التغيير – شوقي عبد العظيم

ما نحن بصدده، يمكن أن نطلق عليه فضيحة بامتياز، أو كارثة عند البعض، كما أنه يصلح نموذجاً جلياً للطريقة التي تدير بها الدولة شؤون الناس البسطاء، بلا اهتمام ولا اكتراث لأحوالهم. الفضيحة وقعت في وزارة العمل والإصلاح الإداري، ضحاياها آلاف العمال والمهندسين السودانيين.. من تهاونوا وقصّروا وتلاعبوا بهؤلاء البسطاء، معروفون، وسنذكر الأسماء في هذا التحقيق، ونورد التفاصيل والمستندات.

من سيحاسبون على كل ذلك مجهولون، لأن حبكة الجريمة، ستسمح لهم بادعاء البراءة، بعد أن فعلت وزارة العمل كل شيء، يساعد في إخفاء أثرهم.. القضية كثيفة التعقيد، لكن من حسن الطالع أن “التغيير” كانت في قلب الحدث منذ يومه الأول.. فإلى التفاصيل.

“13” ألف عامل إلى قطر.. بداية الشكوك

بدأت الحكاية باجتماع صغير، بمكتب استخدام جوار السفارة السعودية، بالعمارات، حضره عشرة من أصحاب مكاتب الاستخدام، ومدير شركة “تابيري”، “صلاح سري”.. فحوى الاجتماع وغرضه، تنوير مكاتب الاستخدام العشرة التي وقع عليها الاختيار لتنفيذ أكبر عملية توظيف سودانيين بالخارج شهدتها البلاد، وعددهم “13” ألف عامل، تحتاجهم شركة تركية لتنفيذ استاد كرة قدم وفندق وأعمال في الميناء، بدولة قطر، وتفاصيلهم “900” عامل غير ماهرين “طلب”.. البقية فنيون في أعمال البناء المختلفة، ومهندسون واستشاريون.. “صلاح سري” في الاجتماع كان يتحدث بثقة زائدة، تصل درجة الاستعلاء كما أشار بعض من حضروا الاجتماع، ويؤكد في كل مرة أن الشركة التركية في عجلة من أمرها، ثم يلوّح بالمستندات وتفاهماته مع وزارة العمل والأجهزة الأمنية.. العملية غير مسبوقة، لذا من يبدي ملاحظة في أن العدد كبير، أو يسأل عن دور السفارة القطرية، أو يشكك يكون حسمه عند “صلاح”: “يا أخونا الداير يشتغل معانا دي طريقتنا والما داير في عشرات المكاتب دايره تشتغل”.. يصمت المتحدث، ويتولى الآخرون تأييد وجهة نظر صلاح وحسم المتشكك.

 غير أن نقطة الخلاف الجوهرية التي وقف عندها بعض أصحاب المكاتب، ووافق أن يتجاوزها بعضهم، هي مسألة تحصيل الأموال من العمال.. “صلاح” طلب أن يدفع كل متقدم للوظيفة “150” دولاراً أمريكياً فوراً، إضافة إلى رسوم الكشف الطبي، وشهادة الكفاءة من التدريب المهني.. المعترضون قالوا تحصيل الأموال قبل وصول التأشيرات أمر خطير، وسألوا عن الضمانات الأمر الذي أثار حفيظة “صلاح”.. فانتهى الاجتماع الأول، ومدير شركة “نابيري” متمسك بتحصيل الرسوم مسبقاً قبل وصول التأشيرة، مؤكداً أن “150” دولاراً طلبها القطريون لزوم الفحص الأمني، وجرى الاتفاق على أن يكون اللقاء الثاني، في اليوم التالي، في وزارة العمل الجهة المخول لها تأكيد كل شيء أو نفيه.. من المهم أن نشير قبل أن ننتقل إلى الوزارة إلى أن تصاريف القدر شاءت أن تكون “التغيير” الإلكترونية حضوراً في الاجتماع الأول.

الوزارة .. الموافقة الكارثية

وكيل وزارة العمل والإصلاح الإداري، والمدير العام للاستخدام الخارجي والهجرة “سعاد الطيب”، توليا أمر الاجتماع، ولكن المفاجأة غير المتوقعة، وبالذات للمشككين، تمثلت في تأييد الوكيل و”سعاد”، لصحة الوظائف المطروحة من الشركة التركية، ووكيلها “صلاح سري”، ولم يكتفيا بذلك بل سلّما “صلاح” قراراً – يُنشر هنا- يفيد بأن وكيل وزارة العمل وافق على الشروع في استقطاب العمالة والمهندسين، ومهر القرار بتوقيع “سعاد الطيب”، بعد إذن في سطره الأخير صراحة ببداية العمل.

في صبيحة اليوم التالي للقرار، كانت الصحف والقنوات الفضائية تنشر إعلان الوظائف، وتدافع العمال المساكين على المكاتب، بعد أن لاحت بارقة أمل في خضم الأوضاع البائسة.. ومن الملاحظ أن القرار الكارثي الذي تناسلت منه جميع الأخطاء المفضية إلى ضياع الحقوق، أهمل عمداً أو سهواً، مسألة تحصيل الأموال من العمال المتقدمين للسفر، ولم ينصّ عليها صراحة رغم خطورتها، لتتفجر مرة أخرى، بين “صلاح” وبعض أصحاب المكاتب الحريصين على سلامة العمل، والمهتمين بالحفاظ على حقوق الناس أكثر من وزارة العمل نفسها.. هنا طلبت الوزارة اجتماعاً ثانياً مع “صلاح” وأصحاب المكاتب، وظهر على الخطّ عنصر جديد، وهو الأمن الاقتصادي، إلا أنه وللأسف سيكون محدود الفائدة أو عديمها إن شئت الدقة.

الوزارة والأمن الاقتصادي

كما أسلفنا، شهدت مكاتب الاستخدام تكدساً هائلاً من العمال المتلهفين للسفر بحثاً عن ظروف أفضل، وبطبيعة الحال، ظهر مع الزحام السماسرة والمحتالون من داخل المكاتب ومن خارجها.. وفي الاجتماع الثاني كان لا بد من مناقشة تحصيل الرسوم قبل وصول التأشيرات من قطر، وحدث شدّ وجذب، “صلاح” متمسك بموقفه، عدد محدود من أصحاب المكاتب يطالبون بالضمانات خوفاً من تحمل المسؤولية حال تصرّف “صلاح” فيها.. أفراد من الأمن الاقتصادي كانوا ضمن حضور الاجتماع وحول الوزارة يستكشفون الأمر، كان رأيهم مع المتخوفين من التحصيل.. الوزارة كان موقفها غريب، طلبت من المكاتب شفاهة – المشافهة ستكون الطريقة التي تدير بها الوزارة الأزمة – أن لا يتحصّلوا أموالاً إلى حين إشعار آخر مع الاستمرار في العمل، ولكن ما لا تعلمه الوزارة أو تعامت عنه، أنها بذلك فتحت الباب أمام المحتالين والانتهازيين، ليحصّلوا ما يشاءون من أموال البسطاء، بعد أن تخلّت الوزارة عن أوجب واجباتها وتركتهم بلا غطاء أو حماية.

“الرزان” و”أبو يمنى” .. لو تفهم “سعاد”

في الأسبوع الأول من انطلاق العمل، تعاظمت الشكوك في صحة العملية أو إمكانية تنفيذها، ولكن الوزارة فضّلت أن يبقى الأمر على ما هو عليه رغم التقارير الكثيفة عن مخالفة البعض لأوامر الوزارة، وتقارير بيع الاستمارات المجانية، ولكن المواقف التي تستحق الذكر، كان موقف مكتب “أبو يمنى” عندما أعلن مديره “ياسر”، ومن داخل اجتماع كانت “سعاد” ووكيل الوزارة من بين الحضور فيه، أعلن انسحابهم من العمل، لجهة عدم توفر الشفافية فيه، أما مكتب “الرزان” للاستخدام الخارجي فبادرت مديرته “نجلاء”، بنشر إعلان مدفوع القيمة في الصحف أعلنت أن هذا العمل لا يناسبهم للغموض الذي يكتنفه، وأنهم شديدو الحرص على حقوق الناس لذا لا علاقة لهم به، بل طلبوا من العمال توخي الحيطة، وحذّروا من إقحام اسم “الرزان” في وظائف قطر.. أما الموقف الأكثر دهشة فكان موقف “سعاد”، إذ ساءها موقف “الرزان” المعلن والواضح والصريح، وألمحت إلى مقاضاتها لهم، بينما قال بذلك “صلاح سري” صراحة، في الوقت الذي كان ينتظر فيه الناس أن تعلن “سعاد” من موقع مسؤوليتها بياناً صحفياً شبيهاً ببيان مكتب “الرزان”، يوضّح للجمهور الحقائق ويمنع تعرّضهم للاحتيال.

“الأطباء” و”هواشا”.. وقعت الكارثة

حدد مدير شركة “نابيري” مستشفيات “الأطباء” و”هواشا” لإجراء الكشف الطبي، دون توضيح طريقة الاختيار وأسبابه، وأوضح فقط أن هذين المستشفيين وافقا على تخفيض قيمة الفحص، وبلغت قيمة الكشف “550” جنيهاً، ويقدر العدد الذي أجرى الكشف بأكثر من “15” ألف شخص، أي حصل المستشفيان على ملايين الجنيهات، كما حصل التدريب المهني أيضاً على ملايين الجنيهات مقابل رسوم الكفاءة التي ألزم العمال بها، غير أن المشكلة الأكبر تمثّلت في ما دفعه البعض خارج هذين البندين، الكشف والكفاءة، وهي أموال ضاعت على أصحابها لأنها دفعت لمجهول، وبعض العمال دفع “15” ألف جنيه، بعد أن قالوا له “وظيفتك مضمونة” وبعضهم اشترى استمارة التقديم بألف جنيه حتى لا تضيع عليه الفرصة، وقال أحد العمال المتقدمين للوظائف لـ”التغيير” واسمه “إسماعيل أحمد”: “دفعت ألف جنيه مقابل الحصول على استمارة تقديم، وسلمتها مكتب روفيدار بشارع محمد نجيب”، سألناه هل دفع المبلغ داخل المكتب ولمن دفعه؟ فقال: “سألت جوار السفارة السعودية عن وظائف قطر. وجدت شخصاً قال إنه من مكتب روفيدار وإنهم يعملون في هذه الوظائف وقادني إلى هناك، في الطريق سألته عن المطلوب، فطلب ألف جنيه مقابل الاستمارة، وأنهم سيعطونني ورقة للفحص وأخرى للتدريب المهني وبالفعل سلمته المبلغ قبل أن نصل المكتب، وعندما وجدنا زحاماً كثيفاً أمام المكتب، نادى على أحدهم بالداخل وسلّمه استمارة وأوراق فحص”. ومضى “إسماعيل” قائلا: “عرفنا أن البعض دفع خمسة عشر ألفاً للحصول على الفرصة، لذلك لم نتردد في دفع ألف جنيه”.

“إسماعيل” نموذج لآلاف العمال، دفعوا أموالهم للسراب، وبدا عليه الإحباط الشديد عندما علم أن الوظائف باتت في مهب الريح.

 الخارجية على الخط .. “سعاد” نصف الحقيقة

توجّهنا إلى مكتب مديرة الاستخدام الخارجي والهجرة “سعاد الطيب”، لنقف على أمرين، أولهما هل الوظائف حقيقية والعمال سيحصلون على تأشيرات ويسافرون إلى قطر؟ والأمر الثاني لماذا لم تتريث الوزارة حتى تتحقّق من صحة الوظائف ثم من بعد توجه بالإعلان عنها؟ قبل أن نكشف عن إجابات “سعاد” نشير إلى أننا تأكدنا أن “سعاد” قالت نصف الحقيقة إن لم يكن أقل من ذلك بكثير، لأسباب تعلمها.

سألناها: هل هناك وظائف؟ قالت “سعاد”: “نحن منتظرين رد وموافقة من وزارة العمل القطرية؟” وهنا انتقلنا إلى السؤال التالي: لكن لماذا أذنت الوزارة للمكاتب بالعمل قبل أن تستوثق؟ فكان ردها أنهم فعلوا ما عليهم، وأن وكيل وزارة العمل اتصل بالوكيل السابق للخارجية “عبد الغني النعيم” الذي أحالهم إلى “خالد الترس” الذي استدعى إلى مكتبه مدير إدارة القنصليات “حمدان وادي”، والذي أكد صحة التوقيعات بين “صلاح سري” والشركة التي طلبت الوظائف وهي تركية اسمها “جان استانبول”، ومضت “سعاد” قائلة: “طلبنا من صلاح أن يحضر العقد المبرم بين الشركة التركية والشركة القطرية، واتضح أن اسمها “شركة الكون القطرية”، وتأكدنا من الغرفة التجارية”.. ولكن مع ذلك هل هنالك وظائف؟ ترد سعاد: “منتظرين ردّ من القطريين واحتمال كبير تكون هنالك وظائف، والوزارة عملت ما عليها”.. ولكن العمال دفعوا قبل أن تتحقّقوا وآمالهم ستضيع؟ تجيب “سعاد”: “أموالهم ما ضاعت”.. كيف؟ وكانت إجابة “سعاد” مدهشة: “أي زول فحص عرف نفسه عيان أم لا وهذه فائدة لهم”.. ولكنهم دفعوا لأجل السفر ولن يسافروا وضاعت أحلامهم؟ “لا إجابة من سعاد”.. ثم سألناها: العمال دفعوا للسماسرة والمحتالين أموالاً طائلة.. من المسؤول؟ “سعاد” تدافع عن الوزارة وتقول: “كلمناهم مافي زول يدفع، وقلنا لهم العمل متوقف حتى نتحقق”.. لكن هل فعلاً أخبرت “سعاد” العمال البسطاء أن لا يدفعوا؟

في الفقرة التالية سنريكم ما فعلت “سعاد”، وفي حضور مدير الإعلام بالوزارة “محمد غلامابي”، وبعدها سنكشف لكم كيف أنها قالت نصف الحقيقة.

“سعاد” مرة أخرى: الوزارة فعلت ما عليها

الحوار مع “سعاد”، التي تمثل وزارة العمل في هذه اللحظة، لم يكن سلساً، كما نراه هنا، بل كان شديد الصعوبة، طالبت بإيقاف التسجيل أكثر من مرة، كما امتنعت عن الإجابة في مرات عديدة، إلا أننا بلغنا نقطة جوهرية ستشرح التساهل الذي تعاملت به الوزارة مع المسألة، وهي تنوير العمال بعدم دفع أموالهم للمحتالين، على الأقل، بعد القرار الكارثي مباشرة المفضي إلى انطلاق العمل قبل التحقق من سلامة الوظائف في قطر، ثم التنويه بعد ذلك بأن الوظائف لم تعد مضمونة وإيقاف العمل منعاً لمزيد من الضحايا،  أذ قالت “سعاد”: “نبهنا أصحاب مكاتب الاستخدام أن يعلنوا أن العمل متوقف، وحذرنا العمال من دفع أي قروش قبل تسلُّم التأشيرة للسفر”.. سألناها: هل أعلن أصحاب المكاتب في الصحف؟ قالت: “علقوا لافتات في المكاتب بأن العمل متوقف”، غير أن متابعات “التغيير” كشفت أن ثلاثة مكاتب فقط “علّقت” إعلاناً يفيد بأن العمل متوقف والمكاتب الأخرى لم تفعل، بل وبعض المكاتب كان يعمل من وكالات سفر وفي أكثر من موقع.. وبالعودة إلى “سعاد”: لكن لم تلزمهم بإعلان عن أن الوظائف متوقفة في الصحف كما أعلنوا عن الوظائف؟  قالت: “طلبنا منهم أن الإعلان في الصحف”.. هل فعلوا؟ “لا أعرف”.. أحلنا السؤال إلى مدير الإعلام بالوزارة الذي كان شاهداً على لقاء “سعاد” وهو الصحفي المعروف “محمد غلامابي” والذي يقع الرصد الصحفي من ضمن مهامه وقال: “لم نجد إعلاناً لمكاتب الاستخدام في الصحف”، لم يكتفِ “غلامابي” بهذه الإجابة، ومضى قائلاً: “والوزارة أعلنت في الصحف أن لا يدفع مواطن أي شيء، حتى يستوثق من الأوراق والمستندات ويحصل على تصريح العمل أو الفيزا”.

وبعد الإطلاع على الإعلان المشار إليه، وجدناه شديد العمومية، منزوع الفائدة، لم يشر إلى الوظائف مثار الجدل لا من قريب ولا من بعيد، وإن كان الإعلان تجنب الإشارة إلى دولة قطر أو تركيا من جهة رسمية كان من الممكن أن يشير إلى الـ”13″ ألف وظيفة المعلنة من شركة “نابيري” ويتفادى الحرج.. “غلامابي” أمّن على هذه الملاحظات.

اعتراف نادر .. الأمن يربك المشهد

“سعاد” تمسّكت بأن الوزارة لا ذنب لها في ما يجري، وأنها فعلت ما عليها، ولمّا أشرنا إلى أن كل هذه الإجراءات لم تحافظ على الحقوق وأن هناك من تعرّضوا فعلياً للاحتيال والابتزاز، هنا سجلت “سعاد” اعترافاً نادراً وقالت: “نعم هناك من تعرّضوا للاحتيال والنصب عليهم، رغم تحذيرنا” ومضت قائلة: “وتداول الناس عبر وسائل التواصل أنباء عن بيع بعض مكاتب الاستخدام للوظائف، والأمن الاقتصادي أوقف عدداً من المتهمين ويجري التحقيق مهم”.. وبذكر الأمن الاقتصادي تؤكد الوقائع أن دوره كان متواضعاً جداً، بل قال مصدر مطلع أن الأمن ساهم في إرباك المشهد لأسباب غير معلومة، وقال: “الأمن ساهم في إرباك المشهد”، وأضاف: “بعد أن جاء قرار بإيقاف العمل، اتصل ضابط كبير بسعاد عبر الهاتف وأبلغها بأنهم لم يجدوا داعياً لإيقاف المكاتب عن العمل، ويمكنهم الاستمرار، ممّا ساهم في تراخي الوزارة”.

عدنا إلى بدء.. إلى السؤال الأول: أليس من الأفضل حفاظاً على حقوق العمال أن تستوثق الوزارة قبل الإذن بالعمل منعاً لهذه الفوضى؟ أو السؤال بطريقة أخرى: ما الذي دفع الوزارة إلى كل هذه العجلة للدرجة التي تقدح في مهنيتها وقدرتها على الحفاظ على حقوق العمال؟ وكانت إجابة “سعاد”: “مدير شركة نابيري كان متعجلاً، وكذلك الشركة التركية وهنالك شرط جزائي سيقع عليهم”.. هل آثرت الوزارة مصالح الشركة على مصلحة العمال؟ عند هذه النقطة بلغ التوتر والغضب مبلغاً عظيماً وقالت “سعاد” كلاماً كثيراً غير مفهوم عن الأحكام المسبقة ومحاولات التجريم، حيث لم يعد الاستمرار في الحوار ممكناً.

“صلاح سري”: لم أهرب ومستعدّ للمساءلة

مدير شركة نابيري، وكيل شركة جان استانبول التركية التي طلبت العمال والمهندسين السودانيين، “صلاح سري”، تعذّر على الوزارة الاتصال به منذ أن غادر السودان، ولكن صحيفة “التغيير” استطاعت ذلك، وبدوره حمّل في أول إفادة له وزارة العمل مسؤولية ما حدث، لجهة أنها وافقت على بداية العمل قبل أن تستوثق، الأمر الذي تسبّب له في خسائر مادية كبيرة على حدّ تعبيره وقال: “قرار الوزارة ببداية العمل قبل التحقّق، تسبب في ضياع حقوق العمال وكلفني خسائر كبيرة”، ومضى قائلاً: “نفّذت كل مطلوبات الوزارة ، أحضرت المستندات المطلوبة، وأخيراً أحضرت ممثلين للشركة التركية وعلى حسابي الخاص، تذاكر سفر وإقامة، وبعدها لم يتم العمل، من يدفع كل هذه الخسائر؟”.

ذكرنا له أن هنالك تهمة تتردد بأنه سيحصل على أموال طائلة نتيجة لاتفاق سري على نسبة من ما يتحصله مستشفيا “هواشا” و”الأطباء” من مبالغ مقابل الكشف الطبي بعد أن تردد عليهم آلاف العمال الراغبين في السفر، “صلاح” نفى هذه التهمة تماماً، وأعلن أنه مستعدّ للمحاسبة في أي وقت، مؤكداً أنه لم يهرب، رغم أنه لم يحدد متى سيعود، ومعلوم أنه يملك جواز دولة أوروبية.

وعن مستقبل العمل، أكد “صلاح” أنه فيه من الزاهدين وقال: “لن أعود لهذا العمل مرة أخرى، وقنعت”.. ولكن من المهم أن نشير إلى أن “صلاح” كشف عن معلومات حجبتها “سعاد”، وهي وبعد أن تعثر العمل وفي حضور الأتراك، جرى الاتفاق على إكمال إجراءات “500” عامل فقط، بدلاً عن الـ”13″ ألفاً، وهذا ما تلكأت فيه الوزارة أيضاً.

وأكد “صلاح” أن الأمن الاقتصادي استدعاه أكثر من مرة، وتم التحقيق معه أكثر من مرة، ولكن الأمور ظلت معلقة، وتُدرأ بطريقة غريبة، في حالة أشبه بالتسيب، لا نعم، ولا لا، ولم يجرؤ أحد، لا في الوزارة ولا في جهاز الأمن أن يقول قولاً فصلاً.

“أبو قردة”: الوظائف غير حقيقة

في حديث خصّ به “التغيير” قطع وزير العمل والإصلاح الإداري “بحر إدريس أبو قردة”، بأن الوظائف غير حقيقية، وقال: “تحقّقت عبر مصادري الخاصة وعبر سفارة السودان في قطر بأن الوظائف غير حقيقية”، وأوضح الوزير أن المشكلة سبقته إلى الوزارة، وبعد أن تم تعيينه وزيراً شكك في صحة الأمر، لجهة أن العدد كبير، ولمعرفته الجيدة بقطر وطريقتها الدقيقة في التعامل في هذه المسائل، أمر هو شخصياً بتجميد العمل إلى حين التحقُّق، وقال: “وجدنا مكتب الشركة عبارة عن مكتب متواضع يديره شخصان من بلد عربي وليسا قطريَين”، وأكد أن السفارة خاطبتهم رسمياً بذلك، وأنهم سيملّكون الجمهور الحقائق منعاً للاستمرار في استغلالهم.

الوزير أكد أن الوظائف غير حقيقية، والوزارة تحمّل “صلاح سري” المسؤولية، الذي يحمّل بدوره الوزارة والأمن الاقتصادي المسؤولية.. أصحاب المكاتب وبعد أن يضعوا براءة الأطفال في أعينهم، يقولون: “الوزارة سمحت لنا بالعمل، ولم نحصل على أموال من أحد، السماسرة والمحتالون فعلوا”، وقطعاً الضحايا معلومون، ولكن هل يظن أحدكم أن شخصاً ما سيحاسب على ما جرى… سنرى.

“يا حزني عليهم ”

ونحن في مكتب “سعاد”، وقبل أن نشرع في الحوار معها، دخل علينا رجل في النصف الثاني من العقد الرابع، تنضح ملامحه بالتعب والإرهاق، وتلمح في عينيه حلمه وحلم زوجته وأطفاله الصغار بالخلاص من الفقر والمعاناة عبر هذه السانحة والسفر إلى قطر، جذب كرسياً وجلس قُبالة “سعاد” وكله رجاء أن تطمئنه، وتقول له الفرصة قائمة والسفر حقيقة، ولكن هيهات، وبعد أن وضع حقيبة القماش المهترئة في حجره نطق وقال: “جيت أسأل من وظائف قطر” لترد “سعاد”: “مالها؟” ويجيب: “انتظرنا كتير ومافي حاجة أنا قاعد في الخرطوم لي شهر، أنا أصلاً من القضارف، صرفت كل ما أملك وقاعد بلا عمل”.. “سعاد” تحقق له ما يريد ولو بالوعود الكاذبة وتقول: “مافي مشكلة بس منتظرين خطاب من قطر”.. وحينها كان الخطاب مرابطاً في مكتب الوزير، مؤكداً لهذا الرجل المسكين أنه لا وظائف ولا يحزنون، و”سعاد” في كل مرة تردد في وجهه: “ح ينادوكم.. مُش سجلت رقمك؟” والمسكين تتهلل أساريره، ويخرج من عندها بوعدها الكذوب، وهو لا يعلم أن “سعاد” والوكيل والوزارة كانوا أبطال هزيمته في معركته الأخيرة مع الفقر، وأنه سيعود إلى زوجه وأطفاله بوجه كالح ليقتسم معهم مرارة الإحباط واليأس.. و”سعاد” تقول: “الوزارة فعلت ما عليها”.. أليس هذا هو العبث بأحلام الفقراء بعينه؟!