بابكر فيصل

بثت قناة “الحدث” فيديو لإمام مسجد ألماني الجنسية من أصل مغربي يدعى “عبد العظيم قاموس” وهو يؤم المسلمين في صلاة الجمعة من داخل مبنى كنيسة في مدينة فيدينغ, وهى خطوة أثارت الإستغراب لأن قاموس كان متهما بالتشدد فى السابق وبأنه ساعد على إنضمام العديد من شباب ألمانيا إلى صفوف تنظيم الدولة “داعش”.

قصة هذا الإمام تصلح أن تكون نموذجا مثاليا  للدور الذي يلعبه الفكر السلفي في تهيئة عقول الشباب وتوجيههم نحو التطرف حتى وإن إدعى أصحاب هذا الفكر أن منهجهم سلمي ولا يحض على إستخدام العنف.

جاء قاموس إلى ألمانيا من أجل الدراسة وعمره تسعة عشر عاما، ثم انخرط في العمل الدعوي ومارس الخطابة وإمامة المصلين الناطقين باللغة الألمانية لمدة خمس عشرة سنة , وكان قبل مجيئه لألمانيا قد إنضم للمدرسة السلفية التي انبهر بها, حيث يقول عنها : “أعجبتني كثيرا وكنت أشرب العلم كالماء فهى أعطتني العلم الشرعي، ومنذ 1996 إلى 2003 ما كنت آخذ إلا من المنهج السلفي”.

بدأ كثير من الشباب الذي يستمعون لخطب ودروس الداعية السلفي في التسلل للجماعات الجهادية المتطرفة, مما دفع الأجهزة الأمنية الألمانية إلى مراقبته وواجهته بالحقائق المرتبطة بنشاطه الدعوي وما يجره من تهديد أمني كبير. وقد كان هو يرد بالقول :  “خطابي ليس متطرفا وخالٍ من الحقد والكراهية”.

ولكنه بعد فترة آثر أن يواجه الحقيقة الماثلة بخصوص إنضمام الشباب الذي كان يقدم لهم الدروس في المسجد للحركات المتطرفة, وبدأ في طرح التساؤلات : ( لماذا الكثير من الشباب الذين يسمعوني يخرجون من عندي ليقعوا في فخاخ المتشددين؟ ألم أكن أعطيهم المناعة ضد ذلك؟ لماذا بعد سنوات من تركهم لجلساتي يتنطعون ويذهبون للجهاد في سوريا وغيرها؟ لماذا مجموعتي أنا بالتحديد؟).

وقد جاءت إجاباته على تلك الأسئلة كالتالي : ( وجدت أن خطابي كان منغلقاً ليس به سوى الأبيض أو الأسود، خطاب كلاسيكي قائم على الوعظ والإرشاد وتحريك عواطف الناس وصناعة التدين والحديث عن الجنة والنار وأصول الفقه والتفسير وربط الناس بالآخرة فقط، كما يفعل معظم الخطباء، فلم أكن أهتم بمشكلات الناس اليومية ولا قضايا الآخر والعيش معه، ولا التأصيل لرؤية إنسانية للعالم نعامل فيها الناس بمختلف أشكالهم وأنواعهم بالعدل والمساواة ).

إن المشكلات التي تطرق إليها قاموس في حديثه أعلاه هى مشكلات مرتبطة إرتباطا وثيقا بالخطاب السلفي الذي يدعي أصحابه أنه يمثل التأويل الأوحد للنص المقدس (القرآن), وبالتالي فهو لا يعترف بنسبية الحقيقة, بل يحصر تفسيرها في ثنائيات الصواب والخطأ (الأسود والأبيض بحسب قول قاموس), و الكفر والإيمان.

أصحاب هذا الخطاب يعتقدون أن السلفية هي الترجمة الحرفية للقرآن على أرض الواقع وأن ما عندهم هي العلوم الشرعية الحقيقية. هم يرفضون أي تأويل آخر يحتمله النص، ويرون أنفسهم وحدهم جديرون بتقديم الفهم الصحيح للدين, وفي المقابل لا يرون في الخطابات الأخرى سوى أنها مجرد تجديف وزندقة وهرطقة.

كذلك فإن الخطاب السلفي لا يأبه بالآخر غير المسلم, فهو يقسم العالم إلى فسطاطين : المؤمنين والكفار, وفي هذا الخصوص فإنه يضيف مفاهيم فرعية وثانوية إلى العقائد المركزية, ويجعلها من اليقينيات التي لا بد من الأخذ بها, ومن خلالها يستمد الكيفية التي يتعامل بها مع غير المسلمين,  يوالى و يعادى عليها, ويقف في مقدمتها مفهوم “الولاء و البراء”, ولذلك فإن الخطاب السلفي يعجز بالضرورة عن “التأصيل لرؤية إنسانية للعالم” كما يقول قاموس.

البراء – عند هؤلاء – يعني بغض من خالف الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين, من الكافرين والمشركين والمنافقين والمبتدعين والفساق, وأصحاب المذاهب الهدامة, ومن مظاهره عدم الإقامة في بلاد غير المسلمين, وعدم السفر إليها  لغرض النزهة ومتعة النفس, وعدم إتخاذ الكفار والمشركين  بطانة ومستشارين,وعدم التأريخ بتاريخهم خصوصاً التاريخ الذي يعبر عن طقوسهم وأعيادهم كالتاريخ الميلادي.

ومن الأشياء الخطيرة التي تترتب على هذه العقيدة هي ضرورة كراهية غير المسلمين حتى لو سافرنا وأقمنا ببلادهم, فأنواع السفر لبلاد الكفر –بحسب رؤية تلك الجماعات – هى السفر للدارسة أو التجارة أو العلاج أو الدعوة وهم يضعون شرطان للإقامة ببلاد الكفر أحدهما أن يكون المقيم “مُضمراً لعداوة الكافرين وبغضهم”.

أما صناعة التدين فإنها تمثل خصيصة مركزية في الخطاب السلفي الذي يهتم بتكوين وتنشئة المسلم المتدين شكليا, أي أنه يحصر الدين في الشعائر والمظاهر, بدلا عن المسلم الذي يهتم بتجسيد جوهر الدين, أي روحه وقيمه ومقاصده الكبرى, فنجد السلفيين يشدّدون على أمور هامشية مثل إطلاق اللحية, ولبس الحجاب, والنقاب, وعدم المصافحة, عوضا عن السعي لتحقيق العدل وبسط الحرية والمناداة بالتسامح مع الآخر.

المتدين المصنوع يهتم بالرسوم والأشكال, وليس الغايات والمقاصد, والنزعة الإنسانية لديه ضعيفة أو تكاد تكون منعدمة, فهو قد يُستفز و يُجن جنونه إذا رأى إمرأة كاشفة رأسها ,وقد يذرف الدمع وهو يستمع لخطبة يلقيها أحد شيوخ الفضائيات عن عذاب القبر, وقد يهتف حتى يبح صوته في مسيرة لتأييد الحاكم المؤمن, ولكنه لا يُحرِّك ساكنا وهو يرى طفلا مشردا يبحث عن لقمة داخل صندوق القمامة.

إن الشرائع السماوية نزلت في الأصل لرعاية مصالح الانسان و لهدايته و تحقيق وحفظ مصالحه المعتبرة على هذه الأرض، ولم يُخلق الإنسان من أجل خدمة تلك الشرائع، فالانسان خلق أولا، ثم جاء الدين ليرشده ويهديه إن أراد وإلا فعليه أن يتقبل مصيره يوم القيامة.

ولذلك فقد حرص الخطاب القرآني على تكريم الإنسان من حيث هو إنسان وبغض النظر عن دينه : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

وإذا كان الإنسان هو محور الأديان والرسالات و الخطاب الإلهي, فإن غياب البعد الإنساني في الخطاب السلفي والتركيز على صناعة الشخص المتدين المالك للحقيقة المطلقة هو الذي يؤسس لتكوين نفسية المؤمن المحارب الذي لا يتورع عن إستخدام العنف والقتل والتفجير من أجل الحفاظ على دينه.

لم يقف قاموس عند محطة الإجابة على التساؤلات التي طرحها حول خطابه المنبري, بل شرع في رحلة مراجعة شاملة لأفكاره ومصادره دفعته لولوج دروب الصوفية والتعرف عليها، حيث قرر تغيير قراءاته والأدب الذي يستقي منه معارفه : “فمن الكتب الشرعية للقدامى وأصول الفقه، إلى الإمام زروق والشعراني والجنيد وغيرهم من أئمة التصوف، إلى قراءات عن أسرار النفس البشرية وكيفية تطهيرها من الأدران وتعزيز الحب والخير والرحمة”.

دفعت هذه المراجعات قاموس لتغيير خطبه والتركيز على قضايا حرية الإيمان وتزكية النفس, وضرورة نبذ التشاحن السني الشيعي وتعزيز التسامح بين الأديان, مما دفع ببعض أتباعه لإتهامه بأنه يروج “للإسلام الأوروبي”, كما قامت الجماعات المسيطرة على المساجد في مدينته بمنعه من إلقاء خطبه, فاضطر إلى تأجير جزء من مبنى تابع للكنيسة المعمدانية ليستخدمه كمسجد مؤقت, ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد حيث بدأت تصله تهديدات بالقتل مما حدا بالشرطة الألمانية أن تقوم بحراسة مسجده.

يمثل التشدد السلفي واحدة من أكبر العقبات التي تقف في وجه إنفتاح العقل المسلم تجاه الآخر المختلف, وفوق أنه يشكل الأرضية التي تنطلق منها الجماعات العنيفة والمتطرفة, فهو كذلك يحول دون إنفتاح المسلمين على العالم بمختلف أديانه ومعتقداته وثقافاته, كما أنه ينزع الصفة الإنسانية عن الإسلام ويبرزه كديانة منغلقة لا تراعي حقوق الآخرين في الحرية والكرامة والمساواة, وهى قيم إنسانية لها أساس في الإسلام إن تمت قراءته و تفسيره وفقا لمقتضيات العصر.