرعات التدريجية السابقة وكذلك سوف لن يتغير  مستوى  مصداقيتها المنعدم ولا ضعف درجة تمسك الحكومة بها في وجه المستجدات الأمنية والسياسية.

باختصار الصدمة القادمة تعني محاولة علاج السودان , رجل افريقيا المريض, في زيارة  واحدة فقط  تتم فيها في نفس الوقت وعلى نفس المقعد, جلسة علاج كيماوى وجراحة لاقتلاع ضروس العقل, وفحص البروستاتا   بلا تخدير.  ويقوم بالاشراف على  هذا العلاج المعقد رئيس وزراء المعي  يقال, والعهدة على الراوي , انه من كراماته التي كادت ان تتحقق  حاول اصلاح ماكينة متعطلة بالرقية الشرعية وقراءة القرآن  عليها من فمه  ثم أتي بمسجل حشاه بالقرآن وتركه يتلو علي راس الماكينة المسكينة  طوال الليل. وهذا الحدث    دليل على ان  الوزير الجديد يجيد فن الاقتصاد   في التكاليف  وعلاج  ما تلف بتكلفة قرآنية لا ترهق ميزانية الدولة . أما النتيجة الوحيدة الممكن حدوثها من صدمات خبراء اخر الزمان فهي  أما ان ينفجر المريض في وجه صادميه ويطيح بهم واما ان ينهار المريض علي نفسه من طول نزيفه الداخلي.