التغيير: الخرطوم

تاجر عملة: الدولار بالشيك تجاوز (50) جنيهاً وبالكاش (48) جنيهاً وفي زيادة مطردة

مدير بنك: القرار ضربة جديدة للبنوك ولم نتسلّم نقداً من المركزي منذ قرابة الشهر

رجل أعمال: نعيش في ربكة كبيرة وتوقفنا عن العمل

مواطن: حصلت على (500) جنيه بعد ثلاث ساعات

ما حدث في الخرطوم صباح اليوم الأحد، لم يكن متوقعاً ولا مرجواً، إذ اختبرت البنوك والأسواق، أوضاعاً صعبة، بسبب تدشين تحديد سعر الصرف من قبل لجنة متفق عليها، أطلق عليها (آلية صُنّاع السوق)، والتي أعلنت سعر الدولار (47,5) مقابل الجنيه في التعاملات الرسمية والبنوك التجارية، غير أن البنوك اعتذرت لعملائها عن شراء الدولار بسبب ندرة الكاش عندها، ليتوجه الناس مرة أخرى إلى السوق السوداء، وبذلك، وحسب تعبير أحد الصيرفيين فإن “المغامرة بقيمة الجنيه السوداني قد بلغت مداها”.

الكاش يهزم الآلية

طوابير من المنتظرين، بعضهم وقوف، وآخرون على المقاعد في صالة أحد فروع بنك فيصل الإسلامي بالخرطوم، وهؤلاء معظمهم من الموظفين الذين أودعت المؤسسات رواتبهم في البنوك، توجهنا إلى شباك الصراف المتوقف عن العمل، وسألنا إن كان بالإمكان صرف مبلغ (100) دولار، ليجيب دون اكتراث” “ليس لدينا قروش لنصرف لهؤلاء، وهم على هذا الحال من الصباح، من أين لنا شراء الدولار”، ووجّهنا بأن نذهب إلى مدير الصالة، الذي كرر ما قاله الصراف، وأكد أنهم في انتظار إيداع عميل مبلغ نقدي، ليتم توزيعه على العملاء المنتظرين، أما مدير الفرع، وبعد أن طلبنا منه التوجيه بصرف مبلغ المائة دولار، تبسم بتهكم، وقال: “نحن نريد دولار، ولكن لا نملك كاش” وانتقد مدير فرع البنك القرار، خاصة توقيت صدوره وقال: “كان يمكن تأجيله إلى حين توفير الكاش، وهذه الطريقة ستدفع الناس للسوق الأسود”، ومضى قائلاً: “فكرة آلية لتحديد سعر الصرف بغض النظر عن أنها صحيحة أم لا، الكاش هزمها” وقال مستغرباً: “لا أدري من وراء هذه السياسات وتنفيذها”.

عاصفة الحزم فقط

منذ مارس الماضي يعاني عملاء البنوك للحصول على أموالهم، وتشهد البنوك تكدساً كبيراً للمواطنين، كما باتت صفوف ماكينات الصراف الآلي أمراً معتاداً في العاصمة الخرطوم، كل ذلك بسبب شح النقد الذي لم يكن بأيِّ سبب غير قرار لجنة سابقة ترأسها الرئيس البشير عرفت بلجنة ضبط سعر الصرف، كان من ضمن قراراتها تحجيم السيولة، وقال مدير البنك: “بنك السودان لم يصرف لبنك فيصل أي مبلغ من أمواله لما يقارب الشهر، ونعتمد على مواردنا الذاتية”، واستدرك قائلاً “يحرص بنك السودان فقط على توفير أموال الجنود المشاركين في عاصفة الحزم، وتوريدها في فرع المنشية، وفي مرات هي نفسها تتعثر”، أحد المواطنين وبعد أن غادر شباك الصراف وعلامات الاستياء على وجهه، سألناه إن كان حصل على ما يريد فأجاب: “بعد ثلاث ساعات من الانتظار حصلت على خمسمائة جنيه، ولما قلت له من كانوا قبلي حصلوا على ألف جنيه، رد بأن أحمد الله لأن الآخرين ربما لا يحصلون على الخمسمائة جنيه ذاتها”.

السوق الأسود باقٍ

كان من الطبيعي بعد أن فشلت محاولة صرف مائة دولار، أن نسأل عن إمكانية شراء أي مبلغ من الدولار، قل أم كثر، إلا أن مدير فرع البنك أكد أن المنشور الذي صدر من بنك السودان أهمل عمداً الحديث عن بيع البنوك للدولار حال طلب العميل ذلك، وقال إن السياسة الجديدة “one way“، اتجاه واحد أي شراء فقط، وعزا ذلك لحاجة الحكومة للعملات الصعبة، وعدم توفر دولار تبيعه للجمهور وقال: “الحكومة تعلم أن هنالك تجاراً، يمكنهم شراء كل الدولار الذي ستضخه في البنوك، ويتحكمون في بيعه”، ومضى قائلاً: “الحكومة لم توفر الكاش لشراء الدولار، ولا تملك دولاراً لتبيعه للجمهور وهذا يؤكد أن السوق الموازي باقٍ”.

البنوك: بالضربة القاضية

لم تنته مشكلة البنوك مع لجنة إعلان سعر الصرف، بصد العملاء الذين جاءوا لبيع الدولار، وإنما تواجه فصلاً جديداً من تضعضع ثقة عملائها فيها، إن لم يكن انهيارها بالكامل، واحتج مصرفيون بأن يضع متخذو القرار البنوك في هذا الوضع الحرج، وقال أحد المصرفيين طلب حجب اسمه: “وزير المالية ومحافظ بنك السودان، قالا إن هذه السياسة ستعيد ثقة الناس في البنوك، ولكنها اليوم قضت عليها بالضربة القاضية”، وتخوف أحد زملائه من استمرار فشل السياسة الجديدة في ظل أزمة السيولة، مشيراً إلى أنها ستضع كل الأطراف في وضع صعب، وقال: “هذه هي الجولة الحاسمة، وفشلها يعني أن الإصلاح مستحيل” وأضاف:  بهذه الخطوة يمكن النقول إن المغامرة بقيمة الجنيه السوداني قد بلغت مداها”.

أسود يكسب

الصورة عند المضاربين بالدولار أو تجار السوق الأسود، كانت مغايرة بالكامل عن ما هي عليه في البنوك، وهي أقرب للفرح إن لم تكن الشماتة، وفعلياً وبعد عجز البنوك عن شراء الدولار ارتفعت الأسعار، بعد أن عاش السوق لحظات من الحذر والترقب، وفي وقت متأخر من النهار، بلغ سعر الدولار (48) جنيهاً سعر الكاش، بينما بلغ (50) جنيهاً بالأجل– شيك- وقال أحد التجار، إن القرار ساهم في أن يتحكموا في الزبائن، فبعد أن فشل البنك في الشراء يجد المواطن نفسه مضطراً للبيع بالسعر الذي يحدده التجار، وأشار إلى أن معظم التجار توقفوا عن بيع الدولار في حين نشطوا في شراء المعروض من الزبائن، في محاولة لتخزينه، لبيعه للشركات والمستوردين بعد فتح الصادر حتى للسلع الكمالية، وبيعه للحكومة نفسها حال لم تجد عملات صعبة لاستيراد الضروريات.

مركزي بلا صلاحيات

عدد من الأسئلة ظلت تتردد منذ صدور قرار آلية إعلان سعر الدولار، أهمها ما هي معايير اختيار أعضاء اللجنة، بجانب البنوك التجارية الخمسة هنالك أصحاب صرافات وخبراء، والسؤال بطريقة أخرى، كيف تم اختيار البنوك والصرافات ومن هم الخبراء؟ وألمح اقتصادي – طلب حجب اسمه – أن اللجنة تضم أحد تجار العملة، وتسترشد بالفادنية وهي أشهر مجموعة تتاجر في العملات.. والسؤال الأهم: على ماذا تعتمد الآلية في تحديد السعر؟ ويقول الخبير إن كانت تعتمد على سعر السوق الأسود فهذه كارثة لأن الفجوة ستتسع يومياً، وتسبب في مشاكل خطيرة للاقتصاد، وطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: ولماذا لجنة؟ وقال: “منذ سنوات هنالك لجنة لمراقبة سعر الصرف وتحديده، يرأسها محافظ بنك السودان، بعضوية مساعديه، وكان يمكن أن تكون اللجنة من داخل البنك، وهو صاحب المصلحة الحقيقية في تحديد ومراقبة السعر”، وأضاف: “لا يمكن أن نشرح للبنك الدولي أو المؤسسات العالمية أن هنالك لجنة تتحكم في النقد الأهم خارج بنك السودان، وبهذه الخطوة فقد البنك أوجب مهامه”.

شبح الفشل

تواجه السياسات الجديدة شبح الفشل بعد تجربة اليوم الأول، التي أحدث ربكة غير مسبوقة، ويتفق الجميع على أن العجلة في تطبيقها، دون توفير المطلوبات وفي ظل أزمة الكاش، تجعل فشلها أقرب بكثير من نجاحها، خاصة في بلد تمتنع المؤسسات الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي عن إقراضه، بسبب الديون أحياناً وبسبب نظامه السياسي أحياناً أخرى، ويجمعون على أنه، وحال تأكُّد فشلها، ستكون النتائج شديدة القسوة على المستهلك البسيط.