منتصر إبراهيم الزين

قدم الخبير المستقل المعني بحالة حقوق الإنسان في السودان، تقريره الي مجلس حقوق الإنسان الذي انعقد مؤخراً في جنيف، وتم تجديد ولايته ببقاء السودان في الفصل العاشر بموجب القرار 27/26 ،والقاضي بتقديم المساعدة الفنية وبناء القدرات.

استفادت الحكومة السودانية من فرصة الدعم الفني و بناء القدرات، إذ أصبحت لديها منظماتها التي تشارك في إجتماعات المجلس، وتدافع عن الحكومة وتعقد المساومات،  ويبرز هذا الوضع السقف الذي وصل إليه مفهوم المساعدة الفنية والذي اقتصر على توفير إمتيازات إضافية للحكومة وكأنها تحفيز علي سؤ  سلوكها في إنتهاك حقوق الإنسان.

التقرير الذي قدمه الخبير المستقل، والذي يغطي الفترة من 28 سبتمبر  2017 _ الي 30 يونيو 2018 ،أعتقد أنه جاء مرنا تجاه الحكومة ومجاملا بشكل واضح مقارنة بحقيقة وضع حقوق الإنسان في الفترة المحددة، وتأثر موضوعية التقرير بالمساومات التي هدفت الي نيل رضاء طرفي التقرير -الحكومة والمقرر الخاص ويجنبهم الحرج  ،اذ لامس التقرير رؤوس القضايا وكأنه كان يحرص على عدم إثارة غضب الحكومة، و قد أثر ذلك بشكل واضح من خلال  إبراز قضايا ليست لها اي معني ولايفيد إلا في حشو التقرير بعبارات تعكس مزاج الحكومة ورغبتها في الحصول علي مزيد من الامتيازات من قبيل الدعم الفني الذي ليس له علاقة بتحسين أوضاع حقوق الإنسان في السودان. 

بالاضافة الي عبارات المجاملة والحشو الغير ضروري ،شمل التقرير على أخطاء فادحة ترتقي الي درجة تزوير الحقائق؛ ومنها، أشارته إلي ان الاقتتال الذي شرد مالايقل عن 11000 مدني من قراهم  في شمال جبل مرة، حيث نسب ذلك إلي إنه نتج عن الاقتتال بين المليشيات في حين أن الاقتتال وقع بين الحكومة وحركة تحرير السودان تحديدا في إطار عمليات عسكرية معلنة للحكومة السودانية. فلماذا تعمد التقرير أن يقلل من حقيقة وضع الاقتتال لينسبه الى المليشيات المسلحة، ما المغزى والهدف من ذلك؟ !

ما يمكن أن نكتشفه بوضوح في تناول التقرير لمسألة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، هو طريقة التناول الذي يتجنب أن  يكشف ويبرز مايمثل إنتهاك لهذه الحقوق ،وما أكثرها في ظل سياسات حكومية معلنة وممارسات تنتهك الحقوق الاقتصادية لقطاعات واسعة من السكان، مثل الكشات التي تنتظم كل أنحاء السودان  ،مستهدفة أصحاب الأنشطة الاقتصادية الصغيرة. طريقة تناول التقرير لمسألة الحقوق الإقتصادية  إهتم بالطريقة التي تعزز الإتجاه الذي يخفي حقائق الواقع الإجتماعي لصالح توجهات البنك الدولي الذي ينكر فيه زيادة مستويات الفقر نتيجة للسياسات المدمرة  لإصلاح الإقتصاد الكلي ،وقد اعتمد التقرير على إطار البنك الدولي لقياس الفقر،وهو تقييم متحيز ومتجاوزا للظروف الفعلية في البلد،حيث أشار الى أن المعلومات التي تلقاها تفيد بأن نسبة الفقر تقدر ب31،5% من السكان ،وأن واحد من أربعة من السكان يعانون من الفقر المدقع 25% . وهكذا قد تقرر أن مسألة الفقر في السودان مسألة حسابية بغض النظر عن طبيعة سلسلة ميزانيات التقشف والخصخصة وإلغاء الضوابط التي تسببت في واقع  كارثي على حياة قطاعات أكبر من النسبة التي أشار إليها،  ولكنه اعفي نفسه عن ذلك ودخل في  مماحكات إقتصادية ليس لها أي معني، كالذي أشار إليه في النقطة (46 ) في التقرير، سانقل الإقتباس هنا :

(رفعت الحكومة الدعم عن القمح، ونتيجة لذلك، ارتفع سعر رغيف الخبز من نصف جنيه الي جنيه واحد.ومن المرجح أن يترك رفع الدعم أثرا ضارا على دخل الأسر المعيشية، وبخاصة الأسر المعيشية الفقيرة. ومن المرجح أن يسهم رفع الدعم عن القمح أيضاً في الضغط التضخمي عبر التضخم الناتج عن عوامل خارجية ،بالنظر إلي أن الجزء الأكبر من إمدادات القمح تأتي من الواردات. وإذا إنتقل الناس إلي إستهلاك أنواع أخرى من الحبوب المنتجة محلياً، وإذا كان الإنتاج المحلي للحبوب غير كافي لتلبية الطلب المتزايد، سترتفع أسعار هذه الحبوب! !!!!

إطار البنك الدولي الذي اعتمده التقرير في تناول مسائل حقوق الإنسان في السودان، يبرز بوضوح في إشاراته المتكررة الي ان الإحتجاجات التي تقمعها الحكومة تعود إلي احتجاجات تنظمها المعارضة إحتجاجا علي إرتفاع معدلات التضخم والتدابير التقشفية التي تنفذها الحكومة؛ إذ أشار أكثر من ثلاثة مرات الي هذا التوصيف، وكأنه يسوق لتبرير قمع الحكومة لهذه الإحتجاجات؛ ولا يخفي علينا بالطبع  أن الحكومات التي تلتزم بانفاذ روشتة المؤسسات المالية الدولية تجد كل العذر لتجاوز القانون وارتكاب إنتهاكات لحقوق الإنسان، كما حدث في سبتمبر ،وهو المأزق والتناقض الذي أبرزه التقرير  .

بغض النظر عن ما قاد إليه التقرير، وتجديد وضع السودان في البند العاشر، أعتقد ان قضية حقوق الإنسان في السودان قد دخلت نفق المساومات، وباتت تخضع لمعايير ليست  من شأنها أن تحسن بصورة حقيقية من أوضاع حقوق الإنسان، وهي المتعلقة بالوفاء بالالتزامات الدولية المصادق عليها من جانب حكومة السودان، والتي من شأنها تحديد وضع حقوق الإنسان بالضبط، ، وليس إعتماد معايير تفيد في المساومات السياسية لصالح الحكومة.

للخروج بقضية حقوق الإنسان من مأزق المساومات السياسية، أن يضعها الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني في صلب إهتمامات الفعل السياسي، بان تعود القضية الي الميدان الوطني بجعلها قضية للنضال السياسي وليس تفويضها الي جهات تهتم بالنيابة عنهم ، سواءً كان مجلس حقوق الإنسان أو خلافه؛ فقضية حقوق الإنسان هي قضية حياة كل السودانيين واحقيتهم أن يعيشوا بكرامة، بالإضافة إلي أن يتعايشوا في سلم وقبول لبعضهم البعض، وأعتقد أن إبعاد قضية حقوق الإنسان من مشهد الفعل السياسي قد أخر وأبعد إمكانية الحوار علي التحول الديمقراطي والذي يكون فيه حقوق الإنسان من أولى أولويات أي عمل سياسي.