محمد بدوي

التعديلات الوزارية التي أعلنها الرئيس السوداني عمر البشير في 9  و اكتملت في 14 سبتمبر2018  و التي تمثلت في تقليص الترهل الوزاري الحكومي عن طريق الدمج ،  لسيت سوي عودة للهيكلة التي كان معمول بها في السابق ، و التي  أصيبت  بالإنشطار لأغراض سياسية ، الابرز في التعينات أحمد حمدوك الذي وصف بالتنقراط حيث عمل بمناصب رفيعة بالأمم المتحدة  لتولي منصب وزارة المالية ، و لعل تعين الرجل يعيد بالذاكرة لتجربة الدكتور التجاني سيسي الذي غادر منصبه بالأمم المتحدة للإنخراط وثيقة الدوحة لسلام  دارفور ليوقع انابة عن حركة التحرير والعدالة مع الحكومة السودانية  ، الفشل الذي لازم الدكتور السيسي في تقديري مرده ان تحقيق السلام رهين بالرغبة وتوفر الشروط الذاتيه والموضوعية ولا يمكن التعامل مع عملية السلام عن طريق الصناعه ، فتولي حمدوك و نجاحه في تولي منصب المالية ليس رهين بالكفاءه فقط لكن باعادة هيكلة سياسة الدولة الاقتصادية وهو امر يصطدم بالصرف خارج الميزانية و التي لا تخضع للمحاسبه او المراجعة الي جانب التوازن بين نتمية الموارد  و التركيز علي رفع ميزانية  الخدمات من تعليم وصحة  وغيرها  كل هذه اسئلة فشلت فيها السلطة علي مدار 29 عاماً فهل يصلح العطار ما افسده الدهر؟ ، ما يستوجب التوقف هو  إنتقال معتز موسي الي  منصب رئيس الوزراء، كان اسمه قد تردد بعد إقاله وزير الخارجية السوداني السابق الدكتور إبراهيم غندور كمرشح لشغل المنصب ، فقد حملت سيرته الذاتية فترة عمل بالسلك الدبلوماسي ضمن طاقم السفارة السودانية في المانيا في منتصف التسعينات ، أكمل  ذات العام الذي إنقلب فيها الاس”معتز” دراسته الجامعية في 1989م في أقتران مع تولي الإسلاميين السلطة إنقلاباً علي الديمقراطية الثالثة  ،مما جعل سيرته العملية  تقترن بوظائف صعد إليها عن طريق الإنتماء الحزبي ،عززها بمشاركته في القتال في الحرب الاهلية في مواجهة الحركة الشعبية لتحرير السودان بجنوب السودان بعد تديينها تحت بمفهوم “الجهاد الإسلامي “، بالتالي فان تعيينه يمثل خطوة بالدفع باحد جيل ” المجاهدين” او المقاتلين  التي ظلت تمارس نقدها لتجربة الاسلاميين و السلطة  تحت شعارات التنازل عن المشروع الديني الاسلامي .

2

بعد ثلاثة أعوام عاد الأستاذ عثمان محمد يوسف ” كبر” الوالي الاسبق لولاية شمال دارفور الي الواجهة بتعيينه في منصب  مساعد لرئيس الجمهورية  سيرة “كبر” في تولي المناصب تشابه إلي حد كبير صعود “معتز” فكلاهما صعد معتمداً علي الولاء المطلق للمجموعة التي تحوذ علي السلطة ، فقد بدأ ” كبر ” ضمن صفوف  المعلمين من اعضاء الحركة الاسلامية بمدينة الطويشة بدارفور ، ثم تمكن من عضوية المجلس التشريعي لولاية شمال دارفور ثم رئيسا للمجلس ثم  والياً للولاية  للفريق معاش ابراهيم سليمان حسن ،  قضي بها 13 عاماً كاطول فترة يقضيها احد حكام الولايات ، بعد اقالته حرص بجد علي الاقتراب من الاعلام التي حملت خبر حصوله درجة الماجستير في الفقه الاسلامي من جامعة امدرمان الاسلامية ، بالاضافة الي توليه رئاسة  مجلس شوري  حزب المؤتمر الوطني ، ليمثل اقترابه من كابينة الرئاسة ضمان  لسيطرة “البشير” علي   مفاصل أعلي هيئة بالحزب الحاكم..

3

مغادرة كل من رئيس الوزراء الفريق بكري حسن صالح ونائب الرئيس الاستاذ حسبو عبدالرحمن  في تقديري تاخرت كثيراً، فوفقا للتطورات السياسية منذ اقالة الفريق طه الحسين في يونيو 2017  تردد أسم الفريق بكري ، كبديل للبشير في سياق  سيناريوهات تنحي الرئيس البشير عن كرسي الرئاسة سواء التي نشطت فيها المملكة العربية السعودية ما ظل يتسرب عن تجددها عبر وساطة مصرية ل،في تقديري هو أحد اسباب توتر العلاقة بين البشير و بكري الامر الذي دفع به الي زاوية التهميش لكن تقاصر الأخير  عن مواجهتها ودفع بها نحو مواجهة المجلس الوطني و يمكن رصد ذلك في تصريحه في مايو 2018 ” أرفض إستدعاء الوزراء دون علم رئيس الوزراء أو نواب البرلمان “رغم ذلك ظل علي قمة مجلس الوزراء الذي يجيز التعديلات الدستورية التي تمنح صلاحيات أوسع للرئيس حاول بكري القفز من المركب بتصريحة أمام البرلمان (سبب الازمة الاقتصادية هو فشل الدولة في توفير مبلغ 102 مليون دولار تكلفة صيانة المصفي ) ، لكن فوت عليه الرئيس الفرصة مثلما فعل مع غندور .

 4

إستقبال الرئيس التركي رجب طيب أوردغان في الخرطوم ، ليدفع فيها بتلويحته الذي حملت شعار رابعة الذي يحمل بصمة الأخوان المسلمين المصريين ، ثم زيارته لروسيا جاءت تكشف عن رده فعله  في التعامل مع الضغط الدولي و الاقليمي لحمله علي التنحي عن منصبه ، بل عمل علي تطوير العلاقته مع روسيا فزارها للمرة الثانية  تحت غطاء حضور المباراة النهائية في مسابقة كاس العالم لكن طبيعة الوفد المرافق له ظلت تشير إلي ارتباطها بالتصنيع الحربي ، في أغسطس 2018 بل تفاجأ المجتمعين الدولي والاقليمي بقاعدة روسية  داخل الاراضي السودانية بعد خمسة  أشهر من إنشاءها  بمدينة امدافوق و قاعدة فرعية بمنطقة بريا في الحدود مع افريقيا الوسطي ،بل تطور الامر الي زيارة غير معلنة لمدير جهاز الامن والمخابرات  للفريق اول صلاحمحمد عبدالله ط قوش” الي روسيا ة [1] الراجح انها في الاسبوع الاول من سبتمبر2016 حيث تم توزيع تعميم علي الصحف بعد التطرق للخبر.

5

في 2013 حينما توترت العلاقة بين موسي هلال قائد مليشيات حرس الحدود تمكن نائب الرئيس السابق “حسبو”من الدفع بمحمد حمدان دلقو “حميدتي” كبديل للأول ، في تقديري أنه السبب الذي صعد به إلي منصب نائب الرئيس ، لكن سرعان ما إستطاع الفريق طه الحسين سحب السيطرة منه و الاشراف علي مليشيات الدعم السريع و كسب ولاء قائدها ،  فشل حسبو في إدارة الاوضاع باقليم دارفور و لا سيما مالاَت حملة جمع السلاح و تقنين السيارات باقليمي دارفور وكردفان ، الحملة التي أستندت علي المنشور الرئاسي  بالرقم  419 في يوليو 2017 ، حيث التصريحات السالبة بينه وموسي هلال و التي انتهت باعتقال الاخير و ترحيله مع بعض افراد اسرته و ما يقارب ال200 من معاونيه الي الخرطوم  ثم توجيه تهم جنائية ليمثلوا بعدها أمام محكمة عسكرية في انتظار المحاكمة ، ثم الانتهاكات التعسفية و الترحيل الي سجني كوبر و بورتسودان  التي طالت الادارات القبلية للمعاليا و الرزيقات الجنوبية و بعض قادة المسيرية بكردفان ، انعكس في توتر العلاقة بين مجموعات واسعة و حزب المؤتمر الوطني و بالضرورة ستكون لها انعكاساتها علي مشهد ترشيح البشير في انتخابات 2020 ، فقد غرد حسبو خارج فلسفة  “فرق تسد ” التي اعتمد عليها السلطة  خلال فترة  سيطرتها علي مفاصل الدولة .

6

تزامن انطلاق حملة جمع السلاح مع الازمة الاقتصادية التي بدأت مظاهرها في يوليو 2018  شكلت عباً اخر علي الدولة  فالهدف منهاهو نزع سلاح بعض المليشيات  وهو امر كان يمكن في شكل اقصر نطاق ، الامر التاني هو التسويق لدي المجتمع الدولي لسيطرة الحكومة علي الاوضاع بدارفور لدعم خطة الحكومة لانسحاب بعثة حفظ السلام “اليونامد” لكن تطورات الاوضاع علي الارض و لا سيما بمنطقة جبل مره  اثبتت فشل  ذلك ، من ناحية عملية   فالحدود المفتوحة بين السودان ودول الجوار تشكل مصدرا لتغذية الاقليم بالسلاح  الامر الذي يجعل جمع السلاح رهين بتوفر الاستقرار حقيقي و الحل شامل للازمة ، لاتزال التساؤلات المرتبطة بمصير موارد التعدين في الذهب بجبل عامر بعد ابعاد هلال منه بالاضافة الي المواد المالية المتحصل عليها من تقنين السيارات القادمة من دول الجوار الي السودان عبر اقليم دارفور فوفقا” لحسبو” في اغسطس 2017 بلغ عددها 60000 سيارة الامر الذي يجعلها تتضاعف بذات القدر بعد عام من ذاك التاريخ تحتاج الي إجابات شفافه !

7

في تقديري ان مهام “كبر” الاساسية تتلخص  في اعادة ترتيب المشهد باقلمي دارفور وكردفان علي عكس ما ذهب اليه “حسبو” ،  اولي المهام قد تكون الافراج عن هلال ومعاونيه و ربما قد يتطور الامر  في اطار المنافسة السياسية الي المطالبة بالتحقيق في الانتهاكات التي صاحبت حملة جمع السلاح ، ففي 2013 غادر هلال الخرطوم في  بعد أن  فشل في الاقتراب من كابينة الوظائف حول الرئيس ، فقاد صراعاً مع كبر و عيناه مصوبتان نحو منصب والي شمال  دارفور ، تغلب عليه كبر الذي حول المواجهة  الي صراع بينه في مواجهة  المؤتمر الوطني بشمال دارفور   ، فلم يجد الاخير سوي التراجع، في 2017 بعد خمس سنوات بدأ صراع اخر  ظل هلال طرفاً ثابتا بينما شكل  حسبو الطرف الثاني مستقويا بقوة السلطة ليتمكن من اعتقال هلال و الزج به الي الحبس ثم المحاكمة ، لكن قبل إكتمال فرحة حسبو وجد نفسه خارج التشكيلة ، التي صعد الي مشهدها “كبر ” خلفاً له  ” ماأشبه الليلة بالبارحة ” .

[1] – مباحثات بين صلاح “قوش” وقيادات روسية في العاصمة موسكو – باج نيوز 6 سبتمبر2018 https://www.bajnews.net/news/34350