بقلم : محمد بدوي

إكتست تقاطيع وجهه الستيني بملامح جدية، لتكشف عن أهمية ما يود الإفصاح عنه ” أنا مسافر العيد داير أمش أشوف أمي”  اعقبها بضحكة  ليداري بها الحنين الذي سكن نبرات صوته أضافالأمين الشاذلي حدثني : قال لي لو ما جيت العيد بجيب ليك أمك لحدي كمبالا ،أضاف أنا أصلا داير أمش لكن كان إتاخرت ” الأمين” بعملها ،إستدرك “النعيم” حدثني بمناسبة عرسه في ثالثة العيد ما بقدر افوته هم ما بعيدين مننا ، كنت قد قابلت  النعيم في الإسبوع الأخير من شهر  رمضان المنصرم . فهو شاب  في منتصف الثلاثين من العمر ، جهور الصوت ، ضحكته المترعة بالود تعلن عن حضوره ، ظل يمارس تجارة التباكو بين شرق افريقيا و مدينة جوبا ،أضاف تذكرتي ذاتها حجزتها علي شركة  ” تاركو ”  للطيران ، التي بدأت رحلات منتظمة بين مطاري  الخرطوم وعنتبي مروراً ب  جوبا ، دار ذاك الحديث بيننا في نهار السبت 11 أغسطس من عام 2018 اي قبل ثمان ليالِ من عيد الأضحي، عقبت علي عزمه مشجعاً “طالما داير تشوف أمك تب مافي كلام  ” غرق في التجهيز لشدالرحال فرغم أناقته التي لا تخطئها عين فقد حرص علي  إقتناء ساعة يد و حذاء ، كلف بها من أحضرها له من مدينة دبي ، حركة لا تهدأ  وصايا حملها هاتفه الي أحد اقاربه بالخرطوم  لتجهيز جلاليب العيد، كما حرص علي شراء أجود أنواع الشاي و البن اللتان تشتهران بهما يوغندا .

ضربنا موعدا للقاء في نهار الجمعة 14 أغسطس، تصادف أن السماء قد تزيأت من الصباح الباكر  الغمام الذي أنذر بهطول – قريب و غزير، حين قاربت عقارب الساعه من منتصف النهار كنت لا أزال منهمكاً باداء بعض الأعمال فقررت مهاتفته للإعتذار  و تأخير اللقاء ، جاني الرد متكرراً ” هذا المشترك لا يمكن الوصول إليه حاليا” برجاء المحاولة لاحقاً ” ،بادرت بالإتصال “بمدثر الكعيك “فهو أحد المداومين علي المرور بمحله  ليخبرني بأنه لم يلتقيه منذ يومين لإنشغاله بإنجار بعض الأعمال ،إستجاب  الإرسال ليجيب الطاهر عبدالرازق علي الطرف الاَخر الذي كان في طريقه الي وسط المدينة ” أنا ذاتي حاولت تلفوناته لقيتها مقفله خليني أصل المحل و أشوف الحاصل “، بعد إنهائي الحديث معه  تذكرت بأني أحمل رقم هاتف ” مريم ” التي تعمل مساعدة له في خدمة الزبائن جاء ردها في جملة اختلط فيها لغة عربي جوبا بالإنجليزية بالانجليزية ” يابا Went to the Hospital “  إستفسرتها لتخبرني  بالعنوان ، ليأتيني ردها بأنه تقصد Nasambia General Hospital “” ، كانت تخاطبه توقيراً  بلقب ” يابا” الذي شاع إستخدامه  في كل من لغتي عربي جوبا   و عربي نوبي الذي ينسب الي لغة النوبين المنحدرة أصولهم من إقليم جبال النوبة بالسودان ، فقد حملتهم أحوال المشاركة في الحرب العالمية الأولي للإستقرار في دول يوغندا في أحياء كاويمبي و كيبولي التي شكلت تصريف من كلمة قبولي المشتقة من لفظ القبلة  بالإضافة الي ضاحية بمبو التي تبعد 30 كيلومتراُ في الشمال من كمبالا و حي كابيرا بدولة  كينيا  ، لمريم  تجربة سابقه في العمل مع الراحل علي ميرغني الملقب “بوردي “في ذات النشاط .

بعد نصف ساعه رن هاتفي  كان هو علي الخط الاخر ،

باغته شفقتنا   كم رقم الغرفة عشان أتحرك عليك ؟؟  كنت أعلم بمعاناته من التهاب بالصدر  ظل يشكو منه طوال الإسبوع المنصرم لم يمهلني

فرد قائلاً : أنا طلعت من المستشفي  في الشارع ماشي علي المحل ،

أنا في الشارع ماشي علي المحل،حال هطول المطر بتأخير اللقاء ليجيب علي مكالماتي ليخبراني بأنه غادر الي منزله،كان يقطن بحي مينقو العريق بوسط كمبالا القديمة الذي يضم أجناس  مختلفة من اليوغنديين ، السودانيين  ، اليمانيةو العمانيين الي جانب الصومالين ، طلبت منه أن يخلد للراحة علي وعد أن نتلقي خلال عطلة  نهاية الإسبوع فردد علي مسامعي جملته التي تعتبر بصمة خاصة به تقف مقام الإتفاق :مافي كلام !

داوم في اليوم التالي للحضور من الصباح الباكر فقد أقترب توقيت السفر ، عند الساعه السادسة مساء غادر ليترك مساعدته مريم بالمحل الي جانب أصدقائه الذين همو لمعرفة أحواله ، سليمان الغزالي  عبدالمنعم أحمد الشيخ الذي إشتهر بلقب بهلول ” خالد حبيب الله ، الطاهر عبدالرازق و الأستاذ ادم البدوي ، الذين غادروا في تواقيت مختلفة إمتدت حتي مواعيد إغلاق المحل تمام السابعة مساء .

يوم الأحد يكون فيه حضوراً بمنزل  الأمين الشاذلي الذي يشكل ملتقي  لبعض السودانيين ،لأمين سيرة تحتاج الي حيز منفرد فالرجل في بشاشة إستقباله و كرمه و سعه يده جعلها عونا و سنداً  بعدها ليمضي في إسترخاء بقية اليوم الذي يصدف فيه خروجه الي منزل عماد موسي الذي لا يبعد عن منزله اكثر من مائتي متراً  ليعود ممارساً هوايته المفضلة في مشاهدة التلفاز فهو علي عشق مع القنوات السودانية التي تشكل عمق الحنين لديه فهاهي سنين استقراره بشرق افريقيا ، ترحابه بالسودانيين يبلغ حد الاحتفاء في شهر رمضان المنصرم صدف أن زارت محله إحدي السودانيات  بغرض الحصول علي بعض المسلتزمات السودانية ، فقد كانت زياراتها الأولي لكمبالا بمعاودة بعض أقربائها حرص علي اكرامها لكنها تعللت بضيق الوقت ، ليمتد الحديث و تساله عن سنين تواجده بوغندا ،

 ضحك ثم اردف ما كثير ذي ال43 عاماً بس ! ،  ليتركها للاندهاش و بس!

ما عندك نيه ترجع ، قالتها :

يا بتي خلاص أتعودنا علي البلد دي مضيفاً قبل سنتين مشيت عزاء والدي “عليه الرحمة ” ، بعد كل فترة و التانية يقولوا لي في نساء عايزات يعزنك ، أمش عليهن بعد الفاتحة الواحدة تسالني عرفتني ؟ ثم أطلق ضحكة طويلة مضيفاً والله ما عرفت أقول شنو!