التغيير: الخرطوم

بينما كان الفريق صلاح عبدالله قوش، مدير جهاز الأمن والمخابرات، قبل أيام، يحدث الناس في مركز حياة لمعالجة الإدمان، بوعده الجديد، بأنهم لن يحجروا على حرية  التعبير عن الرأي، ومرافقته وزيرة التربية والتعليم مشاعر الدولب تنظر إليه بإعجاب، وتضع على شفتيها نصف ابتسامة، وبينما هو يقول : “نحن ضد الحجر والتضييق على حريات الناس ونتيح حرية التعبير لجميع الآراء”، ومشاعر تزيد من ابتسامتها، وتولى آخرون من مركز الإدمان مهمة التصفيق، كان رئيس تحرير صحيفة التيار عثمان ميرغني، يجري التحقيق معه في مكاتب جهاز الأمن ويسأل، “من الذي قدم لك الدعوة لمقابلة سفراء الاتحاد الأوروبي؟” و في الاستقبال الخارجي للجهاز، كان يجلس رئيس تحرير الجريدة أشرف عبد العزيز، في انتظار دوره في التحقيق، وسيسأل ذات السؤال “من قدم لك الدعوة للقاء سفراء الاتحاد الأوروبي” بجانب أسئلة عن آراء نشرت في الجريدة، وكلاهما عثمان وأشرف، تمت مصادرة صحفهما صباحا، قبل مجيئهما لمكاتب الأمن وقبل ساعات قليلة من قولة قوش “نحن ضد الحجر والتضييق”.

الحنث الأول

عندما عاد قوش، لكرسي مدير جهاز الأمن والمخابرات، في فبراير من هذا العام، كانت المعتقلات والزنازين، مكتظة بالمعتقلين، سياسيين وناشطين وصحفيين، من أحزاب واتجاهات مختلفة، لا تربط بينهم سوى مشاركتهم، في احتجاجات سلمية، ضد الغلاء وضد سياسات النظام، وفاق عددهم (250) معتقلا، قوش في أول تصريحاته وعد باطلاق سراحهم جميعا، و قال ” سنطلق سراح كافة المعتقلين”، استبشر الناس بعهد جديد مع مدير الأمن العائد، وبعد أيام تم تحديد يوم تنفيذ الوعد، جماهير غفيرة تجمهرت أمام بوابة سجن كوبر، من أسر المعتقلين وأصدقائهم واحزابهم ومن الصحفيين ومراسلي وكالات الأنباء والقنوات الفضائية، وبعد ساعات من الانتظار، وبعد أن انتدب مساعد الرئيس عبد الرحمن الصادق لتلاوة خطاب على الصحفيين قال أنه من قوش ومفاده ” لا معتقلين بعد اليوم، وأن الحريات ستبسط للناس” ،  خرج المعتقلون المفرج عنهم، المفاجأة الأولى أن من اطلق سراحهم النساء المعتقلات وطفل، وعدد من معتقلي حزب الأمة، لم يتجاوز عددهم جميعا ثمانين معتقلا، أما البقية ومعظمهم من الحزب الشيوعي والمؤتمر السوداني وناشطين، فظلوا في الحبس، وتبدد وعد اطلاقهم (جميعا)، ولما تطاول الأمر أيام وأسابيع، ُسئل عنهم قوش، ليجيب مؤكدا أن وعده كان سرابا، وقال أنه اتخذهم رهائن، ولا سراح لهم بغير تحسن سلوك احزابهم، بكفها عن الاحتجاج والمطالبة باسقاط النظام ولو بالطرق السلمية.

قوش من بوابة عروة

جلسنا إلى ضابط كبير في جهاز الأمن، اخرج من جهاز الأمن للتقاعد فور عودة قوش، سألناه عن ملابسات عودة رجل الوعود الكبيرة، مرة أخرى إلى كابينة القيادة، أجاب على طريقة الأمنيين ” شغل ثمان سنوات نجح”، طلبنا منه الإفصاح فتابع قائلا : قوش لم يتقبل الطريقة التي خرج بها من الجهاز، متهما ومشكوكا في مهنيته وذمته، ومهانا من خصومه في الجهاز واستدرك قائلا – تعرض للشتم والضرب ومارسوا عليه ضغطا نفسيا رهيبا بإيحاءهم له بالتصفية وهو لم يستبعد ذلك منهم – والأمر الاكثر إيلاما له شماتة خصومه والتباهي بانتصارهم الباهر عليه، وبالذات اللواء عبد الغفار الشريف وطه الحسين مدير مكاتب الرئيس المعروف، ولكن غفل هؤلاء عن أن صلاح قوش، ترك خلفه  تلاميذ وحواريين، بعضهم في مفاصل حساسة ، ظلوا يرفدونه بالمعلومات أولا بأول، رغم محاولة تطهير الجهاز منهم، وكذلك تغافل هؤلاء وتناسوا ذكاء الرجل، والأهم من ذلك احتفظ صلاح بعلاقته مع المخابرات الخارجية التي كسبها طوال فترة عمله، وبالذات مع دولة الإمارات العربية، والتي يعمل مستشارا لأحد شيوخها، ويستثمر مع أثرياء نافذين، ولم يتحسب أعداءه لذلك وكانت هي غلطة الشاطر بعينها، ومضى قائلا خلال سنواته خارج الجهاز ظل قوش يرصف طريق العودة بصبر رجال المخابرات، مستفيدا من كل تلك الثغرات المعطيات، إلى أن وجد المفتاح ودخل عن طريق بوابة ضابط الأمن السابق والعضو المنتدب لشركة زين للاتصالات الفاتح عروة . 

عروة والمأمون والبشير

في حديثه أشار ضابط الأمن حديث التقاعد، إلى نقطة هامة ساعدت قوش في تحقيق مساعيه و العودة مجددا، وهي ضعف أداء الجهاز، في سنوات الفريق محمد عطا المولي الأخيرة، إلى أن وقعت الطامة الكبرى، ومضى قائلا : ارتبط صلاح بصداقة مع الفاتح عروة، لم تنقطع حتى بعد مغادرته الجهاز، وفي ذات الوقت يعد عروة أحد المقربين للرئيس البشير، وهو من الدائرة التي يمكنها مقابلته في أي وقت، وخاصة أن الرجل ثري وبدفع، ومع مرور الوقت وضعف أداء الفريق عطا صار عروة مستشارا للرئيس في شؤون الأمن بطريقة غير رسمية، وكان قوش على علم بذلك، فأخذ يسرب بعض المعلومات في شكل “بقشيش” لعروة والذي يقوم بدوره بإيصالها للرجل الكبير نقلا عن صلاح، ثم وقعت حادثة رجل الأعمال محمد المأمون، الذي اخترق النظام المصرفي الإماراتي، تتبعا لثروات طه الحسين، – هنا توقف الضابط المتقاعد عن السرد وقال ” القضية معقدة، ولا يمكن حصرها، ويكفي حتى هذه النقطة- بعد الحاح اقنعناه بالمواصلة ليعلم الناس، كيف تدار امور البلد في الدهاليز المظلمة، وكيف أن شهوة السلطة والمال والمصالح الشخصية تحكمت في مصائر الناس، وليعلموا من هو الرجل الذي يدير السلطة الأهم في الدولة، والذي وعد ببسط الحريات للجميع.

للحكاية بقية

ويستأنف ضابط الأمن قائلا : عملية الاطاحة بطه نفسها يعتقد البعض أنها بتدبير من أولاد قوش في الجهاز ، وأطيح بطه بعد أن كشف محمد المأمون حسابه في الإمارات، ووجد به مبلغ (107) مليون دولار ، كان قد قال للبشير أنه تصرف فيها حسب التوجيهات، وهي أموال من النوع الذي لا يدخل خزينة الدولة،  ولثقة الرئيس المفرطة في مدير مكتبه صدق الكذبة، لتكشفها عملية الاختراق، ليتمكن قوش من إبعاد أحد أهم العناصر في مجموعة أعدائه الذين خطط للانتقام منهم، وتعود أهميته لثقة البشير  فيه، ولأنه استطاع خلق علاقات مع دول الخليج، مستفيدا من حرب اليمن وطموحات إيران، وفرت له ثروة تمكنه  شراء من يشاء بها، ولكن الفائدة الحقيقة بالنسبة لقوش كانت في تداعيات جريمة محمد المأمون، بعد أن تم كشفها، من قبل المخابرات الإماراتية، التي اتصلت أولا على صلاح، وابلغته التفاصيل، والتي أخذ يملكها بحماس لعروة، الذي أبلغ بدوره  الرئيس أن الأمارات غاضبة ولن تصمت، هنا طلب الرئيس مقابلة قوش جزافا، وبدأ فصل من الثقة يتجدد.

قوش مديرا للجهاز

تفاقمت المشكلة، وود المأمون كما يناديه اصدقائه، يشي بشركائه في الجريمة، وعطا أولهم، لقاءات الرئيس وقوش في حضور عروة تتكرر، يطلعه على التفاصيل، البشير تبرأ من ود المأمون – الذي سيشي به لاحقا بعد أن يقتنع بأنهم تخلوا عنه- قوش يؤكد للإماراتيين أن البشير بريء، ولا علم له بالعملية، في خضم أزمة الإمارات وتنامي الثقة أخذ قوش يكشف الغطاء عن ممارسات ضباط عظام في الجهاز وعلاقات الفساد المالي بينهم وإسلاميين في السوق، وبطبيعة الحال كان عبد الغفار أولهم، وبالفعل تحقق الرئيس من المعلومات، وتأكد من صحتها، الإماراتيون قالوا أنهم لم تعد لهم ثقة في عطا ولن يستطيعوا التعامل مع الحكومة في وجوده، وكذلك ستفعل السعودية، هنا بدأت رحلة البحث عن بديل لعطا قبل كل شيء، ليقترح عروة صديقه قوش، ويسأل الرئيس هل سيقبل؟، نعم ولكن بشرط أن تطلق يده، ليدير عمله بالطريقة التي تناسبه، الرئيس يقبل، وقوش يطلق وعدا جديدا، بعد أن حقق حلم العودة، سأكافح المفسدين واحاصر المضاربين في الدولار.

الترابي:  أسألوني أنا

يتفق من زاملوه أو عملوا  تحت أمرته أنه عنيف شديد الصرامة، ويكفي أنه كان أحد المسئولين عن بيوت الأشباح التي خصصت لتعذيب المعارضين السياسيين، في مطلع  الانقاذ وكانت تمارس فيها أعمال وحشية، ويعد أحد المشاركين الأساسيين في عملية اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، وهي العملية التي أخرجته مؤقتا من الجهاز قبل أن يعود مديرا له، وكذلك يؤكد من عرفوه أنه رجل مخابرات رفيع الطراز لا تجد المشاعر طريقها إلى عمله قط، وهو بعد أن طور علاقته بالمخابرات الأمريكية، وصار أحد أهم المتعاونين معهم في المنطقة، كاد أن يسلمهم أسامة بن لادن، وطلب منه مغادرة السودان على عجل، و من بعده قام بترحيل جميع الإسلاميين المحتمين بالحكومة الاسلامية في السودان، ولم تشفع لهم، لحاهم المشبوبة بالشيب ولا وجوههم الموسمة بعلامات الصلاة، ولكن للتأكيد أسمع شهادة عراب الثورة ومرشد الحركة الاسلامية التي خرج قوش من رحمها إذ قال الراحل حسن الترابي في مجلس جاء فيه الحديث عن قوش قال ” أسألوني أنا ، في مرة من مرات الاعتقال، طلبت أوراق وأقلام، وبعد أن علم بذلك جاء إلى زنزانتي ووقف بالباب وسألني ، هل طلبت أوراق وأقلام؟ قلت نعم، فقال لي بغلظة، مافي هنا أوراق وأقلام هنا ده ما البيت، وفي اليوم التالي زارني نائبه، وكان من الحركة الشعبية، و سألني إن كنت محتاج لشيء فقلت له طلبت أوراقا وأقلام ومنعت، فدهش الرجل وقال لي ساحضر لك أوراقا وأقلاما، وكرسي وتربيزة، وقد كان، وبدأت في كتابة التفسير التوحيدي للقرآن” .

قوش الطموح الثري

لا يجمع الناس على ذكائه وحده، ولكن كذلك يجمعون على أنه شديد الطموح، وقوي العزيمة، ويخطط جيدا لأهدافه، وجريء لابعد الحدود، وهي الصفة التي مكنته من مد يد المخابرات السودانية إلى خارج الحدود، وفوق ذلك يعد صلاح قوش اليوم من الأثرياء، سألنا الضابط المتقاعد عن ثروته ومصادرها، فأجاب بتهكم وقال ” لو خرج قوش من الجهاز هذه الايام ، ربما حكم عليه بعقوبة أشد من عقوبة عبد الغفار نفسه ” ومضى قائلا : بعد أن خرج قوش من المعتقل، تبين أنه يملك أموالا ضخمة، ودخل في اعمال كبيرة من استيراد بترول وغيره، وكانت له شراكات مع مستثمرين عرب بمبالغ ضخمة، ولكن لم يسأله أحد من أين لك هذا، وكانت هنالك صفقة دون اتفاق أن يصمت هو عن ما جرى وتترك له حريته وأمواله.

وعد الرئيس

إن كان هناك وعد أهم فهو الذي قطعه على رئيس الجمهورية، بأن يحافظ على بقاء الحكومة القائمة ويحميها من الأعداء،  وفي أول تصريحاته الصحفية بعد خروجه من المعتقل قال قوش ” أنا ابن الحركة الإسلامية”  و ” البشير أبوي” ، ولكن هل سيحنث بهذا الوعد، الذي له مترتبات على الواقع أكثر بكثير من وعده بحرية الصحافة وعدم الحجر على رأي أحد؟ فكانت إجابة الضابط حديث التقاعد ” لا ، سيفي بوعده، هذه المرة، ولن يسعى للإنقلاب أو الإطاحة بالبشير” ولما رأي شيء من الدهشة في وجوهنا قال “مصالحته مع البشير ستبقيه في قلب السلطة لأطول فترة ممكنة وهو لن يخسرها بسهولة، أما عن الإطاحة بالبشير، فهو يعلم أن عوامل أخرى كفيلة بالقيام بذلك، ووقتها إن تمكن من تحييد الجيش، فلن يكون هناك بديلا غيره، ولن يقدر الإسلاميون الذين استخفهم المال والسلطة على مواجهته، فهم أكثر جبنا من ذلك”.