خالد التجاني: تحرير سعر الصرف بالكامل مسألة صعبة والحكومة تطارد خيط دخان

حمدي : التضخم موجود والغلاء واقع لا تخافوا من أوهام..أنا مع التحرير

ميرغني ابن عوف: لا أحد يذكر الأجور والمرتبات..الحكومة لا تهتم بالناس

الخرطوم – التغيير

أكدت مصادر صحفية، اتجاه الحكومة رسمياً، لتحرير سعر الصرف، وجاء في صحيفة السوداني الصادرة يوم الأربعاء، أن البنك المركزي لن يتدخل مجدداً في تحديد أسعار العملات الأجنبية، وتضمن القرار الذي سيعلن وشيكاً، تكوين لجنة  محايدة من تسعة أشخاص يمثلون البنوك التجارية والصرافات، لمراقبة سعر الصرف اليومي والاتفاق عليه، وستحصل الحكومة  على النقد الأجنبي للحكومة عبر الشراء المباشر عن طريق بنك السودان، بالأسعار الجارية، و بخصوص شراء الذهب أوردت الصحيفة أنه سيتم عبر وكلاء، ملزمين بتوفير تأمين (100) كيلو ذهب، ويتم الشراء بالسعر الجاري، وباتفاق الاقتصاديين، سيترتب على  القرار الذي وصف بالكبير آثار مباشرة على الإقتصاد، والمشهد السياسي وحياة المواطنين.

 

بلغنا الصدمة

أجمع عدد من الاقتصاديين، على أن خطوة تحرير سعر الصرف تمثل بقدر كبير الصدمة التي بشر بها رئيس الوزراء ووزير المالية معتز موسى، لجهة أن آثارها ستنعكس وبشكل عاجل على السوق، وتوقعوا أن يتحمل المستهلك، آثارها، التي تتمثل في ارتفاع كبير في أسعار السلع وقال الخبير الاقتصادي ميرغني ابن عوف للتغيير ” تحرير سعر الصرف، يعني ارتفاع أسعار السلع، والدولة حال لم تحسن الأجور، وتتخذ إجراءات حقيقة تتعلق بمعاش الناس، سنبلغ مرحلة لا تطاق” وتابع ابن عوف قائلا ” ما جرى صدمة، وربما أكثر من ذلك، ولكن المتأثر بها المواطن”

منذ 2013، لم تطرأ أي زيادة، في أجور العاملين في القطاعين العام والخاص، وكان من المتوقع، أن يكون هناك تحسين للرواتب عقب إعلان ميزانية 2018، التي وصفت بالقاسية، وتشكلت لجنة لدراسة تحسين الأجور برئاسة اتحاد عمال السودان ولكن لم تفعل شيء خلال الأشهر العشر الماضية

تحرير ؟ مطاردة خيط الدخان

الخبير الاقتصادي خالد التجاني، تشكك في مقدرة الدولة في تحرير سعر الصرف بشكل كامل، وقال ” ربما ما رشح لم يفهم بشكل سليم، وسيتم تشكيل لجنة من تسعة أشخاص،  خمسة من البنوك التجارية زائدا اثنين من الصرافات، واحدة داخلية وأخرى خارجية واثنين من الخبراء، هذه اللجنة مهمتها تحديد سعر الصرف اليومي و أعتقد أن تحرير سعر الصرف بالكامل مسألة صعبة”، وكان السؤال وعلى أي شيء تستند هذه اللجنة في تحديد السعر وأجاب التجاني ” هذه واحدة من الإشكالات، والطبيعي أن تستند على العرض والطلب” وهل ستجاري اللجنة سعر السوق الأسود؟ أجاب خالد” من المستحيل ستكون في هذه الحالة تطارد في خيط دخان، وسيذهب الدولار إلى (70) و(80) جنيها” ومخاوف أخرى تحدث عنها وهي ما يمكن أن يحدث من تدخلات وتأثيرات في قرار اللجنة المناط بها تحديد سعر الصرف، من جهات خارجية وعليا على حد تعبيره، خالد تطرق إلى نقطة أخرى مهمة وهي الدولار الجمركي وقال” عندما نتحدث عن تحرير يجب أن نتذكر الدولار الجمركي والذي لا يمكن تعويمه ويجب ضبطه وفي تقديري سيتم تخفيضه إلى 16 أو 14 جنيه” أما ميرغني بن عوف فقال باقتضاب ” تحديد السعر عبر لجنة فاشل”

حمدي : أنا مع القرار

الاقتصادي عبد الرحيم حمدي، في بداية حديثه إلى التغيير قال ” أنا مع القرار، ولا حل خلافه، وظللنا أدى به لفترة طويلة”، مبررا تأييده  بأن الخطوة التي اتخذت هي الوحيدة التي يمكن أن تشجع الإنتاج ، وتفك ضائقة الاقتصاد، ومضى في تفسير ذلك قائلا ” لا يمكن أن يتحقق إنتاج ويتحرك السوق، والدولة تتحكم في الدولار بأسعار غير حقيقة، مما تسبب في اختناق الحركة التجارية، ومضى حمدي قائلا” الدولار موجود عند التجار وفي جيوب الناس، وفي حسابات المغتربين في الخارج، وعندما تتوفر الموارد كل هذه العملات ستتدفق عبر القنوات الرسمية”، واختصر حمدي حديثه قائلا “وفر الموارد سيستقر السوق” وتابع ” المغتربين لا يحولون دولار واحد للبلد، قلنا له ولكن الموارد الآن شحيحة ؟ أجاب “لذلك عليك تحرير سعر الصرف، حتى تأتيك الموارد، وإن لم تفعل ستظل شحيحة” واستشهد حمدي بتجربته عندما كان وزيرا وقال ” في فبراير 1992 قمت بتحرير واستمرت حتى اكتوبر وكانت تجربة ممتازة وحصلنا على موارد ضخمة، لكن بعد ثمانية أشهر في أكتوبر تم ايقاف تحرير الصرف ولم يتعافى الجنيه بعدها”، غير أن مصرفيين عاصروا تلك الفترة كان لهم رأي مخالف، مؤكدين أن تجربة التحرير في 1992 ، كانت لها نتائج وخيمة على سعر الصرف والتضخم على حد سواء.

ليس الدولار وحده

هنالك إجماع آخر بين الاقتصاديين، ينحصر في أن تحرير الصرف وحده لا يكفي، ويجب أن يدعم بعدد من الإجراءات، أو بلغة الاقتصاديين توفر اشتراطات لنجاح للخطوة، من بينها زيادة الإنتاج بتسهيل كل معوقاته من ضرائب وجبايات، وتشجيع مدخلات الانتاج، ولكن الأهم من كل ذلك توفر احتياطي من النقد الأجنبي يكفي حتى تنقشع العاصفة ويمتص الاقتصاد الصدمة، وهذا الشرط رغم صعوبته يبدو حتميا، خالد التجاني قال ” التحرير أو التعويم يجب أن يستند على احتياطي مناسب” وتابع قائلا ” كيف ستعوم وحوض السباحة خالي من الماء” واستشهد التجاني بالتجربة المصرية وقال ” مصر نجح عندها التعويم لأن تطبيقه تم بعد أن حصلت على قروض من البنك الدولي ومن أصدقائها”، وأشار إلى أن القرار بشكله الحالي قد لا يحقق نتائج التحرير المرجوة لجهة أن الحكومة احتفظت لنفسها بمواقع مهمة في السوق من بينها تحديد سعر الصرف نفسه عبر اللجنة التي ستشرف عليها، بجانب ذلك احتكار بنك السودان لتصدير الذهب، والذي اقتصر تحريره على شراءه عبر وكلاء وباسعار البورصة

آثاره ..طغيان الجشع

السؤال الذي يهمنا جميعا، وبشكل شخصي،  ما هي مترتبات القرار، وكيف ستكون آثاره المباشرة على المعاش؟ على المدى القريب والمتوسط والبعيد، طرحنا هذا الهم على من تحدثوا إلينا في هذا التقرير، د.ميرغني بن عوف كان الأكثر تشائما، وبالذات في ما يتعلق بالمستهلك صاحب الدخل المحدود وقال ” المواطن سيدفع ثمن باهظ لهذه الخطوة، وكثير من الشرائح، من بينها الموظفين، سيصبحون تحت خط الفقر” واشار ابن عوف إلى أن الدولة لا تضع تحسين الأجور ضمن أولوياتها وقال ” الحكومة تعلم أن هنالك تضخم، وانفلات في الأسعار مسبقا، وتعلم تأزم الوضع بعد ميزانية 2018، ولكن في اتجاه نجدها شديدة البطء ولجنة الأجور لم تفلح في تقديم رؤية، طوال هذا العام” وختم حديثه قائلا ” الحكومة لا تهتم بالناس”، د. خالد التجاني اتفق إلى حد بعيد مع طرح ابن عوف، وقال ” سلبيات القرار وخاصة في الوقت الحاضر مؤكده” و أشار التجاني إلى أن المؤشرات المتعلقة بالسوق سيتضح سريعا، ومن المخاوف التي طرحها أن تستمر هذه ارتدادات القرار السلبية لوقت طويل، تتجاوز قدرة الناس على الصبر، مما يفضي إلى تشوهات اجتماعية سيئة، عبد الرحيم حمدي، اتفق مع زملائه، إلا أنه تمسك بدفاعه عن سياسة التحرير وقال ” مؤكد كل شيء سيرتفع” ومضى قائلا ”  الآن التضخم مرتفع والدولار مرتفع، لذا هذه المخاوف أوهام، لن تقدم أو تأخر” وعند حمدي التحرير هو الخيار الوحيد، ومضى قائلا ” الحلول الجزرية تحتاج لوقت، مهما كانت الآثار” و لكن كم ستستمر الضائقة الناجمة عن القرار، خالد التجاني رأيه أن الاقتصاد لن يبدأ في التعافي قبل  عام ونصف، على أفضل تقدير، ورهن ذلك بتطبيق حزمة الإجراءات المصاحبة للقرار بطريقة صحيحة، حمدي ترك تحديد الوقت للسوق نفسه وقال ” لا أحد يستطيع التنبؤ بزمن، السوق سيحدد ذلك، فقط على الحكومة ألا تتراجع و أضاف ” الأمر يتعلق بثقة الناس في الحكومة والإجراءات التي تتخذها” بينما رسم ابن عوف صورة قاتمة وقال ” أخشى أن لا نرى نتائج جيدة أبدا، والتجارب السابقة تعزز ذلك”

الكلفة السياسية..انهيار النظام

من ما سبق، اتضح أن أوضاع اقتصادية صعبة، في انتظار الناس، وبطبيعة الحال ستتبعها هزات اجتماعية واضحة، كمظهر للحاجة ومشقة العيش، ولكن هل من الممكن أن يتأثر النظام السياسي القائم الذي يبدو محصنا،في ظاهره، بصعوبات خطوة التحريرأو فشلها جملة ؟ في الحقيقة هذا هو المؤكد عند ميرغني بن عوف، والذي أشار إلى أن الخطوة، ستتمخض عنها خمس سيناريوهات، لم يفصلها ولكنه قال ، كلها ستجعل استمرار البشير في الحكم حتى 2020 أمر بالغ الصعوبة، بينما لا يستبعد خالد التجاني أن نرى في القريب آثار سياسية للقرار وقال ” في الواقع الانظمة السياسية دائما ما تخشى المعالجات الاقتصادية الحقيقة حفاظا على مصالحها في السلطة”

طريق 2020: شراء الوقت والثقة

الكشاف الذي يمكن نضيء به المشهد، هو انتخابات 2020، و الحاجة للاصلاحات الاقتصادية الجارية هذه الأيام لا تخرج من هذه المعادلة، والمعضلة الماثلة أن السياسيين وعلى رأسهم الرئيس البشير في حاجة إلى معالجات سريعة النتائج على طريقة) (Take away ، تمنحهم خطاب مريح و أسباب معقولة للاستمرار في الحكم، في 2020، لأن الأزمة الاقتصادية أصبحت أكبر من انكارها بكثير، ولا يمكن علاجها بالوصفة السائدة (كما تجاوزنا الأزمات السابقة سنتجاوز هذه الأزمة، فالمسألة مسألة استعادة ثقة أولاً، ومسألة وقت  ثانياً)، كما لو أن شراء الاثنين – الثقة والوقت- لا يترتب عليه أي تكاليف أو خسائر أو نتائج على الاقتصاد والمجتمع والسياسة.