بابكر فيصل

في تصريح أثار ردة فعل واسعة في أوساط  الرأي العام الأسبوع الماضي, قال القيادي بحزب المؤتمر الوطني الحاكم ورئيس اللجنة المالية والاقتصادية وشؤون المستهلك بالمجلس التشريعي لولاية الخرطوم، عبد الله سيد أحمد، أن الفقر قدرٌ من الله لا فكاك منه ولذلك فإنه لا تجوز مكافحته وأن من يقول  إنه سيحارب الفقر ( يعني أنه سيحارب الله سبحانه وتعالى ) !

لاقى تصريح النائب البرلماني إستهجانا واسعا من قبل المعلقين والكتاب والمثقفين والمواطنين عموما, وتم تداوله بشكل كبير في وسائط التواصل الإجتماعي, حيث سَخِر الجميع من مستوى فهم وتناول نواب الشعب لقضايا الجماهير وتساءلوا عن القدرات العقلية للرجل الذي أدلى بهذا القول دون أدنى وجل.

في واقع الأمر أن تصريح الرجل ليس منبتا, بل له جذور ممتدة في العقل الإسلامي الذي تشكل منذ عدة قرون, فهو يعبر عن عقيدة “الجبر” التي أرسى عمادها الأول مؤسس دولة بني أمية, معاوية بن أبي سفيان, عبر ترسيخ مفهوم “القضاء والقدر”، وهى عقيدة تقول أن لا إرادة للإنسان في مقابل إرادة الله ، وأن الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا فعل له على الحقيقة إلا الاستسلام لذلك القدر.

وقد هدفت هذه العقيدة إلى إيجاد المسوِّق الشرعي الذي يبرر الظلم الذي يُمارس في ظل الحكم الإستبدادي الوراثي, وذلك بالقول أن الملوك الظلمة هم عقابٌ من الله على الرعية, وإنما ظلمهم وبطشهم ما هو إلا شيء خارج عن إرادتهم خلقته المشيئة الإلهية وقدرته فيهم.

صبغت هذه العقيدة معظم التاريخ الإسلامي, حيث ظل الحكام يتحالفون مع من ينفي الإرادة والإستطاعة عن الفعل الإنساني, كي يبقى البشر عبيدا للملوك الظالمين تدعمهم تأويلات دينية تؤكد مقولة أن “الملك بالدين يقوى, والدين بالملك يبقى”.

ولا تقتصر مثل هذه العقيدة على الدين الإسلامي فحسب, فعلى سبيل المثال هناك إعتقاد راسخ في الديانة الهندوسية أنه لا يحق لأفراد طبقة المنبوذين الثورة على أوضاعهم الإجتماعية والإقتصادية والمعيشية المزرية, ذلك لأن تلك المعاناة – بحسب المعتقد الهندوسي – قد فرضتها عليهم الآلهة, وهو الأمر الذي يجعل الطبقات الأخرى في المجتمع تعاملهم بقسوة شديدة تقربا لتلك الآلهة, وتجعلهم هم أنفسهم يقبلون بأوضاعهم التعيسة ولا يسعون لتغييرها خضوعا لأمرها.

وعلى الرغم من أن الدستور الهندي قد ألغى وجود طبقة المنبوذين منذ سبعة عقود إلا أنه لم يقع تغييرا جوهريا في أوضاع تلك الطبقة و في طبيعة الحياة التي يعيشها أفرادها وذلك بسبب رسوخ تلك العقائد الدينية.

هذا النوع من العقائد هو الذي يُعطي مقولة كارل ماركس “الدين أفيون الشعوب” صلاحيتها, إذ يتحول الدين إلى أداة لسلب إرادة البشر وتخديرهم من أجل القبول بأوضاعهم البائسة وعدم السعي إلى تغييرها, وهو الدور الذي كانت تلعبه الكنيسة أبان ظهور تلك المقولة, حيث كانت الأخيرة تتلاعب بالعقائد الدينية من أجل الحفاظ على مصالح الإقطاعيين وحلفائهم من طبقة الكهنوت, وذهبت في هذا الطريق مذهبا جعلها تُصدر وتبيع صكوكا للغفران تضمن لأتباعها مقاعد في الجنة الموعودة بعد الموت.

ولكن, من جانب آخر, فإن تاريخ الأديان يُعطي صورة مختلفة تثبت أن مقولة كارل ماركس ليست صالحة في كل الأحوال, حيث يمكن للدين أن يلعب أدوارا إيجابية في تبديل الأوضاع واستنهاض إرادة الناس و هممهم من أجل الثورة على الظلم, وقد كانت رسالة الإسلام في جوهرها تعبيرا حيا عن هذا المنحى الإيجابي الساعي لتغيير الأحوال الإجتماعية والسياسية والإقتصادية السائدة بأخرى أكثر عدالة وتحريرا للإنسان.

وفي التجربة المسيحية كذلك برز لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية الذي بلغ أوجه في السبعينيات من القرن العشرين كدليل على إمكانية تحول الدين من إيديولوجيا تبريرية تعمل على خدمة الفئات الحاكمة و تكريس الأمر الواقع إلى طاقة روحية لتحرير الجماهير من الهيمنة السياسية والإستغلال الإقتصادي, وبحيث يكون التوجه الإيماني توجها من أجل العدالة.

ومن ناحية أخرى, فإن التجربة الإسلامية تبيِّن أن إستمرار عقيدة الجبر لفترات طويلة في  التاريخ الإسلامي أدى لتغييب مدارس فكرية أخرى تقول بحرية الإنسان وقدرته على تحقيق إرادته وصنع أفعاله, وتقف مدرسة المعتزلة في مقدمة هذه المدارس.

يقول المعتزلة أن حرية الإنسان تتأسس على مفهوم العدل الإلهى الذي تشير جميع مقدماته إلى القول بحرية الإنسان في صنع أفعاله، ويؤكدون إعتقادهم هذا بأنه لو كانت الأفعال الإنسانية من صنع الله، لما كانت هناك جدوى من التكليف الإلهي للإنسان وتنزيل الرسالات وإبتعاث الإنبياء.

وبناء على هذا التأسيس العقلاني للحرية الإنسانية, فإن المعتزلة يرون بأن التسليم بالجبر الإلهى يؤدي إلى نتائج خطيرة, منها على سبيل المثال عدم شرعية وصلاحية دعوة الرسول الكريم محمد للذين كفروا بالعدول عن موقفهم والإيمان برسالته وإقرار التوحيد الإلهى, ذلك لأن الله – بحسب عقيدة الجبر – هو الذي جعلهم كفارا ومنعهم من الإيمان, وهو ما يوحي بأن الذات الإلهية هى المسؤولة عن كفرهم.

وإذا كانت عقيدة الجبر تنفي جدوى التكليف الإلهى للإنسان, فإنها أيضا تستبطن الدعوة لعدم الحساب في الآخرة, وهو الأمر الذي يرفضه المعتزلة ويقولون أن وجود صفة العدل الإلهي تتطلب ألا يحاسب الله أحدا إلا على الأفعال التي يقوم بها, وهو الأمر الذي يؤكده تعالى بقوله : “اليوم تُجزى كل نفس بما كسبت”, و كذلك قوله : “وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون”.

وكما يقول جابر عصفور فإن عدل الله يتبين من خلال خلقه القدرة في مخلوقاته حتى تصنع عوالمها بقدرتها, فتكون مستحقة للثواب أو العقاب حسب ما تفعله من خير أو شر بإرادتها الحرة التي غرسها فيها الله, ولولا ذلك ما كان هناك معنى للثواب أو العقاب, ذلك لأن الثواب كالعقاب هو مكافأة لإنسان قادر على الفعل سلبا أو إيجابا.

وبالتالي فإن المعتزلة أكدوا على قدرة الإنسان على خلق جميع أفعاله، وأنه يمتلك معطيات ذلك من حيث الإرادة الحرة التي توجهه إلى إختيار الفعل، والقدرة المؤثرة التي تمكنه من إحداثه، ثم إنه بحكم تكوينه يمتلك الأدوات لذلك كله، وعلى رأس تلك الأدوات يأتي العقل.

قد شكلت نظرة المعتزلة لقضية الحرية الإنسانية خطرا كبيرا على القائلين بالجبر من الفقهاء ومن يناصرونهم من الملوك, ذلك لأنها تضرب في صميم دعوتهم الهادفة للإستسلام للمظالم وإقرار الأمر الواقع, مما جعل الأخيرين يشنون حربا لا هوادة فيها على أهل هذا التيار  بحيث أضحي الإعتزال وفكره ورموزه مرادفا للزندقة والكفر في العالم الإسلامي.

ومن هنا يمكننا القول أن تصريح النائب البرلماني لا ينفصل عن حالة الجمود العامة التي إعترت العقل المسلم منذ عدة قرون جراء سيطرة العقيدة الجبرية وما ارتبط بها لزاما من إستبداد سياسي يجد مصلحته الدائمة في هيمنة تلك العقيدة التي تبرر لوجوده وإستمراره, وبالتالي تغييب مختلف المدارس الفكرية التي تقول بحرية الإرادة الإنسانية وقدرة البشر على صنع أفعالهم وتغيير أوضاع مجتمعاتهم نحو المزيد من الحرية و العدالة.

إن العلاج الحقيقي لحالة الجمود التي تعيشها المجتمعات الإسلامية وللفكر العاجز الذي يُنتج مثل هذه التصريحات البائسة, يبدأ من إصلاح العقل الذي يجب أن يسترد مكانه الريادي الذي إستطاعت من خلاله الحضارة الإسلامية أن تبلغ أوج مظاهر تألقها في القرن الرابع الهجري, مع الإستفادة من المنجزات التي توصلت لها الحضارة الإنسانية في الفكر السياسي, وفي مقدمتها الدولة المدنية الديموقراطية.