د.الشفيع خضر

أطراف البلاد، وليس مركزها، هي مصدر الثروة وأسباب الحياة والمعيشة في السودان. فالأطراف هي التي تنتج الفائض الاقتصادي من الزراعة والرعي والتعدين، وهي التي ترفد المصانع والحقول والمؤسسات الخدمية بالعمال والزراع، وهي التي توفر الجنود للجيش والشرطة لبسط الأمن والأمان وحماية الوطن. ورغم كل ذلك، تعاني هذه الأطراف، أشدّ المعاناة، من الإجحاف والإهمال والتهميش، ويسكنها التوتر العرقي والقومي والاجتماعي، حتى أصبحت ميدانا للحرب الأهلية. بعد استقلال السودان، 1956، ورث وتبنى الحكم الوطني مشروع الاستعمار البريطاني الاقتصادي، والذي يركز على التنمية في المثلت الواقع في وسط البلاد، حيث مشروع «الجزيرة» والسكة حديد وصناعة النسيج وبعض الصناعات الصغيرة الأخرى.
وكانت الفكرة المعلنة هي استخدام عائد مشاريع هذا المثلث لتنمية الأطراف. لكن، سقطت الفكرة بفشل المشروع الموروث والمُتبنى، وبفشل تقديم الإجابات الصحيحة لأسئلة بناء دولة ما بعد الاستقلال، وفي مقدمتها سؤال كيفية المشاركة العادلة في السلطة وكيفية الاقتسام العادل للموارد والثروة، بين كل المكونات القومية في البلاد. وفي ذلك، تكمن جذور أسباب تهميش هذه الأطراف وتناقضاتها المزمنة مع المركز. ونتيجة لهذا التهميش، والذي تجلى أيضا في سياسات الاستعلاء العرقي والثقافي، أعلنت الأطراف تمردها على المركز، رافضة التهميش، ومطالبة بعلاج خلل معادلة قسمة السلطة والثروة عبر إعادة هيكلة، أو إعادة بناء، الدولة السودانية على أساس الاعتراف بالتنوع والتعدد، ومبدأ قبول الآخر. صحيح أن التمرد في جنوب السودان إنطلق عنيفا مسلحا منذ بداياته الأولى في العام 1955، لكن تمرد الأطراف الأخرى، لم ينفجر فجأة، ولم يبدأ منذ الوهلة الأولى بالشكل المسلح الذي نراه الآن. فقد شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي قيام أندية وجمعيات وروابط جهوية وقبلية في المركز/العاصمة، أسسها أبناء تلك المناطق والقوميات من المتعلمين والمستنيرين العاملين في العاصمة، بهدف دفع سلطات المركز/الحكومة لتوفير الخدمات من صحة وتعليم ومياه شرب نظيفة…الخ، لمناطقهم الطرفية والبعيدة عن المركز. وفي محاولة لمزج ثقافاتها بالثقافة السائدة في المركز، كونت تلك الأندية والروابط الجهوية فرقا فنية تعبر عن ثقافات مناطقها وقومياتها، وتتغنى بها في كل مناسبات المركز، خاصة في أعياد ذكرى الاستقلال. ولعل دلالة ذلك واضحة كل الوضوح. كما كوّنت هذه الأندية والروابط فرقا رياضية فرضت نفسها على هيكل التنظيم الرياضي في المركز/العاصمة. وإلى هنا، والسياسة لم تكن حاضرة، أو حاضرة بشكل خافت ومستتر، لكن العين الواعية سياسيا كان بمقدورها إبصار نطف الاحتجاج والتمرد السياسي في هذا الحراك.
وتدريجيا بدأت السياسة تفرض نفسها وسط هذه الأندية والروابط، من داخل الأحزاب التقليدية في البداية، ثم لاحقا في شكل تنظيمات مستقلة، مثل مؤتمر البجا، إتحاد عام جبال النوبة، تحالف قوى الريف…الخ، ومن يومها بدأ جنين التمرد يتخلق وينمو. لكن، لم تكن النخبة السياسية الحاكمة، بما فيها أحزاب الأمة والاتحادي، ترى في كل هذا الحراك سوى تهديد لنفوذها، لذلك ظلت توسمه بالعنصرية والعصبية القبلية، في حين هو ليس كذلك. وهكذا، بدأ حراك الأطراف مطلبيا إجتماعيا، وسعى للحصول على الخدمات بالذهاب إلى المركز ما دام الأخير لا يأتي إلى مناطقه. ثم إنتقل الحراك إلى موقع السياسة والبحث عن حلول عبر التحالفات مع هذا الحزب أو ذاك. ومع مرور الزمن، وتراكم السياسات الخاطئة، وفي مقدمتها فشل قسمة السلطة والثروة، تفاقمت التشوهات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، مكرسة إستئثار فئات معينة بالسلطة والثروة، ومفارقات تنموية بين المركز والأقاليم المختلفة، ومعاناة الأغلبية الساحقة من شعبنا جراء الضائقة المعيشية حتى أصبح زهاء 95 ٪ من المواطنين يرزحون تحت خط الفقر في بلد غني بثرواته الزراعية والحيوانية والمعدنية، بترولا وذهبا! ومع إشتداد سطوة الاستعلاء وسط النخب الحاكمة في المركز، واستخدامها العنف لترويض الحركات المحتجة في الأطراف، ومع ظهور أجيال جديدة من أبناء هذه المناطق، تتمتع بقدر ملحوظ من العلم والاستنارة، إنفجرت هذه الحركات في ثورات مسلحة معلنة تمردها ضد المركز، ومطالبة بالرجوع إلى منصة التأسيس لإعادة هيكلة الدولة السودانية. وهذا التمرد، لم يكن ضد سلطة المركز وحدها، وإنما تفجّر ضد القوى السياسية التقليدية التي ظلت لفترات طويلة تحتكر التعبير عن هذه المناطق، لكنها فشلت في تلبية مطالبها، بل زادت الطين بلة بممارساتها السياسية الخاطئة والمتراكمة عبر السنين.
قد تخفت حدة هذه الصرعات مؤقتا، وقد ينحسر طابعها العسكري، ولكنها أبدا لن تخمد وتنتهي، وحتما ستتفجر، وفي الغالب بصورة أعنف، ما دام وقودها موجودا. لن تنطفئ نيران هذه الصراعات والتمردات إلا بتجسيد العدالة الاجتماعية، والمدخل الوحيد لذلك هو تحقيق المشاركة العادلة في السلطة والثروة. والمشاركة العادلة في السلطة تعني مشاركة كل القوميات والاثنيات في نظام للحكم جوهره تقنين التعددية وحسن إدارة التنوع وتحقيق الديمقراطية الواسعة والمرتبطة بتوفير لقمة العيش. أما المشاركة العادلة في الثروة فتعني توزيع عائدات الثروة على أساس مبدأ قومية كل الموارد والثروات الطبيعية في السودان، مع التأكيد على إزالة المظالم عبر المعاملة التفضيلية للأطراف وخاصة المناطق المتأثرة بالحرب والمناطق الأقل نموا، وتوظيف ثروات البلاد في إعادة تعمير وتأهيل الانتاج الزراعي والحيواني والبنية التحتية واقتناء التقنية الحديثة لترقية الصناعة وخلق فرص العمل وتوفير الخدمات مثل مياه الشرب النقية والعلاج والتعليم، وفي تصفية آثار الحرب الاهلية وعلاج مأساة النزوح واللجوء، وفي محاربة الأوبئة والزحف الصحراوي وحماية البيئة..الخ.
إن مهمة بحجم إعادة بناء الدولة السودانية لا يمكن أن ينجزها حزب واحد أو مجموعة أحزاب مؤتلفة، فهي مهمة شعب بأسره، وتشترط تغييرا جذريا في الواقع السياسي الراهن لخلق الأجواء الملائمة. والتغيير الجذري يتطلب ويشترط التحالف المتين بين قوى التغيير في المركز والأطراف، وبين المجتمع المدني والأهلي، واستقرار العلاقة التكاملية بين الحركة السياسية والمجتمع المدني.