التغيير: لؤي قور

نظم منتدى مشافهة النص الشعري، أمس الأول “الخميس”، أمسية للشاعر المتجول “صالح علي صالح”، بعنوان “اللغات تحرض أطيارنا للرجوع”، ببيت التراث بالخرطوم. قدم للأمسية وأدارها الناقد “جابر حسين”، فيما تخلل حديثه قراءات للشاعر “صالح على صالح”، يستشهد بها “جابر” في تحليله وقراءته النقدية لشعر الشاعر.

قطرتان مؤجلتان

على باب بيت صدئ

تستطيع ملامسة الدهر فيه

على مشهدين

مشهد للصرير وللباب أيضاً

حين تفتحه الريح .. تدخل ذراته الهالكات

 يخرج أطفال ليسو معدين للشمس

 في صيف أيامنا القاحلة

الشاعر المتجول:

وابتدأ جابر حديثه بالتطرق لمنتدى مشافهة النص، وتجربة “الشاعر المتجول”، في نسختها الثالثة، حيث اختارت في نسختها الأولى الشاعر “بابكر الوسيلة”، كشاعر متجول. وتساءل عما يجمع الشعراء المتجولون في شعرهم، قبل أن يعود ليقرر بأنهم أصحاب رؤى شعرية جديدة تخالف السائد والمألوف، مضيفاً بأنه أعجب أيما إعجاب باختيار الشاعر “صالح علي صالح” ليكون الشاعر المتجول لهذا العام. لأنه يسير في نفس اتجاه الخروج عن السائد والمألوف من الشعر، أسوة بسابقيه. على الرغم من أن لكل منهم نهجه ورؤاه ووعيه الخاص، فهم يختلفون – بحسب جابر – في التعابير والصور. وما يوحدهم هو كتابة شعر مخالف للحساسية الشعرية الحالية، بل يمثل شعر للمستقبل، يصلح كمدخل للتفكير في هذه المبادرة.

وعن شعر “صالح” يقول جابر:(في شعر “صالح” نجد ملامح الحياة المعافاة، بعيداً عن الحزن والإحباط اللذان ربما يأتيان عرضاً، لكنه سرعان ما يخرجنا من قسوة الحياة، ليستشرف أبعاداً أُخرى. وله في ذلك لغته الخاصة بالطبع. وفي الساحة الآن عدد كبير من القصائد لم تستطع النهوض بواجب الشعر الأساسي، وهي من جنس القصيدة “التقليدية” مهما حاول صاحبها أن يرتقي بها، ولا تلبي حاجات الشعر الأساسية. ولا اعني بهذا الحديث عن الوزن أو القافية، فهذه الإشتراطات انتهت كأدوات لمحاكمة القصيدة حالياً. ولقصيدة صالح رؤاها وأفكارها وجمالياتها، وهي قصيدة تنتمي لهذه الحساسية الجديدة. وهذا ليس في السودان فقط، بل في مختلف الأماكن حول العالم. والوقع أن الناس تقرأ هذه القصيدة،  لكنها تجدها غريبة وجديدة ومغايرة، لذا تجد أن معظم الكتاب يتحفظون حيالها، إن لم يقفوا ضدها. وهي قصيدة لم تأخذ مساحتها بعد في أذهان الناس.

من قال ان المكان يعرفه مالكوه؟

من قال أن المكان يبدده ساكنوه؟

هؤلاء هنا بالقصيدة صاروا مكاناً

لا يساورك شك

بان المكان هو الساكن المحض

وهو الذي يشغل الساكنين

 

الجمال العمومي:

وذكر جابر أنه قرأ عدداً كبيراً من النصوص الشعرية لـ”صالح”، وكشف عن أن لصالح أربعة دواوين شعر مكتملة لم تطبع بعد، مما لا يساعد كثيراً حركة النقد التي تعتمد أيما اعتماد على الكلمة المكتوبة. وزاد:(شعر صالح مُتعِب، فما بين قصيدة وقصيدة تجد قفزة كبيرة جداً، تجعلك تعود  لتراجع ذائقتك. وفي أول تعرفي على قصيدة “صالح” كنت أبحث عن مقولات وأمثولات فلجأت لمحمود درويش في رؤيته الشخصية للشعر، لأجده يقول عن الإيقاع إنه ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر، وموسييقاه الداخلية. فالامر إذن ليس حكراً على الوزن، وقد يتأتى في العلاقة بين الحروف والدلالات. فما هو الشعر؟ بحسب درويش هو الحدث الذي يجعل الشئ طيفاً، والطيف شيئاً، يفسر حاجتنا لاقتسام “الجمال العمومي”، ولا بد من ضوء في القصيدة، وهو وجهها الذي يتجلى فيها الغموض الشفيف. وبالطبع لا نعني هنا الغموض الكثيف الذي أدى لمعارضة هذا النوع من الشعر، والوقوف ضده في بداية الأمر.

ومضى جابر للقول بأن “الجمال العمومي”، جمال تحوزه بصيرة الشاعر ورؤياه في من هم حوله، ويعيش حياته وسطهم. ومن رحيق عيونهم وقلوبهم يحوز الشاعر عطاياه الجمالية، وأن “صالح” هو الوحيد – في راهننا الشعري – الذي يعيش لحظات شعره في اختلاطها بحلمه وواقعه اليومي، ويتفاعل مع وهج حياة الناس من حوله، ويلمس أحلامهم، وتساءل “هل يمكن أن تعيش الفقصيدة بمعزل عن الناس”؟

لا يناسب البيت غرفة وحيدة

لا يناسب الغرفة بيت بلا سور

لا يناسب المرأة رجل مشغول بفحولته

 لا يناسب الرجل امرأة ضل عنها الحنان

لا يناسب الأطفال أب جريح

لا يناسب الأب أطفال غير مشاغبين

لا يناسب الشعر قالب معد

لا يناسب التحليق شعر مجنح

 

كيف يرى الشاعر الشعر:

وتساءل جابر مرة أخرى “كيف يرى الشاعر الشعر”؟ واستطرد قائلاً:( لاحظت في ما قرأت لصالح أن شعره يرتفع بالوعي لحد الجنوح، وكيف بأن القصيدة تورطنا أحياناً. فـ”صالح” وصف “محجوب شريف” في واحدة من قصائده  بأنه ورطه وأحرجه!! والقصيدة تحدي، والقصيدة شردت بعضنا، وجعلت الشاعر يشعر بأن لا سند للقصيدة ولا مدد. وهناك ما يناسبه في الشعر وما لا يناسبه وهناك تناول لمفهوم المكان، إذ خرج الشاعر من المفهوم التقليدي للمكان، ونفى وجود مالكين للمكان، وقرر بأن المكان تملكه الرؤي الجديدة. وقصيدة صالح مكونة من ذرات صغيرة متماسكة، غير مبعثرة، وعليه ليس من حقنا التعامل معها ككتلة واحدة، مجردة من الخصائص الفردية.

تتحدث القصيدة عن ذاتها وذاته، فهو كما رأيت في قصيدته، وعي ملائم لحساسيته الشعرية. يحس بأن قصيدته لم تكتمل فيبحث عن اكتمال في قصيدة جديدة. يقول درويش أن الخيالي هو الواقعي الأكيد، أي كُن في خيالك وأكتب شعرك الذي تراه. لكن القصيدة يجب أن تكون في شؤون الناس، والإنسان في هذا الواقع القاسي. وأنت تجد في شعر صالح هذه الوجهة أي الملامح السياسية المعنية باليومي في دنيا الناس وتزين قصائده الملامح الثورية).

 

من ينقذ أسماكي من عنين

لا ينتصب أوان الشهوة

بل ينكحنا بصفوف الخبز

كأس من فرط طهارتها تكتب شعرا

وتقودك وهي تحرك أسئلة الشعر

أنت رهين محبتها

تغمض عينيك وتصغي

عرق يتصبب من وردة

من بدن ينخره السرطان

بلد يظمأ بين يدي النيل