أدم عبد المولي

ضجت الاسافير مؤخرا بقضية ترشيح الدكتور عبدالله أدم  حمدوك  لتولي حقيبة وزارة المالية في التشكيل  الوزاري الجديد.

قليلون من راهنوا  على ان هذا الرجل سيقبل بالوظيفة . وفي  أيام معدودات صار الرجل  علما  ثم فعلا  ( اشتكي أحد العشاق ان حبيبته قد تحمدكت عليه ( . وريثما يقيض الله للسودان  ظرفا يسمح لحمدوك  وامثاله  ان يخدموه , دعونا نشكر الرجل على الابتسامات  والطرف  التي اشاعها  في الاسافير فنحن احوج ما نكون لأسباب الابتسام.

حين قرأت اسم عبدالله ضمن قائمة  مرشحي حزب المؤتمر الوطني  للوزارة الجديدة  طافت بذهني عدة اسئلة.  بداهة, لا اخوض في أمر عضويته بـالمؤتمر الوطني  إلا حين يصير الانتماء اليه أمرا محتوما على كل سوداني الِي ان يثبت العكس . فعبدالله فصلته نفس هذه السلطة عقيب انقلابها  عام  1989 . كان مبرر فصله – شان الالاف غيره – هو  ” الصالح العام”.  لذا فأن تسميته وزيرا لاهم وزارة  يعني ان تلك السلطة – نفسها – تطلب خدماته , وبالطبع  “للصالح العام”. هنا يبرز السؤال الاول: من الذي تغير؟ أهو عبدالله؟ النظام؟ الصالح العام؟ ام كل أو بعض ذلك؟ .

أما عبدالله فقد تجاوز محن الفاقة والتشريد والمنفى واكتسب علما وخبرات ثرة . في ما عدا  ذلك فقد ظل كما عرفناه لما يشارف اربعة  عقود . ولذلك حين تقرر السلطة  التي حرمته من خدمة بلاده وهو في أوج عطاءه  ان تعيده الِى الخدمة أفليس الواجب يقتضي ان تعتذر  عن فصلها له أولا؟  وان كانت السلطة هي التي تغيرت واصبحت  اكثر انفتاحا  على من يخالفونها الرأي أو علي اقل تقدير  أمست  اكثر انفتاحا  على التكنوقراط , فلم انحصر هذا الانفتاح على وزارة المالية دون سواها ؟  هل المالية هي المجال  الوحيد الذي تضربه الأزمة؟ ماذا عن الحروب التي  تطحن الابرياء  في جبال النوبة والانقسنا  ودارفور؟ ماذا عن النازحين الذين لا زالوا  بالمخيمات لما ينيف عن عقد ونصف؟  وماذا عن أزمة الحريات العامة  ومصادرة الصحف ومنع الصحفيين  عن الكتابة؟ هل انجبـت السلطة  خبراء لكل هذه الأزمات وعقمت فقط  في مجال المالية؟  ام تري هو الصالح العام الذي قد تغير أو انضمد؟  هل دفنت السلطة سيفها البتار ذاك الذي طال أرزاق عشرات الالاف ممن صرفت الخزانة العامة ودافعي الضرائب  على تأهيلهم؟

هل طاف بخلد أساطين المؤتمر الوطني ان رجلا في سن عبدالله وخبرته سينظر في سجل سوابق نظامهم قبل ان يستوزر فيه؟ كيف تعامل النظام مع التكنوقراط الأسبقين من جلال علي لطفي لعبدالعزيز شدو  وعبدالله ادريس وعبدالسميع عمر احمد وعلي سحلول الِى سبدرات ؟

الدكتور كرم عبد المولي ) لا صلة لي به) اخذوه من بيوت الاشباح ونصبوه وزيرا للتعاون الدولي . وحين اصيب  بالسرطان وسافر الِى لندن مستشفيا على نفقته الخاصة لم يزره حتى “فراش” السفارة . فتكفل  بتكلفة نقل جثمانه  منفيو الانقاذ ببريطانيا. الدكتور  التجاني سيسي الذي كان يعمل في ادارة يرأسها حمدوك  صيروه رئيسا  للسلطة الانتقالية بدارفور فهل افلح ذلك  “الانتقال” أم أن صلاحية التجاني قد انتهت فتم تهميشه ؟

هذه القائمة ستطول أذا ما حاولنا ان نلامس مافعلت السلطة ببنيها, فهل هناك بصيص ضوء – في هذا النفق المستطيل – ان السلطة قد تغيرت؟

ثمة أمرا أخرا فيما يتعلق بتوزير عبدالله: فراتب الوزير الرسمي اقل بكثير مما يتقاضاه  موظف بالأمم المتحدة في درجة عبدالله. فما الحافز إذن  لشخص مثله أن يستوزر في ظروف استحالة الدافع الوطني تحت كلكل هذا النظام؟  فاذا كان دخل الوزير لا يقتصر علي المرتب , الا يدخل ما عدا ذلك في باب الفساد الذي علي ما اظن تريد منه  السلطة التصدي له؟  ام تحاول السلطة ان تخلق فاسدا اخر حتى بعد ان حققنا اِكْتِفَاءً ذاتيا  في هذا  الشأن   وراكمنا فوائض للتصدير.

هل سأل أهل السلطة أنفسهم عما سيجعل عبدالله – هذا الستيني – أن يغامر بالدخول في وزارة قد يطرد منها بلاسابق  انذار في غضون شهور أو حتى أسابيع؟ ولئن  كان عبدالله قد اختير  لمؤهلاته  وخبراته  الذين يشهد ويشيد بهما  كل القاصي والداني  فماذا  سيحفزه  ليصير وزيرا تحت اِمرة رئيس وزراء له من العدة ما يؤهله  بالكاد لان يكون تلميذا عند عبدالله؟

أنا لم أستأذن عبدالله ولكن لو كانت السلطة جادة في الاستفادة من خبراته هو وامثاله  من التكنوقراط  فلتجعله رئيسا  للوزراء وتطلق يده ليشكل حكومة من الخبراء تتصدي للتحديات الوجودية التي تجابه السودان, ساعَتَئِذٍ  ربما يقيض الله لما تبقي من السودان شيئا  من” الانقاذ “.