معاذ زكريا المحامي
يبدو ان مسلسل زواج القاصرات ما يزال حافل بالجديد والمثير ، فما أن تنتهي حلقة من حلقاته حتى تبدأ أخرى ، تسنيم ، نورا ، رحمة وغيرهن كثيرات ممن سرقت طفولتهن وانتُهكت براءتهن باسم الدين.
في شهر يوليو الماضي أبطلت محكمة الأحوال الشخصية بالشجرة زواج الطفلة رحمة ذات الأحد عشر ربيعا من زوجها الذي جاوز الأربعين عاما.
ثمة تناقض كبير بين قانون الطفل لسنة ٢٠١٠م والذي يعد متقدما إلى حد بعيد ومتسقا مع العهود والاتفاقيات الدولية ذات الصلة ، وبين قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لعام ١٩٩١م ، فبينما ينص قانون الطفل في مادته الرابعة على أن الطفل يقصد به كل شخص أقل من (١٨) سنة ، أجاز قانون الأحوال الشخصية لولي القاصر – القاصر يقصد به الطفل الذي أكمل عشر سنوات ولَم يكمل ثمانية عشر عاما – تزويجه إذا كان في ذلك مصلحة له ، وبعد الحصول على إذن المحكمة ، إلا أن هذا الشرط يتم تجاوزه في أغلب الأحيان ، فمعظم زيجات الأطفال التي أبطلتها المحاكم لم يتم فيها الحصول على إذن القاضي ، بحسب ما اشترطته الفقرة الثالثة من المادة (٤٠) من قانون الأحوال الشخصية: ( لا يعقد ولي المميزة عقد زواجها إلا بإذن القاضي لمصلحة راجحة بشرط كفاءة الزوج ومهر المثل ).
علينا أن نقر بان هنالك تيارات دينية متشددة لا تعترف بقانون الطفل وما جاء به  من مواد ونصوص ، بدعوى أنه مستجلب من الغرب ، وان الرسول (ص) تزوج السيدة عائشة بنت أبي بكر وعمرها (٩) سنوات.
لكن أليس للرسول الكريم وضعه الخاص ، فهو تزوج من النساء ما يفوق العشرة ، وكان يصوم صيام الوصال – أي ان يواصل الليل بالنهار – وعندما حاول نَفَر من الصحابة تقليده في ذلك ، نهاهم وقال لهم: أيكم مثلي؟ إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني ، فهل نصوم نحن معاشر المسلمين صيام الوصال كما كان يفعل الرسول الكريم (ص)؟ ، إذن فربما كان زواجه من السيدة عائشة وهي في ريعان طفولتها إقتضته بعض الظروف والملابسات التي تخصه هو (ص) ، وإلا فلماذا زوج أبنته/ فاطمة الزهراء لعلي بن أبي طالب وهي بنت (١٨) عاما!!.
كثير من مؤيدي زواج القاصرات لا يَرون في المرأة إلا وعاء للجنس والولد ، فتجدهم يقولون طالما وصلت الفتاة لسن البلوغ فإنها تصبح جاهزة لممارسة الجنس معها ، وذلك لأن تكوينها الجسدي والجسماني قد إكتمل ، ولكن هل الزواج يقتصر على ممارسة الجنس بين المتزوجين فقط؟ أليست هنالك ثمة جوانب أخرى ، وأبعاد أخرى لهذا الرباط المقدس المسمى ( زواج )!! ، أليست هنالك أهداف مشتركة يسعي الطرفان لتحقيقها ، وثمة أحلام وآمال يتطلعان إليها ، لماذا يقف نظر ووعي هؤلاء الناس عند قوله تعالى في سورة النساء: ( فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) ، مع علمهم أن هناك آيات أخرى مثل قوله تعالى في ذات السورة: ( وعاشروهن بالمعروف ) وقوله تعالى في سورة الروم: ( ومن آياته أن خلق لكم من انفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ) ، فكيف بربكم تتحقق هذه المقاصد القرانية الجميلة عندما يجتمع رجل وفتاة في عمر بنيه تحت سقف بيت واحد!.
قضية الطفلة رحمة نقطة في بحر يموج بالكثير من مثل هذه الحالات ، فبحسب مختصين فان نسبة زواج القاصرات في المناطق الحضرية بالسودان حوالي (٢٨٪؜) بينما ترتفع هذه النسبة في المناطق الريفية لتصل إلى (٤٢٪؜) ، عليه فان قضية رحمة لن تكون نهاية هذا الكابوس المزعج المسمى ( زواج القاصرات ) سيما وان تعاطينا مع هذه الأزمة تعاطي سطحي لا ينفذ إلى جذور المشكلة ومواطن الخلل.
كثير من هذه الحالات لا نسمع عنها إلا بعد أن تطرق أبواب المحاكم وبعد ان تُستباح وتهدر براءة أطفالنا ، لذلك أعتقد أن الحاجة أصبحت ماسة أكثر من أي وقت مضى لتعديل المادة (٤٠) من قانون الأحوال الشخصية من أجل أن تتوافق وتتماشى مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالأطفال ، بحكم أن قانون الطفل هو قانون خاص ، والقاعدة القانونية تقول أن: ( الخاص يُقيد العام ، وليس العكس ) ، وإعمالا لنص المادة (٣) من قانون الطفل القائلة: ( تسود أحكام هذا القانون على أي حكم في أي قانون أخر يتعارض معه تأويلا لمصلحة الطفل إلى المدى الذي يزيل ذلك التعارض ) ، وليت السودان يفعل كما فعلت بعض الدول العربية والتي نصت على عدم تطبيق الأحكام الوطنية حال تعارضها مع الإتفاقية الدولية لحقوق الطفل.
غير أن التشريعات القانونية وحدها لا تكفي لمعالجة داء كهذا الداء ، فلابد من النفاذ لمسببات هذه الظاهرة من فقر وجهل وحروب تشتعل نيرانها هنا وهناك ، فبحسب دراسة لمنظمة ( اليونيسيف ) خلصت إلى أن المشاكل الإقتصادية وإرتفاع معدلات الفقر بين قطاعات واسعة من السكان وفقدان التعليم إلى جانب إتساع رقعة الحرب بالبلاد كلها أسباب تقف وراء ظاهرة زواج الأطفال.
للدولة دور هام وجوهري في حماية وضمان سلامة الأطفال، إذ تنص المادة (٥) من قانون الطفل على الآتي: ( تتكفل الدولة برعاية وحماية الأطفال وتعمل على تهيئة الظروف المناسبة لتنشئتهم التنشئة الصحيحة من كافة النواحي في إطار الحرية والكرامة الإنسانية والقيم الروحية والاجتماعية في بيئة صحية ) ، كذلك لابد من رفع وعي الأسر والأهالي بمخاطر زواج القاصرات والمشاكل التي يمكن ان تنجم من هكذا زواج ، كذلك فإن لرجال الدين دور كبير – إن تم توظيفه بشكل جيد – يمكن أن يسهم في التقليل من نسب ومعدلات زواج الأطفال.