خالد فضل

      وقائع تاريخ أرض كوش , أو تايستي , أو الحبشة , أو أرض السود , وهي المسميات التي سبقت تسمية (السودان الحالي) في مطلع القرن السادس عشر الميلادي شهدت تأسيس مُلك ثنائي ؛ حيث درسنا في مقررات المدارس السودانية عنوانا فحواه (عمارة دُنقس وعبدالله جماع يؤسسان مُلكا) , والمُلك المقصود هو السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج والتي دانت لسطوتها كثير من مساحات أرض السودان الحالية عدا دارفور تقريبا والجنوب السابق وبعض مناطق جبال النوبة . عبدالله جماع شيخ وزعيم مجموعة العبدلاب ينحدر من المجموعات السودانية التي تعرّبت بالإختلاط العربي مع العرق النوبي في الشمال النيلي  , وعمارة دُنقس زعيم مجموعة الفونج التي تزعم هي الأخرى بأنها من سلالات بني أُميّة , حاصل تحالفهما كان تدمير آخر قلاع الممالك النوبية المسيحية على مجرى نهر النيل وروافده الرئيسة ؛ مملكة علوة التي صار خراب عاصمتها سوبا مضربا للمثل في عامية أواسط السودان حتى الآن , بالنتيجة سادت غلبة العناصر العربية (المستعربة) والمسلمة على أنقاض نقيضها , العناصر النوبية الزنجية المسيحية , وصار القائدان اللذان قادا تلك العملية من معالم تاريخ السودان الحديث , ويتم تدريس عملهما ذاك (بزهو شديد) لأطفال السودان وتلاميذ المدارس فيه !!

  بالطبع توارث حفدة دُنقس السلطة مثلما توارثها أحفاد جمّاع حتى الغزو التركي المصري للسودان في الربع الأول من القرن التاسع عشر , وحاضر في التاريخ المدرسي كذلك نص رسالة محمد ودعدلان لإسماعيل باشا  قائد الحملة على السودان (لا يغرنّك انتصارك على الجعليين والشايقية فنحن الملوك وهم الرعية …..إلخ )هذه جوانب تاريخية يمكن ربطها مباشرة بوقائع الأحداث المعاصرة التي تجري فصولها في السودان . آخذين في الإعتبار أنّ تجارب الممالك والسلطنات والإمارات تكاد تكون هي السمة الغالبة في المحيط الثقافي العربي والإسلامي , فكل دول الخليج العربي تُحكم بأحد الأنماط المار ذكرها , وهناك الأردن والمغرب بالنظام الملكي , فيما كانت العراق إلى خمسينات القرن الماضي يحكمها الملك  بينما هذه الأنماط من الحكم تكاد تكون معدومة في المحيط الثقافي الإفريقي , وقد غربت شمس امبراطورية إفريقيا الوسطى منذ عقود , ولعل ما تبقى من جيوب صغيرة ليست ذات تأثير كما في  في ليسوتو أو بعض الدويلات التابعة رمزيا  للتاج البريطاني من دول الكومونويلث .

  إذا شواهد التاريخ والمعاصرة ترجّح كفّة قبول المجتمعات العربية والإسلامية بالأنظمة الوراثية ,فإيران مثلا ثارت على حكم الإمبراطورية الشاهنشاهية لتقع لقمة سائغة في أحضان الأوتوقراطية الدينية , استبدلت الشاه بالملالي وآيات الله وولاية الفقيه , فالجمهورية تبدو غريبة على هذه المجتمعات ولم تتجذّر فيما يبدو خاصة مع ارتباطها بالإستبداد الذي جعلها بلا قيمة حقيقية فيما يتعلق بالحريات العامة والمشاركة في الحكم والإنتخابات وتداول السلطة , فمعظم الجمهوريات العربية كانت تحكم في الواقع  بالنظام الملكي الذي يتوارث فيه الحكم أفراد العائلة الواحدة إخوة أو أبناء , مات حافظ فتولى الحكم بشار الأسد في سوريا  , وكان صدام يُعد في عُدي والقذافي يجهّز سيف الإسلام وحسني سيخلفه ابنه على حكم مصر . السودان ظلّ يتبادل حكمه الديمقراطي أبناء قادة الطائفتين الختمية والأنصار , وربما كان الأثر الصوفي حاضرا كذلك , فنظام توريث الخلافة هو السائد في الطرق الصوفية , وعندما حاول الصادق المهدي التجديد وجعل موقع إمامة الأنصار يخضع للإنتخاب وليس دمغة (آل المهدي) بدت محاولته تلك مثل الطرفة .

   ما الذي يمنع أن تكون هذه الوقائع حاضرة في ذهن البشير وفي عقل حميدتي , وما الذي يمنعهما من التحالف سويا وتأسيس المملكة السودانية بحيث يصبح البشير ملكا وحميدتي قائد جيشه وحامي عرشه , وهو يؤدي هذا الدور عمليا منذ سنوات ؟ فبعد تخلّصه من قيود عرّاب الإنقلاب المرحوم د. الترابي لم يعد هناك من ينازع حكم البشير وسطوته , فالحركة الإسلامية باتت مثل صنم عجوة (عمر بن الخطاب) يشكلها البشير كيفما شاء , تارة ينفيها وينفي صلته بها وتارة يتقمّص لباسها بنسبة100%, أمّا ما يُسمى حزب , فإنّ أدرى الناس بحقيقته هم صنّاعه لذلك لا يأبهون به والبشير هو من صنعه أو شارك في صناعته وكما لا تعلو العين على الحاجب لا يعلو الحزب على صنّاعه , وإذا كان بعض سدنتة الحكم والحزب يتباهون في مواسم مهرجانات التسوق الإنتخابي  المزيفة وحفلات الديمقراطية التنكرية بأنّ عضويتهم 5ملايين عضو في قول أو 10ملايين في قول آخر ؛ فإنّ هذه الجماهير الغفيرة تبدو ضئيلة لحظة اختيار مرشح الحزب لموعد كرنفالي صوري يسمى مجازا انتخابات , فيحدد حميدتي مسبقا مرشح الحزب لأن الدستور ليس كتابا مقدسا , و(يلولو) علي عثمان التصريح بأنّ لوائح الحزب ليست ذات شأن , ويتبارى التابعون في أحزاب الحوار الديكورية  في رص المعاذير بالاّ بديل للبشير سوى البشير على وزن ملصقات في ودمدني تقول  (لا بديل لإيلا إلاّ إيلا) , تبدو للقارئ من بعيد وكأنّها عبارة التوحيد الإسلامية المعروفة ! في ظل هذه المعطيات ومع تنامي الفشل حد درجة الإنهيار التام في الإقتصاد والسياسة والأخلاق وكل أوجه حياة الشعب  وفقدان أي منطق ومعقولية لإستمرار نظام الحكم بوضعه الراهن ما الذي يمنع تجريب المجرّب والسائد في ثقافة من بيدهم السطوة والنفوذ في هذه الحقبة التاريخية , وما الفرق أساسا بين رئيس (مدى الحياة ) و(ملك مفدى) أو أمير (حفظه الله) أو (سلطان) لا معقّب بعده ,أو آية ( قدّس الله سرّه ), ومن أنسب من حميدتي للتحالف في تأسيس المُلك ؟ فهو قد دحر التمرد في دارفور إلى جيوب صغيرة نائية , والمتمردون في غالبهم من العناصر الإفريقية المناوئة للملوك , وهو على استعداد لدحر من تبقى منهم في الجبال والنيل الأزرق , وحسم أي مجمجة في الخرطوم , ويوزّع اللاندكروزرات على قيادات القبائل والمصاحف على الخلاوي , أيوجد أفضل من ذلك لبناء المُلك؟ تآسيا بسيرة السلف الصالح عمارة دُنقس وعبدالله جمّاع , خاصة مع نفحات سنّار عاصمة الثقافة الإسلامية وبركاتها . ولربما قرأ تلاميذ المدارس بعد قرن أو أقل في مقرر التاريخ ذات عنوان هذا المقال .