خالد فضل

  أحيانا استمع إلى نشرات الأخبار في أجهزة الإعلام الحكومية لزوم تأكيد المؤكد بالنسبة لي , وهو أنّ الأنظمة الشمولية تبرع في شيئين اثنين , الحشد , والتضليل الإعلامي .أحد الأصدقاء ممن ظلّوا يعملون بالخارج منذ العام 1998م وما يزال , قال لي ذات مرّة, إنّ من يسمع برنامج الصباح في إذاعة أم درمان أو يشاهد التلفاز وهو ينقل مشاهد الخضرة والمياه , يكاد يحزم أمتعته ليعود إلى السودان من فوره . مع ذلك ظلّ صديقنا ذاك شأنه شأن الملايين من السودانيين يمضون عقودا وراءها عقود من السنوات في ديار الغربة , بل من تمّ الإستغناء عن خدماته بفضل السعودة والأمرتة والكوتتة والقطررة والبحررة والعمعنة وحتى اليمننة للوظائف في تلك البلدان تراه يلهث للحاق بوظيفة أخرى بمرتب أقل ومخصصات أدنى , هذه وقائع حياة وظروف معيشة لا تخضع لمعيار التضليل الإعلامي , وبحساب بسيط يفهمه حتى الأطفال في رياض الأطفال , نجد إختلال المعادلة بصورة لا تحتمل التأويل , فمعظم العاملين بمرتبات يتقاضونها آخر الشهر في السودان اليوم , انخفضت قيمة ما يتقاضون بمعدل75%على الأقل عمّا كانوا يتقاضونه في نفس وظائفهم وفي درجات أدنى قبل 10سنوات مثلا , ففي العام 2008م كان المرتب 2500ج يساوي بالضبط 1000دولار , من يتقاضى اليوم 10000ج تساوي 250دولار على أحسن الفروض , دلوني على عامل في الخدمة العامة أو القطاع الخاص كان يتقاضى 2500ج وقتذاك وصل راتبه الآن ل10ألاف جنيه بالتدرج الطبيعي للرواتب؟ لعل هذه واحدة من الفرضيات الأساسية التي تجعل من برنامج الصباح الإذاعي وصباحات التلفاز الملونة تهيّج الذكرى فقط للحظات لكنها لا تجعل ماجدا واحدا من السودانيين بالخارج يشد حزامه ويتأبط عياله وينتحر بالعودة لأرض الأجداد , ليقابله الجنجويد في شوارع الديوم يحلقون شعر أطفاله على مقياس نشوتهم !

  نعود إلى أخبار الإذاعة , فقد سمعت نهاية الإسبوع خبرا عن رئيس الوزراء معتز موسى , يتحدث عن توزيعه للجازولين والنقود لزوم الحصاد , أي والله وبصوته ضمن التقرير الإخباري يقول , يوم الأحد حنشيل نص مليار أو ترليون سمها ما شئت بالقديم أو الجديد ونمشي القضارف نوزعها في الصرافات والبنوك , فرغنا باخرة جازولين كاملة للحصاد في الأبيض والقضارف للسمسم , و و و ويوم الثلاثاء نمشي الدمازين شايلين النقود ويوم الخميس وين كدة … إلخ . نعم السيد رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية شايل قفتو وحايم بيها شي جازولين في الطلمبات وشي نقود في الصرافات , هل هذه وضعية كان من المحتمل أن يأتي فيها السيد حمدوك لشغل المنصب ؟ يعني أ كان مأمولا من السيد حمدوك أن يدع خلفه كل خبراته وعلمه في التخطيط والإدارة والإقتصاد على المستوى الدولي والإقليمي , ويتأبط (قفّته) يحوم بها بين المدن عشان يحصد السمسم ؟ يا ربي نحن في حلم أم واقع هو حلم حلم !

   إنّ الثمار المرّة التي نتجرعها الآن هي نتاج غرس قبل 30سنة , يوم هجم تتار الإسلاميين بجحافلهم على السلطة الديمقراطية المنتخبة , كانت ملامح الدولة لم تزل موجودة يومذاك , الخدمة المدنية تعجّ بالخبرات والكفاءات التي تلجم التجاوزات وتفضح الألاعيب , وزارة المالية والتخطيط الإقتصادي بها ما بها من كوادر بحيث لم يك وزير المالية بحاجة لحمل النقود بنفسه ليوزعها مثل كيمان المرارة على البنوك , الجهاز المصرفي على محدودية فروعه كان كفؤا بما فيه الكفاية لمد أصحاب النقود والعملاء بالتمويل المطلوب لعملياتهم الإقتصادية ولم يرد مطلقا حجب أموال المودعين وصرفها لهم بالقطارة , لم يك هناك قطط سمان وجوكية وهبارين مال عام باسم التنظيم والتمكين , شهدنا رئيس الوزراء الصادق المهدي يلغي قرار وزير ماليته بصرف تعويضات آل المهدي , ويأمر ذويه بالإتجاه للقضاء إن كانت لديهم مظالم ! ولم تك هناك مفوضية لمحاربة الفساد إذ لم يستشر الفساد في جسد الدولة مثلما نما وترعرع وأثمر في 30سنة من حكم (الأقوياء الأمناء ) من آل كوز , حتى لم يعد في جسد الدولة صامولة واحدة لم (تحلج) بسبب الكنكشة والفساد . ولأنّ جهاز الدولة كان خليطا ومزيجا بين المواطنين السودانيين الأكفاء لم يك خالصا لحزب الجبهة يفعل به ما يشاء , ويوم أمسك المرحوم مجذوب الخليفة ونافع علي نافع بفوائل الخدمة العامة وكشطوا منها بوسيلة الكشة كل الكفاءات والخبرات , أصبح الصبح فإذا الوطن خلو من معظم العارفين الأمناء الأقوياء حقا وليس بشعار التنظيم اللئيم , ليجئ زمان تحمل نشرة الأخبار خبر رئيس الوزراء ووزير المالية وبصوته كمان وهو يبشر ويهلل ويكبّر بأنّ في حقيبته السامسونايت كذا ترليون لزوم الحصاد وعلى ظهره شايل باخرة جازولين يصبا في تناكي الحاصدات , وإذا استمرّ السيد كبير الوزراء بهذه الحالة فعليه أن يحمل غدا قفته بالدواء لأهل كسلا المنكوبين , فقد كانت الأخبار الرسمية تكذّب الكنكشة حتى زارها فتبعته القوافل بعدها , فهل حمل السيد معتز مجهرا اكتشف به  فيروس الكنكشة ؟ أم هو اهتراء عظم الدولة على عهد تنظيم الإسلاميين ! على الوزير الكبير أن يسوق الكراكات بنفسه ليطهّر ترع مشروع الجزيرة وليرى ما فعل صاحبه إيلا بترعة (ودنعمان) وإذا كان معتز يكذّبني فيما فعل إيلاه فليسأل زميله الحالي في مجلس الوزراء  ووكيل الري السابق الباشمهندس حسب النبي موسى فعند حسبو خبر تلك الترعة اليقين .على السيد معتز أن يعبئ جوالات سكر رمضان في قفته من هسّ وخرفان الضحية , والناموسيات ضد الباعوض الآن في كل أنحاء السودان , فهل يحتمل ظهر موسى وعصاه حمل تركة فشل 30سنة من الفساد والانهيار ؟ الله أعلم .