أعمدة ومقالات

الهبوط العمودي إلى قاع المشير

معتصم أقرع

احزاب نداء السودان وقادتها لديهم الحق في اتخاذ أي موقف يرونه والدفاع عنه بالطريقة التي تروق لهم . ولكن ليس لهم الحق في نشر التشويش والارتباك بين صفوف الشعب السوداني بتحريف وبتر مجموعة الخيارات المتاحة.

فالمتاح من العمل السياسي لا ينحصر بين خياري الحرب أو معانقة النظام وفقًا لشروطه الدكتاتورية. هناك خيار ثالث ، وهو رفض الحرب باعتبار انها الدواء الأسوأ من الداء ، ولكن في نفس الوقت وبالتزامن مع رفض العمل المسلح يمكن الاستمرار في مقاومة هذا النظام بقوة تتوسل كل الوسائل السياسية السلمية الممكنة والمتاحة والمحتملة. وهكذا فان تصوير الحرب كبديل وحيد للاستسلام غير المشروط للنظام والتفاوض علي مقام شريك صغير لا يعدو ان يكون ذريعة لتبرير وتسويق رفع الراية البيضاء بعد طلاءها بخطاب اخلاقي , انساني, انتبه لحماقة اشعال الحروب بـعد فوات الاوان و بعد ان اكلت الاخضر واليابس وكلفت الوطن رهقا.

ومن واجب أهل النداء طرح بنود التسوية السياسية الشاملة التي يروجون لها كبديل للتفتت والاحتراب وماهو الحد الادني من المطالب التي يجب ان يستجيب لها النظام ليقبلوا بها ويقعوا عليها لتنفيذ هذه التسوية علي أرض الواقع كمخرج للوطن من ورطته. كما ان عليهم يخبرونا ما الذي استجد وما الذي يجعلهم يعتقدون أن النظام له من الكرم والحكمة والحس الوطني ما يجعله راغبا وقادرا على تقديم تنازلات ديمقراطية كافية لتحقيق تسوية سياسية شاملة .

تصريحات نداء السودان الاخيرة عن التسوية السياسية الشاملة تنطوي علي قصرنظر غير عادي ومن العيار الثقيل على مستويات متعددة :

أ) هذا النظام عاجز بالميلاد وخلقيا عن الاستجابة لادني المطالب الديموقراطية مهما صغرت ؛

ب) لن يعامل النظام هؤلاء الهابطين في أحضانه بأي احترام. على العكس ، سوف يغدق عليهم أولا ثم يستخدمهم ، ولاحقا يسيئ معاملتهم ، ويهينهم ، ويقلم اظافرهم ويلطخ صورتهم ، ثم يحولهم إلى كائنات مثيرة للشفقة والتندر . وحالما يتم خفض قيمتهم بما يكفي في فضاء السياسة والعمل الوطني ويكتمل تشويههم ، سيطردهم النظام شر طردة أذا ما تقاعسوا عن تقديم فروض الطاعة والولاء للمشير وظلاله في الأرض كل صباحا ومساء ؛

ج) هذا التطبيع غير المشروط, أو المنمق بمساحيق حفظ ماء الوجه السياسي, يقدم دعاية مجانية بان هذا النظام قادر على تبني إصلاح يفتح الطريق علي تحول ديموقراطي حقيقي ، ولكن الشعب يعلم جيدا طبيعة هذا النظام التي خبرها في ثلاثة عقود ولذلك فان النتيجة الحتمية هي ان مجموعة الهابطين في حضن البشير ستفقد ما تبقى من مصداقيتها وتشكك الشعب في تحليها ببعد النظر السياسي والصفات القيادية المطلوبة ؛

د) لم يكن ممكنا لتوقيت رفع الرايات البيضاء ان يكون أسوأ مما هو عليه . فهو يأتي في وقت يواجه فيه النظام أسوأ أزماته الاقتصادية علي الاطلاق ، وهي أزمة لا يمكنه التغلب عليها أبدا وسوف تزداد هذه الازمة أحكاما مع شروق كل يوم . ويمكن قياس حجم الازمة ودرجة يأس النظام الاخواني بملاحظة انه يريق ماء وجهه بالاستنجاد بقدامي الماركسيين وتعيينهم علي سدة اهم الوزارات حتى بدون استشارتهم والحصول مسبقا علي موافقتهم. ومن المؤكد ان تفاقم الأزمة الذي لا مفر منه سيضعف بشكل كبير ومتزايد من سيطرة النظام على مفاصل السلطة ومقدرته علي اعادة انتاج الولاء المدفوع الثمن داخل القوات المسلحة والمليشيات الارتزاقية ووسط المجموعات المؤثرة سياسيا في العاصمة والريف والأقاليم . ولا بد ان ارتخاء القبضة المالية والأمنية والسياسية الناتج عن افلاس النظام ودخوله مرحلة التضخم الانفجاري المتلازم مع تلاشي قيمة العملة الوطنية يمهد الطريق لسقوطه في مستقبل غير بعيد وتبشر بان وتائر التغيير دخلت مرحلة التسارع بمتوالية هندسية .

لماذا يمد أهل نداء السودان قوارب الانقاذ لنظام اللا انقاذ الآن وفي لحظة شروعه في الغرق الاخير؟ لماذا يحرز هؤلاء القوم هدفا في مرماهم واخر في مرمي الشعب في الزمن الاضافي ؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى