نبيل أديب

كثير ما يجد المرء نفسه غير قادر على فهم تصرفات، أو أقوال القيادات السياسية، سواء من كان منهم على سدة الحكم، أو كان ذلك ممن يعارضونهم. وقد حمل الأسبوع الماضي قرارهام ينطوي على ممارسة هامة لسلطة الحكم، دون أن يقدم له تبرير ينسجم مع الإجراء الذي تم إتخاذه. من جهة أخرى فقد ظهرت بعض من خلافات بين المعارضين، حول مسألة لا يمكن لنا أن نصفها بالوضوح

حل مجلس الوزراء وإعادة تكوينه

ماحدث في الأيام القليلة الماضية لم يكن  تعديلاً وزارياً، بل هو حل لمجلس الوزراء. وحل مجلس الوزراء يعني تغيير للحكومة بأسرها. والحكومة هي الطاقم السياسي الذي يدير السلطة التنفيذية، وهذا الطاقم يتمثل وفقا للدستور في مجلس الوزراء تحت إشراف رئيس الجمهورية. وتغيير الحكومة لا يُلجأ إليه إذا إستمرت الأغلبية البرلمانية دون تغيير، إلا في حالتين: الأولى عندما يقرر الحزب أو الأحزاب الحاكمة تغيير أحد السياسات العامة الأساسية. والثانية حين تفشل الحكومة القائمة في تنفيذ سياسة أساسية من سياسات الحزب، أو الأحزاب الحاكمة. وتغيير الحكومة يتم بإعادة تشكيل مجلس الوزراء. وهذا يعني بالطبع أن يطال التعديل الوزراء المسؤلون عن السياسة الحكومية التي أُجريَّ التغيير لإبدالها. مثل هذا التغيير لا يعرفه النظام الجمهوري، ولكن نظامنا الدستوري لم يعد نظاماً رئاسياً صرفا بعد التعديل الدستوري الأخير، إذ أصبحنا في منزلة بين المنزلتيين. فرغم أن التعديل أبقى على الملامح الرئيسية للنظام الرئاسي، إلا أنه أضاف لها بعض الملامح الخاصة بالنظام البرلماني. فما زال رئيس الجمهورية يتم إنتخابه بواسطة الشعب في إنتخابات عامة مباشرة، وبالتالي فإنه لا يخضع لمساءلة البرلمان، وهذه من سمات النظام الرئاسي. وقد أدخل التعديل من سمات النظام البرلماني منصب رئيس للوزراء، وقد إستلزم ذلك أن يتم تعيين مجلس الوزراء بمشاورته، ورغم أنه يخضع هو ووزرائه لمساءلة البرلمان، فإنه يخضع أيضا هو ووزرائه لمساءلة رئيس الجمهورية. وهذا يخلق مجلس للوزراء مستقل عن رئيس الجمهورية، وهي مسألة لا يعرفها النظام الجمهوري، الذي يكون الوزراء فيه مجرد مساعدين لرئيس الجمهورية يخدمون طالماً أنهم يتمتعون برضاه، ويفقد الواحد منهم وظيفته حين يفقد رضا الرئيس. serve at the pleasure of the President

وفي هذا النظام لا يتصور حل مجلس الوزراء لأن مسؤولية الوزراء فردية.

ما تم في الأسبوع الماضي لا يحدث في النظام الجمهوري وإن جاز حدوثه في النظامين البرلماني والمختلط، ولكنه في العادة يقع حين يفقد رئيس الوزراء ثقة البرلمان في سياسته، فيضطر إلى الإستقالة فتسقط الحكومة بأسرها.

تبرير مربك

في كل الأحوال حل مجلس الوزراء يعكس رفضا للسياسة التي يتبعها، أو عدم قبول لطريقة تنفيذ تلك السياسة، وفقاً لرأي الجهة التي يخضع لمساءلتها، سواء أكانت البرلمان أم رئيس الجمهورية. وفقا لذلك فإن حل الحكومة في الأسبوع الماضي، في حد ذاته لم يكن مثيرا للدهشة. فلا يماري أحد في أن نتائج سياسة الحكومة في معالجة الإقتصاد كما كشفت عنه ميزانية 2018 كانت كارثية. فقد تسببت في سقوط العملة الوطنية إلى أسفل سافلين. وقد وصل هبوط العملة إلى رقم لم يعد ممكنا أن تهبط عنه دون أن تقود الإقتصاد برمته إلى مرحلة الإنهيار التام. وهذا بالإضافة لإتباعها سياسة تُضيِّق من الحريات العامة بشكل لا يتعارض فقط مع الأحكام الدستورية، بل أيضاً مع مخرجات الحوار التي يفترض أنها تكونت لإنفاذها.

إذا فإن حل الحكومة كان في حد ذاته مطلوباً ومقبولاً، حيث أنها فقدت القدرة تماماً على السيطرة على الإقتصاد، ولم يكن في حلها ما يدعو للدهشة. ولكن ما يدعو إلى الدهشة، ليس الحل في حد ذاته، بل طريقته ومبرراته.

مقدمات الحل ومبرراته

من جهة فقد سبق الحل تعيين ثلاثة أشخاص في مناصب وزارية. وهو أمر لا يتصور حدوثه بالنسبة لمجلس يعيش أيامه الأخيرة، إلا لو كانت سلطة التعيين مختلفة عن سلطة الإعفاء، وهو أمر لا ينطبق على حالتنا هذي. أضف لذلك أن تعيين وزراء في الأيام التي سبقت حل مجلس الوزراء يتعارض مع القرار، ومع مسبباته.

فمن حيث الأسباب، كان مبرر إقالة الوزارة هو الإقلال من النفقات الحكومية، إمتثالاً لمخرجات الحوار الوطني. ولكن ما يجعل القرار ضمن ألغاز السياسة السودانية، هو أن هذه الوزارة تكونت في الأساس لإنفاذ مخرجات الحوار الوطني، فكيف والحال كذلك يكون تكوينها نفسه، وهو تكوين منذ بدايته كان مترهلاً، مخالفا لمقررات الحوار الوطني ؟! ثم لماذا نزيد تكوينا يعاني من الترهل ترهلاً ونحن على أعتاب إعمال المشرط لإزالة ذلك الترهل؟!

ثم يأتي التشكيل الجديد ليزيد إلى الأمر غموضا على غموضه. فقد تم تعيين رئيساً جديدا للمجلس، وتبديل المناصب الوزارية لبعض الأعضاء القدامى، وتم ضم أعضاء جدد لمجلس الوزراء مما يجعل التغيير متعلق بالأداء وليس المخصصات. وكل هذا يدعو للقول أن المسألة لا تستهدف خفض المصروفات بل تغيير السياسات.

لو قلنا أن الوزارة التي تم حلها، قد تم تحميلها مسؤولية فشل السياسات الإقتصادية والسياسية التي إنتهجتها، مما نجم عنه ضرورة حلها، وتكوين وزارة جديدة، لما إندهش أحد. ولكن هذا لم يحدث بل قيل أن الأمر لا يعدو وأن يكون تقليصاً للمناصب الوزارية بغرض تخفيض النفقات العامة. يا ألطاف الله، كم هو محبط هذا التبرير. هل يعني ذلك أن السياسات ستبقى على حالها، وأن كل المطلوب هو التخلص من بعض الوزراء بغرض توفير مخصصاتهم؟ هل يعني ذلك أننا سنظل نعيش الضائقة الإقتصادية والتي نعلم جميعاً أن توفير مرتبات عشرة وزراء وعشرة وزراء دولة لن تحلها؟

تغيير السياسات والخضوع للمحاسبة

ولا يصح هنا أن يقول قائل أن المبررات قد تكون تحمل نوعا من المجاملة لمن دالت دولتهم، ولكن التغيير في واقع الأمر تم لتغيير السياسات، وأن السياسات التي ستحل محل السياسات القديمة معروفة لمجلس الوزراء الجديد. لا يصح القول  بذلك وفقا للدستور. لماذا؟ لأن جميع الحكام وفقاً للدستور يخضعون لمستويات مختلفة من المحاسبة، بحسب تراتبية أجهزة الحكم المختلفة، ولكن أعلاها هو خضوعهم جميعا لمحاسبة الشعب. وهذه المحاسبة تتطلب أول ما تتطلب أن يعرف الشعب بشكل واضح كيف تدار شؤون البلد. المحاسبة السياسية لا تتم بعيداً عن أعين الشعب. وكذلك فإن السياسة التي تداربها البلاد لا يجب أن يتم وضعها في كابينة القيادة بعيداً عن أعين الشعب، بل يجب عرضها عليه، والحصول على موافقته عليها، ليقوم بدوره الرقابى على حكامه.

لذلك فإن حل مجلس الوزراء في حد ذاته هو قرار من الخطورة بحيث يجب أن يكون خاضعاً للمساءلة الشعبية. وهذا يعني وجوب أن تُطرح أسبابه ودوافعه على الشعب، ليس فقط للموافقة عليه، وهذا مطلوب، ولكن أيضاً لتمكين الشعب من تقييم السياسة العامة الجديدة، تقييم قرار القيادة في إختيار منفذي تلك السياسة

و قد أضافت الإعتذارات التي تلت إعلان الحكومة الجديدة غموضاً إلى المسألة، لأنها كشفت عن أن إعلان الحكومة قد تم دون إجراء المشاورات المطلوبة في هذه المسألة. مجلس الوزراء كما أسلفنا هو الطاقم الذي يدير السلطة التنفيذية، وهذا يعني أنه يرسم سياسة الحكومة في جميع مجالات الحكم، ويراقب بعد ذلك تنفيذها . لذلك فإن إختيار الوزير لا يتم إلا  بعد مناقشة السياسة التي تنوي الحكومة إنتهاجها معه، والتيقن من موافقته عليها، وتحديد دوره في تنفيذها .

وعليه فإن إعتذار معينين في المجلس الجديد بعد إعلان الحكومة، يقطع بأنه لم تتم مشاورتهم، ليس فقط حول قبولهم للمنصب، بل الأهم من ذلك، حول سياسة الحكومة التي تنوي تنفيذها، ومدى إستعدادهم للقيام بالدور المطلوب منهم في هذا الأمر.

ما نتوقعه الآن هو أن يقوم رئيس مجلس الوزراء بتوجيه خطاب للبرلمان يطرح فيه سياسته التي ينوي تنفيذها، حتى تتم محاسبته، ومحاسبة حكومته بعد ذلك، وفقاً لمدى نجاحها في تنفيذ سياساتها، ليس فقط من جانب البرلمان، بل أيضاً من جانب الشعب.

المعارضة ولغز الهبوط الناعم

من التعابير التي إكتسبت ذيوعاً مؤخراً تعبير الهبوط الناعم. وقد كان ذيوع ذلك التعبير ذيوعاً سلبياً بحيث أصبح ذلك التعبير أشبه بتهمة تلصق بالمعارض، فتصمه بما لا يحب، وإن كان لا أحد بالضبط يعرف ما هو المقصود. وسنحاول الآن أن نفهم المقصود بهذا التعبير، على الأقل، حتى لا نؤيد سياسة ما، يتضح دون أن ندري، أنها هي المقصودة بالتعبير، فنقع  في شر أعمالنا.

الهبوط الناعم هو ترجمة للتعبير الإنجليزي soft landing.  وقد نشأ هذا التعبير عند أهل مهنة قيادة الطائرات، فكلمة landing  هنا تعني ملامسة الطائرة للأرض. وكلمة soft  تعني أن تكون الملامسة بشكل سلس. ويقابله لدى أهل المهنة تعبير landing  hard وهو تعبير يصف ملامسة الطائرة للأرض بشكل غير سلس. وأكثر ما يحاول ربان الطائرة أن يتفاداه، هو أن لا يقع في  ال crash landing وهو الإصطدام بالأرض بشكل قوي لا تُحمد عقباه.

وقد إستعار الإقتصاديون تعبير الهبوط الناعم، من مهنة الطيران، ولكنهم رأوا فيه محمدة على عكس المعارضين السودانيين، فإستخدموه للإشارة إلى الهبوط بالأسعار في حالات التضخم الجامح، كحالة إقتصادنا الآن، إلي درجة تكفي لوضع الأسعار في موقعها الطبيعي، وذلك برفع سعر الفائدة للحد من عرض النقود، حتي تصل الأسعار للوضع المطلوب، دون أن تنخفض بها للمرحلة التي توقف النمو الإقتصادي، وتسبب الكساد. وقد صمم هذه السياسة Alan Greenspan  رئيس الإحتياطي الفيدرالي في أمريكا في عام 94 . ويقال أن رئيس وزرائنا الحالي لا يؤمن بذلك بل يؤمن بالعلاج بالصدمة، وهو تعبير مأخوذ من الطب النفسي، وقانا الله.

الهبوط الناعم كتعبير سياسي

لا أزعم أن لهذا التعبير معنى مستقر لدى أهل السياسة، ولكن المقصود منه في السياسة عندي، هو التخلص من وضع التحليق في الجو، عن طريق إنزال الطائرة بشكل سلس إلى الأرض. وهذا بالضرورة يعني تغيير الوضع القائم بشكل سلس. فإذا شبهنا الوضع القائم بطائرة محلقة، فإن هبوط الطائرة إلي الأرض، سواء أكان ذلك في مدرج المطار، أم في أي مكان آخر يعني تغيير الوضع القائم.

والهبوط الناعم يعني أن  يتم ذلك بشكل سلس خال من العنف. والسؤال هو لماذا يرفض المعارضون ذلك؟ أنا لا أزعم  أن المصطلح هومصطلح سياسي معروف يفهمه الجميع على النحو الذي فهمته أنا به، ولكنني أقول أن ما فهمته يقوم على قياس منطقي للحالة السياسية مع حالة هبوط طائرة، وعلى الذين يقصدون بالمصطلح معنى آخر، أن يتوقفوا عن إستخدام ذلك المصطلح لما يحدثه من إلتباس، ويتركو المحسنات البديعية، إلى لغه واضحة لا إستعارة فيها. وحتي يفعل المستخدمون للمصطلح بشكل سلبي ذلك، فإنني لا أرى مصلحة للمعارضة في رفض سيناريو الهبوط الناعم. بل أرى أن العارضة المدنية بشقيها، المتكتل منها في نداء السودان، والمتوشحون منها بقوى الإجماع، تدعو في الواقع إلي الهبوط الناعم. فالمعارضة المدنية تدعو إلي إسقاط النظام عن طريق الإنتفاضة الشعبية، وهو خيار وحيد بالنسبة لقوى الإجماع، وأحد خيارين بالنسبة لنداء السودان. فما هو المعنى المقصود من الإنتفاضة ؟ إذا رجعنا لتاريخنا الحديث نجد أن إكتوبر وأبريل يمثلان معا، السيناريو التي تشير اليه المعارضة حين تستخدم مصطلح الإنتفاضة.

 تسلسل الأحداث في اكتوبر يشابه تسلسل الأحداث في ابريل، ولكن الفارق يتمثل في إنتقال السلطة. ففي كلا الحالتين كان هنالك سخط شعبي واسع المدى، أدى لإضراب سياسي عام، ومسيرات ضخمة، أعقبها حراك جماهيري في الشارع العام رافضا للنظام، أدى لإنحياز أقسام مهمة من جهاز الدولة لذلك الحراك، أهمها الجهات المنفذة للقانون، وأقسام من القوات المسلحة. الفارق هو أن رأس الدولة في اكتوبر رضخ للإرادة الشعبية، فحل المجلس العسكري، ثم دعا الجبهة القومية المشكلة من جبهة الأحزاب و جبهة الهيئات لتكوين الحكومة. أما في أبريل فإن النهاية أتت في شكل أنحياز القوات المسلحة بكامل تراتبيتها العسكرية لحملة الإحتجاج الواسعة، فأقدمت على  الإستيلاء على السلطة. وفي الحالتين، فإن ماتم هو هبوط ناعم بالمعنى الذي نفهمه للمصطلح. خاصة في أكتوبر إذ أن الإنتفاضة الشعبية، و التي أخذت شكل إحتجاج واسع، قد أجبرت الحكومة القائمة على التنازل عن السلطة، وهي مسألة تختلف تماماً عن ما تم في ليبيا  أو اليمن أو سوريا، حيث كان الهبوط خشنا  تفتت نتيجة له جهاز الدولة، مما قاد تلك البلاد إلي فوضى.

الثابت هو أن الإحتجاج هو حق دستوري يجوز للشعب اللجوء إليه ممارسة للحقوق الديمقراطية والدستورية. وأن المطالبة بإستقالة الحكومة هو حق أيضا للشعب، و أن رضوخ الحكومة لإختيار الشعب، هو بالضبط ما تدعو المعارضة المدنية له. وهو سيناريو يطابق الهبوط  الناعم. وهذا هو مايجعلنا في حيرة من أمرنا  

    نبيل أديب عبدالله

المحامي