رشيد سعيد
متابعة مثل هذا النوع من الزيارات التي يقوم بها قادة الأجهزة الأمنية و الاستخبارية للدول الأخرى تواجهها الكثير من المصاعب بسبب السرية التي تضرب من حولها. هذه التعقيدات تبدأ بتأكيد قيام الزيارة من عدمه و من ثم الموعد المحدد لها و برنامجها و أخيراً الموضوعات التي ستبحث خلالها. و بعد كل ذلك تأتي المعضلة الرئيسية وهي معرفة تفاصيل الموضوعات التي تمت مناقشتها و آراء كل طرف و النتائج التي توصلت إليها سواء لجهة إبرام اتفاقيات و رؤى مشتركة في بعض القضايا و/ أو تثبيت عدم الاتفاق و المواقف المختلفة في البعض الآخر منها.
هذه المقدمة ضرورية حتى يكون القارئ على علم بالظروف التي كتب فيها هذا التقرير الذي يسلط الضوء على هذه الزيارة و يتناول بعض جوانبها من دون أن يدعي حصرية المعلومات التي يحتويها و هي حتما تحتاج إلى استكمال و في بعض الأحيان إلى تأكيدات إضافية في غياب أي بيانات أو تصريحات رسمية بشأنها.
هذه الزيارة هي الأولى للفريق صلاح عبد الله محمد صالح إلى فرنسا منذ إعادة تعيينه مديراً لجهاز الأمن و المخابرات الوطني في شهر فبراير الماضي و بخارطة طريق محددة: إعادة تنظيم الجهاز و ضمان ولائه للرئيس بعد إقصاء مدير مكاتب رئيس الجمهورية الأسبق، الفريق طه الحسين، مواجهة التطورات الداخلية المترتبة على التحركات الجماهيرية التي شهدتها البلاد في بداية العام 2018م، استعادة جزء من الأموال التي استولت عليها النخبة الإسلامية و حلفائه و إعادة حقنها في الاقتصاد لتقليل الاختناقات الاقتصادية المتتالية و على نهج الأمير محمد بن سلمان و أخيرا، تأمين إعادة انتخاب الرئيس عمر البشير في انتخابات 2020م.
أولى المصاعب التي تواجه المتتبع لهذه الزيارة هو معرفة هل وجهت دعوة للفريق صلاح قوش لزيارة فرنسا أم أن مدير جهاز الأمن و المخابرات الوطني هو الذي طلب المجيء إلى العاصمة الفرنسية. الإجابة على هذا السؤال على صعوبتها قد تجد إجابتها عبر الاطلاع على ثلاث وقائع رئيسية:
– أن النظام السوداني يصنف فرنسا في خانة الدول الغير صديقة بالنظر إلى أنها ظلت تستقبل على مدى السنوات الأربع الماضية اجتماعات قوى المعارضة [ الجبهة الثورية، إعلان باريس، نداء السودان ] بالإضافة إلى أنها توفر ملجأ لعدد من قيادات الحركات المسلحة في دارفور
– التوتر الشديد الذي اتسمت به اجتماعات اللجنة المشتركة بين البلدين التي اجتمعت في الخرطوم في شهر يوليو الماضي على خلفية التطورات في جمهورية أفريقيا الوسطى
– النظرة السلبية السائدة في أوساط الأجهزة الأمنية الفرنسية بشأن الفريق محمد عطا المولى، الذي يتسم أدائه بالضعف و عدم قدرته على التأثير على القرار السياسي و تحديدا على الرئيس عمر البشير الأمر الذي أضعف كثيرا دور جهاز الأمن و المخابرات لصالح مكتب الرئيس و قوات الدعم السريع و بالتالي ينظر لعودة الفريق صلاح قوش على أنها عنصر إيجابي يسهل التعاون بين الأجهزة المختصة في البلدين.

زيارة “فنية” و ليست سياسية

صلاح قوش وصل إلى باريس في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر الحالي في زيارة يصر مستقبليه على وصفها “بالفنية” و بالتالي اقتصرت اللقاءات فيها قيادات الأجهزة الفنية، جهاز المخابرات الخارجية DGSE و جهاز المخابرات الداخلية DGSI. الشيء الواضح أن جهود الجانب السوداني لإعطاء طابع شمولي للزيارة قد فشل في ظل عدم تنظيم أي لقاءات للفريق صلاح قوش مع مسؤولي ملف السودان في وزارة الخارجية الفرنسية أو حتى مسؤولي الأمن و أفريقيا في الرئاسة الفرنسية. لكن هذا لا يعني أن الجانب السياسي كان غائباً بالكامل بعد أن كشف موقع StreetPress الإخباري الفرنسي أن حفل عشاء في مقر إقامة السفير السوداني جمع المسؤول الأمني السوداني الرفيع بنائبة رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية [ البرلمان ]، كارول بيرو-بونارد، و برفقتها رئيس جمعية الصداقة السودانية-الفرنسية في البرلمان، جين باباتيست جيباري، و كلاهما من الحزب الحاكم، حزب الجمهورية إلى الأمام، و بحضور المبعوث الفرنسي الخاص للسودان، السفير ستيفان غونبيرج.
و قد تسبب هذا اللقاء و بالرغم من أنه تم خارج الإطار الرسمي للزيارة في حرج كبير لنائبة رئيس البرلمان بعد أن أدانت عدد من المنظمات غير الحكومية و المدافعة عن حقوق الإنسان مشاركتها في لقاء مع الفريق صلاح قوش الذي وصفته بأنه أحد مسؤولي “التطهير العرقي في دارفور” و قد ردت السيدة كارول بيرو-بونارد على ذلك في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية بأنها لم “تتسلم قائمة المدعوين للعشاء في السفارة السودانية يوم 10 أكتوبر مسبقا”، بمعنى أنها لو كانت تعلم بأنه سيكون حاضرا لما شاركت. من جانبه أكد النائب جين باباتيست جيباري لوكالة الصحافة الفرنسية أن الدعوة هي مواصلة لاستقبال سفير السودان في البرلمان و أن ذلك أمر عادي يتم في كل مجموعات الصداقة في البرلمان و عددها 154 مجموعة و أن الأمر لا يتجاوز التعاون الثقافي و أنهم لا يقومون بدور دبلوماسي موازي. و هنا أيضا يكرر رئيس مجموعة الصداقة مع السودان في البرلمان أنهم استجابوا لدعوة السفير الذي سبق و أن استجاب لدعوتهم و أن مشاركتهم غير مرتبطة بوجود صلاح قوش في حفل العشاء. هذا الحرج من اللقاء مع الفريق صلاح قوش قد يكون كافياً لتبرير إصرار السلطات الفرنسية على أن الزيارة “فنية” و ليست لها أي أبعاد سياسية.

الملفات الإقليمية

ثلاث ملفات إقليمية مثلت محور الاهتمام الرئيسي للزيارة: بالنسبة للجانب الفرنسي كانت الأولوية للأزمة في أفريقيا الوسطى و التطورات في القرن الأفريقي، فيما وضع الجانب السوداني الملف الليبي في المقدمة. ليس سرا أن “باريس” غير راضية عن الدور الذي يلعبه السودان في أفريقيا الوسطى و تحوله إلى معبر للنفوذ الروسي في هذا البلد. الجانب الفرنسي أعاد تكرار رفضه للمبادرة السودانية لحل الأزمة في أفريقيا الوسطى و تمسك بالمسار الذي خطه مجلس الأمن عبر الوساطة الأفريقية. و نبهت باريس الخرطوم إلى تكرار انتهاكاتها لقرارات مجلس الأمن عبر استقبالها لشخصيات من جمهورية أفريقيا الوسطى مضمنة في لائحة العقوبات الدولية. و يقول الفرنسيون أنهم فعلوا ذلك من أجل تثبيت مواقفهم لعلمهم أن الأوضاع في جمهورية أفريقيا الوسطى خرجت عن سيطرة السودانيين الذين تحولوا إلى آداة تنفيذية للسياسة الروسية في هذا البلد و تحولت مدن نيالا و ام دافوق لقواعد خلفية للشركات الأمنية الخاصة الروسية التي تتولى تنفيذ الجوانب العسكرية و الأمنية من السياسة الروسية في أفريقيا الوسطى. و كانت الخرطوم قد استقبلت أيضا دورات تدريبية نظمتها المخابرات الروسية لتدريب عناصر جهاز الأمن و المخابرات الجديد في أفريقيا الوسطى الأمر الذي يتعارض مع خارطة الطريق الدولية. و نقل عن مصادر فرنسية مطلعة أن وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورنس بارلي، أبلغت خلال زيارتها الأخيرة لانجمينا الرئيس إدريس دبي بأن فرنسا ترفض المبادرة السودانية و دعت تشاد إلى قصر تعاونها على المبادرة الأفريقية. الشئ المؤكد أن هذا الملف سيظل محل اختلاف كبير بين البلدين في الفترة القادمة بعد أن بدأت الخرطوم في توجيه الدعوات لاجتماع مصالحة بين الأطراف المتحاربة في أفريقيا الوسطى من دون أن تأخذ في الاعتبار مواقف فرنسا و الولايات المتحدة الاميريكية و مستندة كما تقول إلى النجاح الذي حققته في التوصل لاتفاق سلام في جنوب السودان. و سيكون وزير الخارجية السوداني ضيفا على الدبلوماسية الفرنسية في نوفمبر القادم في باريس في زيارة قد تتعرض للتأجيل مرة أخرى بعد أن كانت تأجلت مرتين من قبل على عهد البروفيسور إبراهيم غندور و من ثم بعد تولي الوزير الحالي الدرديري محمد أحمد مهام منصبه.
فرنسا تتابع باهتمام التطورات التي تجري في منطقة القرن الأفريقي و الحيوية الجديدة التي تشهدها منذ تولي أبي أحمد لرئاسة الوزارة في اثيوبيا. القناعة هنا في باريس أن السودان وضع على هامش هذه التطورات الإيجابية و أكثر ما يخشاه الفرنسيون هو الدور السلبي الذي يمكن أن تلعبه الخرطوم لتعطيل هذه التحركات مستخدمة أساليبها التقليدية و حلفائها الأقوياء في هذه الدول. و قد عمل الفريق صلاح قوش على طمأنة محاوريه أن السودان ليس خارج هذه التطورات و أنه يؤثر فيها إيجاباً و هي حتماً لها تأثيرات إيجابية على السودان. و يبدو أنه حمل النظام الارتري مسؤولية إبقاء السودان خارج هذه التطورات و لكنه توقع أن يستوعب السودان في هذه التطورات الإقليمية بمجرد معالجة قضية سد النهضة التي تحتاج حالياً إلى معالجات فنية و عبر استمرار الحوار بين الخرطوم و أسمرة لإعادة بناء الثقة المفقودة

السودان والملف الليبي
فيما يتعلق بالملف الليبي احتج السودان على عدم توجيه باريس الدعوة له للمشاركة في الاجتماع الذي نظم في نيويورك في سبتمبر الماضي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة و بدعوة من فرنسا و بمشاركة كل دول الجوار الليبي و القوى الدولية المعنية بالأزمة في ليبيا. و هذه هي المرة الثانية التي تمتنع فيها باريس عن توجيه الدعوة للسودان للمشاركة في مؤتمر حول ليبيا حيث لم تقدم الدعوة للخرطوم للمشاركة في المؤتمر الذي نظم في باريس الصيف الماضي و صدر عنه “إعلان باريس” بشأن المسيرة الدستورية و تنظيم الانتخابات في ليبيا. و من الواضح أن الدبلوماسية الفرنسية تعتبر أن السودان بتقديمه الدعم لمجموعات إسلامية متشددة في ليبيا ليس مؤهلاً ليكون طرفاً في الحل، كما أنها تأخذ في الاعتبار تحفظات حليفها الليبي، الفريق خليفة حفتر، تجاه أي مشاركة سودانية في حل الأزمة الليبية.

الهجرة السرية و مكافحة الإرهاب


لعل الخطأ الكبير الذي وقع فيه الوفد المرافق للفريق صلاح قوش عند تحضيره لهذه الزيارة أنه لم يطلع قبل وصوله إلى باريس على الاحصائيات الخاصة بالهجرة للعام الماضي و العام الحالي. فبعد أن كان المهاجرون من السودان و دول القرن الأفريقي إلى أوربا يتقدمون من حيث العدد رصفاءهم من كل دول أفريقيا و آسيا، تراجعت أعدادهم ليحتلوا مركز متأخرا [ ما بعد المركز العاشر ]. طبعاً هذا التراجع ليس بسبب جهود قوات “الدعم السريع” كما تقول الحكومة في الخرطوم و إنما كان لتدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا الدور الأكبر في هذه النتيجة الإيجابية بالنسبة للأوربيين بالإضافة إلى العامل المعنوي الكبير الذي لعبه التحقيق الذي بثته قناة CNN الاميريكية عن استعباد المهاجرين و سوء المعاملة التي يتعرضون لها في ليبيا. و أفقد ذلك الوفد السوداني أحد أسلحته القوية في المناقشات مع الفرنسيين و التي كان يراهن عليها للمقايضة. و يقال أن الجانب الفرنسي أعتبر  موضوع الهجرة ليس من الأولويات الثنائية و أن الأفضل مناقشته في الإطار المتعدد الأطراف ما بين الاتحاد الأوربي و الحكومة السودانية.
مكافحة الإرهاب و التعاون الاستخباري في هذا المجال يظلان نقطة القوة التي يرتكز عليها جهاز الأمن و المخابرات الوطني في علاقته مع الدول الغربية بشكل عام و هو تعاون كان قد بدأه الفريق صلاح قوش قبل إبعاده من قيادة الجهاز في العام 2009م. صحيح أن الجهاز لا يتعاون مع جميع الأجهزة الغربية بذات المستوى و أن واشنطن تحظى بالنصيب الأكبر من ثمرات هذا التعاون، لكن الفرنسيين لا يخفون إعجابهم بالقدرات العملياتية للسودانيين و خصوصاً في بيئتهم الإقليمية و امتلاك جهاز الأمن و المخابرات السوداني لإمكانيات كبيرة تسمح له بالتحرك بفعالية بالمقارنة مع الأجهزة الأمنية في الدول المماثلة للسودان. و تراهن باريس على تعاون سوداني أكبر في الحرب على المجموعات الإرهابية في منطقة الساحل و خصوصاً بعد أن بدأت تهديداتها تتمدد لتشمل دولا مثل بوركينا فاسو و الكاميرون. لكن دخول روسيا و تركيا كأطراف مؤثرة في توجهات السياسة السودانية يثير مخاوف حالياً لدى الأجهزة الأمنية في الدول الغربية و في فرنسا على وجه الخصوص بشأن استمرار جهاز الأمن و المخابرات السوداني في التعاون كما في الماضي.

المعارضة السودانية في باريس، مقاربة مختلفة

كما كان متوقعا، لم يكن تواجد عدد من قيادات الحركات المسلحة في دارفور أو تنظيم اجتماعات المعارضة السودانية ممثلة في “الجبهة الثورية” و “نداء السودان” غائبين عن سلسلة المطالب التي حملها معه الفريق صلاح قوش للعاصمة الفرنسية. لكن الجديد هو المقاربة “الناعمة” التي تبناها وفق ما كشف عنه مسؤول فرنسي رفيع. حيث اعتاد جهاز الأمن و المخابرات الوطني على عهد الفريق محمد عطا المولى أن يطالب فرنسا بطرد هؤلاء القادة باعتبارهم يعيقون عملية السلام و منع تنظيم اجتماعات المعارضة في باريس. المدخل هذه المرة كان على ما يبدو دعوة فرنسا لعدم إعاقة استصدار قرار من مجلس الأمن بحق عدد من قيادات الحركات المسلحة في دارفور عند مراجعته لتقرير لجنة الخبراء في ديسمبر القادم. و من المعروف أن روسيا و الصين كانتا قد طالبتا بفرض هذه العقوبات في الاجتماع الذي تم في شهر يونيو الماضي، لكن فرنسا العضو الدائم في مجلس الأمن نجحت في تأجيل استصدار قرار بهذا الشأن. و ذهب السودانيون إلى حد مطالبة الفرنسيين بالضغط على قادة المعارضة للدخول في مفاوضات مباشرة مع الحكومة السودانية.

الملفت أن نفس هذا التوجه تبناه الرئيس تابو امبيكي عند زيارته الأخيرة للخرطوم حيث حذر أطراف “نداء السودان” في الداخل من أن مجلس الأمن يتجه لاستصدار عقوبات على قيادات في الحركات المسلحة و أن عليهم الضغط على حلفائهم للتفاوض مع الحكومة و قطع الطريق أمام صدور قرار العقوبات.
الإصلاحات الداخلية في السودان
في هذا الملف، أعادت فرنسا طرح موقفها الداعي لتبني مواقف أكثر مرونة من قبل كل الأطراف من أجل التوصل لحل شامل للأزمة السودانية. و طالبت باريس بضرورة السماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتأثرة بالحرب و أشادت بالتزام الخرطوم بوقف إطلاق النار المعلن و طالبت بأن يتحول ذلك إلى وقف شامل للعدائيات. و يتردد أن الجانب الفرنسي أبلغ الفريق صلاح قوش بالموقف الفرنسي المعارض لتعديل الدستور و إعادة ترشيح الرئيس عمر البشير و جرى تحسس موقف الخرطوم بشأن البدائل للوساطة الأفريقية التي يقودها الرئيس تابو امبيكي: وساطة ثلاثية من الأمم المتحدة و الاتحاد الأفريقي و الجامعة العربية أو لجنة اتصال دولية تجمع الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن و يضاف إليها المانيا بحكم دورها النشط في جهود معالجة الأزمة السودانية، أي صيغة مماثلة لمجموع 5+1 التي تولت التفاوض مع إيران على ملفها النووي.
النتيجة الوحيدة التي عاد بها الفريق صلاح قوش إلى الخرطوم هي أن قضايا السودان و مشاكله لم تعد قضية تهم السودانيين وحدهم و أن التعقيدات المحيطة بها تتطلب فعلا التعامل معها بمنظور شامل داخليا و خارجيا و أن الطموحات الشخصية يجب أن تنحى جانبا في هذه المرحلة لأن الحلول لا يمكن أن تأتي عبر الأفراد.