د. بشير إدريس محمد زيـن..
••
مؤسفٌ جداً أن ينساق كثيرٌ من الناس، وبسذاجة بالغة، إلى إستسهال وصف أخينا د. عبد الله آدم حمدوك بعدم الوطنية، والتنكُّر لنداء الوطن والواجب، وخلاف ذلك، لمجرد أنه إعتذر عن قبول التكليف للقيام بأعباء وزارة المالية !!

فهل وُصفت بروفيسور سمية أبو كشوة مثلاً بعدم الوطنية كذلك لأنها إعتذرت عن قبول ترشيح الرئيس لها في ذات التشكيل الوزاري؟! وهل وُصف بروفيسور مضوي، من قبل، بعدم الوطنية مثلاً لأنه إعتذر عن قبول الترشيح الوزاري (العشوائي) المتعجّل له قبل عام من الآن؟!

إذا كان السيد الرئيس البشير يثق إلي هذا الحد، في مواهب الدكتور حـمدوك الباهرة، وفي مقدراته اللّا متناهية علي إنقاذ إقتصاد البلاد الذي دمَّروهُ بإتقانٍ وتصميم غير مسبوقين، فلماذا لم يأخذ سيادته الأمر (من قُصُر) ويعـيِّنه رئيس وزراء مباشرةً ويمنحه كل الصلاحيات المطلوبة ودون حدود؟!!!
طبعاً لن نتمادي في التحامل علي السيد الرئيس بأكثر من ذلك ونقول بالمرة لماذا لا يتنازل له عن كرسيِّ الرئاسة جملةً واحدة !!

•• إنَّ إقتصادنا كما هو معلومٌ للقاصي والداني، لم تعُد تنفع معه نظرية (نريِّسك ونتيِّسك) التي يتعامل بها السيد رئيس الجمهورية مع وزرائه ومرؤوسيه، وهذا بالضبط بعض مما دعا الدكتور حمدوك للإعتذار..كما أنه معلومٌ كذلك، أنَّ  إقتصادنا هذا لن ينهض، ولن تقوم له قائمةُ إصلاح إلا بالرؤية الإصلاحية الكُلية الصادقة الثاقبة، وبالعزم الأكيد، والمُضاء غير المتردِّد، والحسم والعدل -وطهرانية اليد- قبل هذا كله.. غير أنَّ جميع هذه الصفات لا يوجد عُشر معشارِها لافي الإنقاذ كنظام، ولا في قادة الإنقاذ..فكيف يُنقـذ الدكتور حمدوك، أو غير حمدوك إقتصاداً متهاوياً إلي الأرض ضمن واقعٍ سياسيٍ متهاوٍ كذلك، وهذا حالُه؟!

ربما يقول قائلٌ طيبٌ متفائل : إنّ السيد الرئيس كان سيمنح الدكتور حمدوك -حال قبِل التكليف- حمايته، ورعايته، وقوة ونفاذ أوامرِه..ولكن الإجابة علي هذا الطرح الفطير، الساذج هي أن السيد الرئيس لم يستطع إنفاذ أوامرِه، وتوجيهاتِه بشأن إلغاء رسوم، وأتاوات، وعشور المحاصيل التي تفرضُها المحليات في كافة الطرقات السريعة دون رقيبٍ أو حسيب، فكيف له أن يفعل ما هو أكبر، وأخطر، وأعقد، وأعم من ذلك، في ظل نظامٍ قابضٍ، متغوِّل، مغلَق النوافذ، والأفق ومداخل الهواء، وغارقٍ في الفساد إلي أذنيهِ؟؟!! كيف يستطيع السيد الرئيس فِعلَ شئ وسيادته يتحدث عن معاش، وحياة الناس وكأنه آتٍ من كوكبٍ آخر غير هذا الكوكب جرَّاء الأغشية، والغِشاوات المضروبة عليه من كل جانب من بطانته، ودائرة ثقته، وأصدقائه ومقربيه ؟؟!!!

إنّ تبديلَ إطارٍ واحدٍ جديد في سيارةٍ متعطلة، معطوبة الماكينة، مشلَّعة الطبلية والطبلون، متعددة المُلَّاك، منهوبة الدركسون والكوابح لن يقدِّمها متراً واحداً إلي الأمام ولو إستعانوا عليها بمائةٍ من جماعة(يا عم والنبي دفرة) ومن أهل (يا أبو مُرُوَّة) !!!

ولا شك أن الجميع يعلم أن معضلة بلادنا بالأساس هي معضلةٌ سياسية قبل أن تكون مأساةً إقتصادية..
ومهما أوتي الإقتصاديون -من لدُن صديقنا حمدوك وحتي جورج مارشال- من مهارات، ومقدرات، ومواهب خارقات فلن يستطيعوا فعلَ شئ في ظل وضعٍ سياسيٍ متأزِّم بكامله، وفاسد، (ومكنكِش) كأشد ما تكون الكنكشة، وغير راغب في سداد أدني مستحقات الإصلاح المطلوب !!

•• هناك نكتة سائرة تقول إنَّه وفي (الزمن السابق) كان هناك سيدٌ نخّاس يمتلك عدداً من العبيد، وكان من بينهم عبدٌ يحفظ القرآن، بينما لا يحفظ السيد النخَّاس ولا حتي فاتحة الكتاب..وكان عدم حفظ شئٍ من القرآن يوقع هذا النخَّاس في حرجٍ بالغ ومستمر..إذ كلما كان في جماعة، وحضرت الصلاة يقدِّمه أهله والحاضرون ليؤم الصلاة وهو غيرُ حافظ !!
فماذا يفعل؟؟!! بسيطة..هدته عقلية النِّخاسة الجبارة التي يتمتع بها إلي أنه، وكلما قدَّمه الناس لإمامة الصلاة ما عليه إلا أن يسحب عبده حافظ القرآن ليكون خلفه بالضبط في الصف الأول، ثم يعتدل هو لإمامة الصلاة، ويتنحنح، ثم يكبِّر      ويقول مباشرةً لحافظ القرآن (أقرا يا عبد)..وهكذا إنحلت المشكلة..!!

والآن،  فإذا كان ثمة ما يُستفاد من هذا الحدث (الحمدوكي) العجيب الذي ما فتئ يشغل الأسافير، فهو أن الإنقاذ، وبعدما حار بها الدليل، وأعيتها معضلة الإقتصاد والدولار، لم تعد تتحرّج من الإستعانة بأيٍّ كان، في ظل (الحِوار والإنفتاح المزعوميْن) حتي ولو كان من (الرِّفاق)، ممن رفتت في أول عهدِها وشرّدت، وبهدلت، وشتتت، وسحلت، ونكَّلت، بشرط أن (يقرأوا) لها القرآن فقط، ومن الصفوف الخلفية، علي أن تكون هي التي تؤم الصلاة إماماً ودائماً!! تماماً كما تقول النكتة السائرة !!