بابكر فيصل

شاركت يوم الجمعة الماضية في حلقة من برنامج “الكشاف” بفضائية سودانية 24, وقد خُصصت الحلقة للإجابة على أسئلة تتعلق بالدوافع التي قادت الجبهة القومية الإسلامية للقيام بالإنقلاب العسكري على النظام الديموقراطي في يونيو 1989 وما ترتب عليه من تطبيق لسياسة “التمكين” التي أدت لتشريد آلاف الناس من وظائفهم دون مبرر سوى عدم إنتماءهم للتنظيم الإنقلابي.

لا أرغب في نقاش العديد من الآراء التي أدلى بها المشاركون في الحلقة من أعضاء الجبهة الإسلامية والتي إتسمت بالطابع الدفاعي العاطفي المفتقد للحجج المنطقية القوية والتماسك في طرح الأدلة لتبرير أسباب الإنقلاب على نظام ديموقراطي كانوا جزءا منه ( بإستثناء حديث الدكتور خالد التجاني ).

ولكنني سأكتفي بتناول معلومتين فقط أدلى بهما الأستاذان عبد الرحيم حمدي و إبراهيم السنوسي, لأوضح المنطق الذي يتعامل به المنتمون لجماعة الأخوان المسلمين مع الوقائع, وهو منطق يلغي عقول الآخرين ولا يتورع عن المجادلة حول الحقائق البائنة عن طريق الإدلاء بمعلومات كاذبة ومضللة لا يسندها أية دليل.

هذا المنطق تُعززه فكرة جوهرية في منهج الإخوان المسلمين تتمثل في أن طرح الجماعة يتطابق مع الدين (الإسلام), وأن السعي لإستخدام كافة الأسلحة, بما في ذلك الكذب, في مواجهة أعداء الإسلام أمر مشروع يبيحه الدين, وهو الأمر الذي إعترف به من قبل الكاتب الصحفي “إسحق أحمد فضل الله” في برنامج “فوق العادة” الذي تبثه قناة “الشروق” عندما قال : ( أنا مُحارِب ، أُحاربُ بالكذب ، والدِّين لم يُحرِّم ذلك ).

ولا يكتفي الأخوان المسلمون بإباحة الكذب عبر المبررات السياسية, بل يسعون لتأصيله عن طريق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية, وقد أطلق عليه أحد قادتهم الكبار, محمود الصباغ, في كتابه “حقيقة التنظيم الخاص” إسم الدلع التالي : (إيهام القول للمصلحة) !

يقول أصحاب هذا الفهم أنه يجوز الكذب على العدو في الحرب، ويستندون في ذلك إلى حديث منسوب لأم كلثوم بنت عقبة تقول فيه :(لم أسمع رسول الله (ص) يرخص في شيء من الكذب مما تقول الناس إلا في الحرب).

ويذهب بعضهم إلى أن الكذب على الكفار عموماً يجوز كذلك في غير حالة الحرب من أجل تحقيق مصلحة دينية أو دنيوية، ويستشهدون في ذلك بحديث منسوب للرسول الكريم يقول (لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات : إثنتان منهنَّ في ذات الله عز وجل : قوله ( إني سقيم) وقوله (بل فعلهُ كبيرهم هذا) ، وقال : بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبَّار من الجبابرة فقيل له : إنَّ هاهنا رجلاً معهُ إمرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأل عنها فقال : من هذه ؟ قال أختي، فأتى سارة قال : يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإنَّ هذا سألني عنك فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني ).

وكذلك يستندون على قصة “أصحاب الأخدود”، وينسبون إلى الرسول الكريم القول فيها ( كان ملكٌ فيمن قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك : إني قد كبرت فابعث إلىَّ غلاماً أُعلمهُ السحر، فبعث إليه غلاماً يُعلمهُ، وكان في طريقهِ إذا سلكَ راهبٌ، فقعد إليهِ وسمعَ كلامهُ فأعجبهُ، وكان إذا أتى الساحر مرَّ بالرَّاهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربهُ، فشكا ذلك إلى الرَّاهب فقال له : إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر).

هذا هو المنطق الذي يُفسِّر لنا الخلفية التي أطلق منها الدكتور الترابي كذبته البلقاء عند قيام إنقلاب الإنقاذ عندما قال للبشير : ( أذهب أنت للقصر رئيساً ، وأذهب أنا للسجن حبيساً ), وكذلك تصريحاته الصحفية الموثقة بأن الجبهة القومية الإسلامية ليست لديها أدنى علاقة بالإنقلاب.

عبد الرحيم حمدي, الذي يصفه البعض بالخبير الإقتصادي, نافح بجرأة شديدة عن سياسة التمكين البغيضة التي إنتهجتها الإنقاذ مدعياً أنها أمر إعتيادي تقوم به جميع الحكومات حتى في أكبر الدول الديموقراطية في العالم, وهى أمريكا, وقال أن أية إدارة جديدة تدخل البيت الأبيض مسموح لها بالقانون أن تطرد “مليون موظف حكومي” من الخدمة المدنية, وهو أمر بحسب زعمه لا يجد إستنكارا من الشعب الأمريكي لأنه ممارسة طبيعية.

لم يذكر الأستاذ حمدى الرقم “مليون” مرة واحدة حتى نعطيه “فائدة الشك”, أى نفسر الشك لمصلحته, ولكنه أصر على تكرار الرقم مليون أكثر من مرة, كما أنه عمد إلى إخفاء معلومة في غاية الأهمية تنسف إدعاؤه من الأساس, وهى أن القانون لا يسمح للإدارات الأمريكية بطرد أو فصل أية موظف من “الخدمة المدنية” بل يسمح لها بإستبعاد البعض من “الوظائف السياسية” بإعتبار أن بيروقراطية الدولة محايدة وليس لها علاقة بالسياسة.

توجد في أمريكا جهة تسمى “هيئة الخدمة المدنية” مهمتها إدارة الخدمة الفيدرالية العامة, والقانون الأمريكي ينصُّ على أن الموظف العام يتم إختياره فقط “عبر الإمتحانات التنافسية وعلى أساس الكفاءة”, وهو يمنع المسؤولين المُنتخبين والسياسيين المُعينين من “فصل موظفي الخدمة المدنية” وينصُّ على حماية “الموظفين العموميين من تأثيرات المحسوبية السياسية والسلوك الحزبي”.

لا يملك الرئيس الأمريكي الداخل للبيت الأبيض حديثاً, وعلى عكس إدعاء حمدي, أية صلاحية لفصل أي شخص تم توظيفه في الحكومة الفيدرالية عبر نظام الخدمة المدنية, ولكن من حقه أن يطالب بطرد شخص من الخدمة المدنية بحسب حيثيات يراها, ومع ذلك فإن القرار في هذا الشأن يتم من خلال الإجراءات التي وضعها الكونغرس عبر القانون, وهى إجراءات ليس للرئيس فيها أية صلاحية.  

ومن ناحية أخرى فإن “التعيينات السياسية” التي يحق للإدارة الجديدة البت فيها لا تتعدى 4.000 وظيفة, منها 1200 وظيفة تتطلب مراجعتها أو ملئها من قبل الإدارة موافقة الكونغرس, وفي الغالب لا يقوم الرئيس الجديد بإستخدام صلاحياته لتغيير جميع الوظائف بل يكتفي ببضع مئات من الوظائف الهامة التي يحتاجها في سياق تطبيق رؤاه وسياساته البديلة التي وعد بها الناخبين.

أمريكا دولة قانون, تحكمها عملية معروفة بالإجراءات القانونية الواجبة أو “دوو بروسيس” وهى تعني أن الحكومة يجب أن تتوخى العدالة قبل حرمان أي مواطن من حقه في الحياة أو الحرية أو العمل أو الملكية, وهى عملية مُضَّمنة في الدستور وتنطبق على الوظيفة العامة ولا تستطيع أي جهة العبث بها, وفي حال .مخالفتها فإنَّ السلطة القضائية المستقلة تتدخل لوضع الأمور في نصابها

لم يكتف الخبير حمدي بحديثه المزيف وكلامه المضلل حول صلاحيات الرئيس والإدارات الجديدة, بل أصر على إبداء جهله بأبسط المقومات التي ينبني عليها النظام الفيدرالي الأمريكي, وذلك بقوله أنه لا يسمح لتلك الإدارات والرئيس بفصل كبار المسؤلين في الخدمة العامة فحسب, بل يدخل في صلاحياتهم كذلك طرد المسؤول في الشرطة الولائية المعروف بإسم “الشريف”.

فليعلم الخبير حمدي أن “الشريف” هو مسؤول شرطي كبير يشرف على عمل عدد من ضباط الشرطة في أية كاونتي “محلية” في مختلف الولايات الأمريكية, وأنه – بخلاف ضباط الشرطة في المدن الكبرى أو الصغيرة – يصل لمنصبه عن طريق الإنتخاب وليس التعيين, وفي غالب الولايات ينتخب الشريف لمدة أربعة سنوات.

وهكذا يتضح أنه فضلا عن أن وظيفة الشريف ليست وظيفة فيدرالية, بل ولائية محلية مما ينفي إمكان تدخل الرئيس لفصله أو إبعاده عن منصبه, فإن الشريف يصل لمنصبه عن طريق الإنتخاب, وكل من لديه إلمام بسيط بطبيعة نظام الحكم الأمريكي لا شك يعرف معنى أن يكون الشخص منتخباً لموقع ما, حيث لا يملك الرئيس أو أية جهة في الجهاز التنفيذي سلطة أو صلاحية  تمكنه من خلعه من منصبه.

كان يؤمل من رجل في مثل سن حمدي أن يُبدي زهداً في المكاسب السياسية والحزبية, وأن يواجه حقائق الأمور بشجاعة وصدق وأمانة ويعترف بخطأ سياسيات التمكين, كما أعترف عدد من إخوانه في الحزب, وأن يُحجم عن اللجوء للتبرير الواهي وتزييف الحقائق عبر المقارنات الكاذبة بين الأنظمة الديموقراطية والشمولية, ذلك لأن الإعتراف بالخطأ يمثل فضيلة أخلاقية ودينية قبل أن يكون مطلباً سياسياً ووطنياً.

لم تك محاولة الأستاذ حمدى لتوريط مختلف حكومات العالم بما فيها الحكومات الديموقراطية في إرتكاب إثم التمكين حتى يبدو فعل حزب الجبهة الإسلامية غير مستنكرا هى الوحيدة التي وردت في تلك الحلقة من برنامج “الكشاف”, بل صحبتها محاولة أخرى من الأستاذ السنوسي لتوريط جميع الأحزاب, بدءاً بالشيوعيين والبعثيين ومروراً بالإتحاديين وإنتهاءا بحزب الأمة, في السعي لتدبير إنقلاب عسكري على الحكومة الديموقراطية.

ما يهمني هذا الإطار هو تفنيد إتهام السنوسي للحزب الإتحادي الديموقراطي بالتدبير لإنقلاب عسكري على الديموقراطية الثالثة, وهو إتهام قذف به هذا الشيخ الهِرم في وجه المشاهد دون أن يسوق عليه دليلاً واحداً, وبطريقة توحي بعجزه البائن عن تقديم دفوعات منطقية عن فعل الإنقلاب المنكر, مما حدا به  لتبني منهج “أنا وأخوي الكاشف” حتى يجد مبرراً مناسباً لما قام به حزبه.

فليعلم الأستاذ السنوسي أن الحزب الإتحادي الديموقراطي هو الحزب الوحيد في الساحة السياسية السودانية الذي تمسك بصناديق الإقتراع كوسيلة وحيدة لتغيير النظام الديموقراطي, وهو كذلك لم يسع لزرع أي خلايا في الجيش حتى تعينه على الإنقلاب العسكري, وفوق هذا وذاك لم يثبت تورطه في أي من الإنقلابات الثلاثة التي أبتليت بها بلادنا, وهى إنقلابات بات معروفا لكل إنسان ما هى الأحزاب والجهات التي وقفت وراءها.

ومن ناحية أخرى, فإنه طوال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ الإنقلابي, لم تصدر أية معلومة أو وثيقة عن جهة سياسية أو مسؤول عسكري سابق أو مسؤول حكومي أو مركز أبحاث أو صحيفة أو حتى دولة أجنبية, تشير إلى تورط الإتحاديين في الإعداد لإنقلاب عسكري على الحكومة الديموقراطية, فما الذي يجعل هذا الشيخ الهرم يستخف بعقول المشاهدين حتى يصدقوا مثل هذا الإتهام الجزافي ؟

إن غالبية شهود تلك الفترة والفاعلين فيها ما زالوا أحياء يرزقون, ومنهم قيادات بارزة في حزب الجبهة الإسلامية والجيش والأمن وأجهزة الإعلام, فلماذا لم يخرج من بينهم شخصاً واحداً ليرمي على الملأ  بمثل هذا القول الثقيل ؟

ومن هنا فإننا نقذف بالتحدي في وجه السنوسي ونطالبه بأن يعرض علينا دليلاً واحداً على إتهامه للإتحاديين بالتورط في تدبير إنقلاب على النظام الديموقراطي الأخير, فالبينة على من إدَّعى !

الكذب خصلة ذميمة يعافها الوجدان السليم, ولا يجب تبريرها بأية منطق, دعك من تبريرها بمنطق الدين, بل يتوجب تحريمها في كل الأحوال وتحت كل الظروف, فالإجتماع البشري يَفسد فساداً عظيماً إذا إستشرت فيه هذه الآفة، ولذلك فإن القرآن الكريم نزع عن المسلم صفة الإيمان إذا كذب : ( إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون ) !