نبيل أديب

في أغلب الأحيان تكون اللامبالاة هي الشريك الرئيسي في جريمة الفساد. بس مايرسون

إنتظمت البلاد مؤخراً حملة إعلامية سياسية تدعو لمحاربة الفساد. وقد أسفرت تلك الحملة حتى الآن  عن بعض من إجراءات في مواجهة عددا ممن أُطلِق عليهم إسم القطط السمان، وفي تخصيص محكمة لمحاكمة جرائم الفساد، وإنشاء وحدة مكافحة الفساد بواسطة جهاز الأمن. وسنرى حالاً أن المسألة تقتضي أكثر من ذلك بكثير. ويكفي في هذا الصدد أن نقول أن السلطات قد إستشعرت ذلك، حين أعادت ضابط أمن إلى الخدمة لمحاكمته أمام محاكم الجهاز.  بشكل عام المحاكم تطبق القوانين، وبدون القوانين التي تجرم المظاهر المختلفة لهذه الظاهرة وسبل كشفها، وتشديد العقاب عليها لن يكون لتخصيص محاكم لمحاكمتها كبير جدوى. وإنشاء وحدة مكافحة الفساد بواسطة جهاز الأمن هو أسلوب غير مألوف خاصة وأن الوحدة تضم وكيل نيابة وقاض ،والأصل هو أن تتبع الوحدات المتخصصة للأمن لوكيل النيابة، وأن يحتفظ القاضي بمسافة منها. القصور الواضح في هذه الحملة هي أنها لم تستهدف إصلاحا في القوانين، ولم تستهدف أي إصلاحات هيكلية في أجهزة الحكم تسد منافذ الفساد. فرغم أهمية العقاب على الممارسات الفاسدة ، إلا أنه الأهم من ذلك هو تسليط الضوء على آلية إتخاذ القرار، لتكون مكشوفة أمام الشعب، حتى تخضع الممارسات الفاسدة للمحاسبة السياسية. الكشف عن ثروة المسؤولين من أهم الآليات المحاسبة السياسية.

الفساد والحكم الراشد

“الفساد هو طاعون خبيث يحتوي على مجموعة واسعة من الآثار المسببة لتآكل المجتمعات. الفساد يقوض الديمقراطية وسيادة حكم القانون ، ويؤدي إلى انتهاكات حقوق الإنسان ، ويشوه الأسواق ، ويضعف نوعية الحياة، ويسمح للجريمة المنظمة والإرهاب، وغير ذلك من التهديدات لأمن الإنسان، بالازدهار.” مقدمة إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

الفساد وفقا لمنظمة الشفافية العالمية هو إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب خاصة. لذلك فإن أخطر أثر للفساد هو أنه يشكل عائقا أساسيا ضد إقامة الحكم الراشد، بحيث يستحيل وجوده مع وجود الممارسات الفاسدة. محاربة الفساد تبدأ بإصلاحات سياسية عاجلة تهدف لإلزام السلطات بالتقيد بالمصلحة العامة فيما تتخذ من قرارات، عن طريق وضع سلطة إتخاذ القرار في الشؤون العامة تحت رقابة الشعب. وهذا يتم بشكل أساسي  بتمكين الشعب من إختيار حكامه، ومحاسبتهم عن طريق التداول السلمي للسلطة.  ولا يتحقق التداول السلمي للسلطة إلا بتحرير الإرادة الشعبية عن طريق إطلاق الحريات العامة. وتفعيل كل هذه القواعد يعني ببساطة تحقيق الحكم الراشد، فجوهر الحكم الراشد هو أن يكون الهدف الوحيد للحكام فيما يتخذون من قرارات هو تحقيق  المصلحة العامة. فإذا إتخذت السلطة القرار لأى إعتبار آخر لا يكون هنالك جدوى من العملية الديمقراطية بأكملها. وتغليب إعتبارات أخرى  على المصلحة العامة، غالباً ما ينجم عن  خضوع السلطة لتأثير غير مشروع ، وهذا التأثير غير المشروع هو ما نطلق علية مصطلح الفساد.

الممارسات الفاسدة

“إن العدالة تنتحب عندما تُترك لملتهمي الرشوة ” الشاعر الإغريقي هيسيود

الفساد يتم بأشكال مختلفة أكثرها غلظة وأقدمها هى الرشوة.  والرشوة هى صورة واحدة من صور الفساد ، ولكن الفساد الذي يلتهم سيادة الأمة في أكثر التجمعات الحديثة يصيب السلطات الثلاث بصورة متعددة تتمثل في الرشوة، والمحسوبية وتعني ترجيح العلاقات الخاصة nepotism  ،   وتضارب المصالح، والممالأه favoritism. و فيما عدا الرشوة- في شكلها الأكثر بدائية – فإن قوانينا الحالية تخلو تماماً من التعرض لأشكالها الأخرى بشكل يساعد على مكافحة الفساد ومحاسبة من يمارسونه. رغم أن قانون المفوضية القانونية للشفافية والإستقامة ومكافحة الفساد لعام 2016 أشار إلى بعض الممارسات الفاسدة، إلا أنه لم يعاقب عليها، بل نص في المادة 29 منه على أن يعاقب كل من يخالف أحكامه بالعقوبة المنصوص عليها في القانون الجنائي. ولما كان القانون الجنائي لا يعاقب إلا على ما تضمنه من جرائم، فإنه يسهل القول أن الممارسات الفاسدة التي تضمنها قانون المفوضية  قد تمت إضافتها لأغراض تعليمية بحتة.

وتلى الرشوة فى القدم والبدائية الممالأة وهى تفضيل الناس لأسباب غير كفاءتهم، أو إستحقاقهم لما يحصلون عليه. ولكنها أيضاً لا تجد إلتفاتاً مناسباً من نظامنا القانونى. فما زلنا نفتقد القوانين التى تنظم الحصول على السلعة والخدمة مما يشجع القائمين على الأمرعلى ممالئة أهلهم، بمنحهم الوظاثف والعقود كمقابل للمناصرة. وللأهل هنا أبعاد كثيرة ومستويات متعددة   فهى تعنى الأسرة والحزب والقبيلة وغيرها من التجمعات اللصيقة بالمسؤول التي توفر له الحماية، والتي يري في ممالئتها ما يفيده في البقاء فى السلطة.

الخاص والعام في حياة المسؤول

تهدف الشفافية لمحاربة الفساد السياسي عن طريق إتاحة المعلومات، وذلك بإلزام الدولة بالكشف عن العلومات التي تتعلق بمشاريعها الإقتصادية، والعقود التي تدخل فيها، وجعل قواعد إختيار المتعاقد معلومة ومكشوفة للجميع، وهو ما سنتعرض له في مقال آخر، ولكن ما يهمنا هنا هو ضرورة الكشف عن كل الشئون المالية للقائمين على الدولة، بحيث يُعرف جميع مصادر دخلهم وثرواتهم الخاصة، وكذلك أي تغيير قد يحدث فيها.

معرفة ثروة المسؤولين تتصل بمراقبة ما إذا كان لهم مصلحة خاصة فيما يصدرون من قرارات، وذلك لأن الناس تتفتح قدراتهم الخلاقة عندما يتصل الأمر بمصالحهم الخاصة. لما كان تغليب المصلحة الخاصة للفرد أو المجموعة يشكل أساس الفساد، فقد عمدت قوانين محاربة الفساد سداً للذرائع، إلى منع الحكام من أن تكون لهم مصالح خاصة فى المسائل التى يتطلب منصبهم ان يمثلوا المصلحة العامة فيها، فتبنت قواعد منع التضارب فى المصلحة Conflict of Interest

رغم أن المسؤول من حقه أن يحمي حقه في الخصوصية، فإنه ملزم بأن يكشف للشعب كل ما من شأنه أن يجعل له مصلحة خاصة فيما يصدر من قرارات تدخل ضمن تصريف شؤون منصبه. تقدم الأحداث التي أحاطت ببيترماندلسون، وهو حليف قوى لتونى بلير الذي رأس الحكومة البريطانية من 1997 وحتى 2007 تفرقة واضحة لدى المجتمعات الديمقراطية بين ما هو خاص وما هو عام. عقب إستقالة رون ديفيز وزير شئون ويلز على أثر حادث يوحي بتورطه في علاقة جنسية مشبوهة، ذكر متحدث في برنامج في الإذاعة البريطانية يناقش الموضوع “إن المسألة تتعلق بسلوكه، وليس بميوله الجنسية، فالجميع يعلمون أن ماندلسون له ميول جنسية مثلية، وهذا لم يؤثر فى نفوذه السياسى” وقد منعت هيئة الإذاعة البريطانية، عقب ذلك، بتأثير من ماندلسون الإشارة لميوله الجنسية فى برامجها. وقد تم إنتقاد ذلك بشدة فى الصحافة لأن البعض رأى فيه إستغلال لنفوذه كوزير لحجب المعلومات، ولكن المسألة قللت من شعبية مانديلسون دون أن تذهب لأبعد من ذلك،  حيث رأى الكثيرون أن المسألة لا تتعلق بشؤون الحكم، أو بمعلومة هو ملزم بالإفضاء بها، لأن حياته الخاصة ليست من الشؤون العامة. ولكنه إضطر للإستقالة حين كشفت الصحافة عن حصوله على قرض بدون فوائد يبلغ 373 ألف جنية إسترليني من جيوفرى روبنسون. و جيوفرى هذا من أثرياء حزب العمال، ولكنه  كان يخضع لتحقيق في مسائل متعلقة بتصرفاته التجارية بواسطة الوزارة التي كان يتولاها ماندلسون. ورغم أن الثابت أن ماندلسون أبعد نفسه تمامأ عن التحقيق، فلم يشارك فيه، ولم يتصل بأي من أعضاء اللجنة، إلا أنه لم يبلغ مجلس الوزراء بحصوله على قرض بدون فائدة، وهذه ميزة يجب كشفها للمجلس. و عند إتضاح ذلك، لم يستطع تونى بلير أن يحميه، وإضطر ماندلسون للإستقالة، لأن المعلومة التى حاول إخفاءها هذه المرة يتوجب عليه قانوناً الإفضاء بها.

معنى منع التضارب فى المصلحة

يعنى منع التضارب فى المصلحة بشكل أساسى أنه لا يجوز للمسئول فى أى مستوى من مستويات الحكم أن يشارك فى إتخاذ قرار أو يحاول أن يستغل صفته الرسمية للتأثير على القرار الحكومى فى مسألة يعلم أو يكون له سبباً للإعتقاد بأن لديه فيها مصلحة مالية خاصة. والمصلحة المالية الخاصة تتحقق إذا كان من المعقول توقع أن يكون للقرار أثر مالى على مصالح المسؤول، أو أفراد أسرته، وقد أضافت القوانين المختلفة للمصالح المالية للمسئول، المصالح الخاصة بمن قدم هدايا للمسئول فى فترة قريبة. وقد يتمثل ذلك في أي مشروع إقتصادي يكون للشخص المعنى فيه درجة من المصلحة المالية يعتد بها، أو أي عقار يكون للشخص المعنى فيه حصة يعتد بها، أو أي مصدر للدخل خاص بالشخص المعنى ، أو أي كيان قانوني يتولى فيه الشخص المعنى منصباً في إدارته.

 ولمنع وجود التضارب في المصالح، يمنع القانون عادة الهدايا التي تقدم للمسؤولين، إذا ما تجاوزت قيمتها قدراً معيناً. والقصد من ذلك أن لا يشعر المسؤول بالإمتنان تجاه مقدم الهدية، مما قد يؤثر على قراره في حالة ما يكون مقدم الهدية له مصلحة في القرار الذي يتخذه المسؤول.

ولكن لما كان العرف الدولي قد جرى على تقديم هدايا للرؤساء، وهي هدايا لا يصح ردها بالنسبة لما قد يحدثه ذلك من أثر سالب على علاقات الدولة المعنية، فقد تمت معالجة ذلك بنصوص قانونية تعتبر الهدية التي تفوق قيمتها مبلغاً معيناً هدية للدولة وليست للرئيس. ويمنح القانون الأمريكي الرئيس الحق في شرائها إذا رغب في الإحتفاظ بها،

ولعل أحسن شرح للغرض من قوانين منع التضارب في المصلحة، نجده في دعوى تومسون ضد كال، حيث تذكر المحكمة العليا في كاليفورنيا أن الغرض من القانون هو الإطمئنان العام، بأن قرار الموظف العام يهدف فقط لتحقيق المصلحة العامة. ولذلك فإنه لا يلزم أن يرجح المسؤول مصلحته الخاصة فعلاً، بل يكفى أن تكون له مصلحة خاصة فى المسألة المعروضة أمامه لإبطال القرار، حتى ولو لم يحفل بها فى واقع الأمر، فالقانون لا يهدف فقط لمنع التضارب الحقيقي في المصلحة لدى المسؤول، بل في منع وجود المظهر الذي يوحي بوجود ذلك التضارب، لأنه يتوجب أن يطمئن الجمهور أن المسؤول ليس لديه ولاء لغير المصلحة العامة.

الأمانة العمياء

 في محاولة لحماية خصوصية المسؤولين في مواجهة القانون الذي يلزم الوزراء فى الدول الديمقراطية، بالكشف دورياً عن مصالحهم المالية، درج البعض على إقامة ما يعرف في النظام الاقتصادي الغربي بالأمانة العمياء blind trust   وهى أن يُضمِّن الشخص كل ما يملك من أصول ومصالح تجارية فى محفظة مالية  Portfolio يعهد بإدارتها  لشخص أو مؤسسة، يطلق عليهم إسم المنفذين، وهم أشبه بنظار الوقف، يتخذون ما يرونه مناسبا من قرارات، وإجراءات، دون الرجوع إلى المنتفع، والذي لا يكون له حتى حق العلم بتلك القرارات و الإجراءات. وفقا لذلك فإن المسؤول لا يمكنه معرفة مدى تأثير ما يتخذ من قرارات تنفيذا لمهام منصبه على مصالحه الاقتصادية، لأنه في الأصل يجهل أين تُستثمر أصوله، وبذلك ينتفي في حقه شبهة تضارب المصلحة .

وهذه الطريقة مستخدمة بشكل واسع النطاق في كندا، حيث يلجأ إليها أغلب الوزراء، إلا أنها سيئة السمعة  في بريطانيا. لجأ حزب العمال لإقامة  أمانة عمياء لتمويل حملته الانتخابية في انتخابات 97 و التي أسفرت عن فوز ذلك الحزب، كما وتلقى مساهمات من أمانات عمياء. وقد ظهر لاحقاً أن بعض أصحاب تلك الأمانات من مناصرى الحزب من الأثرياء، قد أُنعِم عليهم بعضوية مجلس اللوردات بعد فوز الحزب في الانتخابات . رأت اللجنة التى شُكِّلت لدراسة الأمر (لجنة نيل) أن نظام الأمانة العمياء لا يتسق مع الشفافية، وأوصت بأن يُمنع كسبيل لتمويل الأحزاب السياسية، أو قياداتها، أو المرشحين لعضوية البرلمان. وقد أخذ بتلك التوصية قانون الأحزاب السياسية، والانتخابات، والاستفتاءات لعام   2000. حيث قرر في المادة (57) وجوب إعادة المساهمات إذا كان المساهم لا يمكن التعرف على شخصيته. هذا المنع لا يشمل الأمانة العمياء التي ينشئها الوزراء لأن المقصود من المادة 57 هومعرفة شخصية من يساهم في حملة المسؤولين المحتملين الإنتخابية، توطئةً لمنع أى ممالأة من المسؤول للمتبرع، ولكن الأمانة للعمياء للمسؤول نفسه تهدف لإخفاء مصالحه هو الاقتصادية عن نفسه، حتى لا تؤثر على القرارات التي يتيح له منصبه أو يفرض عليه إتخاذها.

ومع ذلك فمازالت مسألة الأمانة العمياء لا تحظى بالقبول من حيث أنها أحيانا لا تحجب المعلومة عن المستفيد. فقد ظهر أن شيري بلير قد تدخلت في إدارة الأمانة العمياء  التي أقامها زوجها لإدارة شؤونه المالية بأن وجهت منفذو الأمانة بشراء شقتين في بريستول . وكذلك فقد تشكك كثيرون بالنسبة للأمانة التي أقامها اللورد سينزبرى أثناء توليه الوزارة والتي تتشكل من حصته في سلسلة البقالات الضخمة المعروفة بإسمه، فرغم أن المؤسسة التي أقامها لم تتصرف في تلك الحصة إلا أنه بالنسبة لضخامة تلك السلسلة إقتصاديا فإن أي تصرف في حصة بتلك الضخامة كان سيعرفه الجميع بما فيهم لورد سينزبرى. وهذا يعنى أن إستثماراته كانت معلومة له.

وحقيقة الأمر هي أن افتراض أن هذه المؤسسة تجعل استثمارات المسؤول بعيدة عنه at an arms length     هو إفتراض غير حقيقى لأنه لكي يعيِّن شخص آخر لإدارة أمواله، لا بد أن يكون على صلة وثيقة بذلك الشخص تؤهله لأن يثق به لدرجة تسليمه سلطة إصدار القرار في كل ما يخصه من مصالح تجارية، وبالتالي فإن احتمال علمه بما هو جار في استثماراته مسألة لا يمكن استبعادها بغض النظر عن أي قاعدة  يشملها قواعد إقامة الأمانة.

بغض النظر عن مدى فاعلية الأمانة العمياء، فإن المسألة كلها في تقديرنا هي مسألة متعلقة بالشفافية، ومحاربة الفساد، والتي سمحنا للعالم أن يسبقنا فيها بفراسخ عديدة والتى نحتاج لمعالجة تشريعية سريعة للحاق بالعالم فيها. وسنواصل في الأسبوع المقبل النظر في باقي المسائل المتعلقة بذلك، والمعالجة التشريعية للمسألة في السودان.

نبيل أديب عبدالله

المحامى