أعمدة ومقالات

مذبحة خاشقجي ومحنة الضمير الإنساني

 

خالد فضل

  ليرحم الله الصحفي السعودي جمال خاشقي , والتعازي لأسرته المكلومة ولخطيبته التي لم تهنأ بتمام الزواج ولزملائه ولكل الصحافيين في العالم وللمناضلين من أجل حرية التعبير في أي مكان . لقد صار العالم أكثر توحشا , وصارت قيمة النفس البشرية تتدنى بصورة مريعة في ظل تنام ظاهر لسطوة المصالح المادية مما يثير التساؤل المشروع حول جدوى المنجز المادي في مقابل الحضيض الإنساني . ما قيمة ما يُحرز من تقدُّم علمي مذهل حد تقويم ومعالجة السائل الشوكي في رحم الأم قبيل ولادة الطفل لتلافي مضاعفات الخلل فيه لاحقا ؛ حسبما تم اعلانه مؤخرا كأحدث منجز طبي , لكن مع ذلك نعود لسؤال البداهة , وهل يكون ذاك الطفل بمأمن من تصرفات وهمجية أجهزة الأمن والإستخبارات والحكومات التي تقدّس الكراسي وتهين البشر !

    قد يتبادر إلى الذهن أنّ النظام السعودي المالك في ورطة أو مأزق , ربما كان مأزقا سياسيا ودبلوماسيا , ولكنه لن يكون مأزقا أخلاقيا البتّة ؛ فهو من نوع الأنظمة  التي لا تأبه كثيرا بمثل هذه الترهات ؛ شأنه شأن رصفائه في منظومة بلدان النكبات الإنسانية الفادحة , وليس ضروريا أن تتجمع القرائن أو يسعى التحليل إلى أعتاب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (حفظه الله), فهو ممن ترتفع له الدعوات بطول العمر لأنّه ذخر للبلاد وركن ركين من أركان تثبيت (الإسلام) وخدمة (الحرمين الشريفين), وغيرها من الأدبيات البلاستيكية اللزجة التي لايمكن بلعها رغم طول الفترة التي يلوكها فيها اللائكون . بل المأزق الحقيقي أمام الشعوب والحكومات التي تقدّمت كثيرا في مضمار كفالة وصون ورعاية حقوق الإنسان , لابد أنّ هذه الشعوب مسؤولة بصورة مباشرة عن الأخذ بيد رصفائهم في الإنسانية ممن لا تزال أوضاعهم وأحوالهم أدنى بكتير من حالة الحيوانات في البلدان والشعوب المتقدمة , حالة تضارع حالة الحشرات الضارة ! فالمرحوم خاشقجي رغم تقدمه العلمي والفكري وقدراته الذهنية العالية التي جعلته رقما إعلاميا مهما في دنيا الصحافة والإعلام لم يُنظر إليه من جانب قاتليه سوى نظرة احتقار وتجريم استحق عليه القتل بهذه الطريقة البشعة , وأين ؟ داخل مباني القنصلية التي يرفرف فوقها علم بلاده وفي الراية الخضراء عبارة (لا إله إلا الله) وليس في الأمر عجب , هي عبارة تُقال وتُكتب وتُنشد دون تدبُر , لأنّ طبيعة المجتمعات التي ترددها قد جُبلت على الخنوع وتنطبق عليها نظرية (سايكولوجية الإنسان المهدور ) , الرواية الموثوقة لدى الضحايا أو للدقة معظمهم هي رواية الجناة بينما رواية الضحايا محل شك عظيم , وفي بلادنا السودان خير برهان ودليل , هناك صحفيون يتعرضون الآن للمساءلة القانونية في نيابة أمن الدولة بسبب اجتماعهم إلى سفير الإتحاد الأوروبي في الخرطوم , بزعم أن في ذلك الأمر انتهاك لسيادة الدولة ! الدولة هنا مقصود بها نظام الحكم الديكتاتوري وليس سواه , ولأنّ مسألة مثل قانون الصحافة أو غيره من التشريعات التي تسنها الحكومات وتصادق عليها البرلمانات كإجراءات روتينية لا تعتبر أمورا سرية يستحق من يناقشها أو يتحدث عنها مع كائن من كان التحقيق النيابي أو الإستدعاء الأمني , القوانين والتشريعات يُفترض أنّها تُسن لمصلحة المجتمع وليس لتكبيله وتغييبه , وإذا كانت السلطة تتكتّم على قانون ما فمعنى ذلك أنّه قانون لتمكين السلطة أكثر للتحم في المجتمع وليس العكس كما هو الوضع في البلدان المتقدمة التي تحكمها سلطات ديمقراطية تخضع للرقابة والتحقيق القانوني والإعلامي أي المجتمعي .

   في حالة جمال خاشقجي , وبعيدا عن ابتزاز قناة الجزيرة التي وجدت في الحادثة فرصة للتشفي والانتقام من النظام السعودي المعادي للنظام القطري , تبدو الوقائع تشير إلى ورطة سياسية كما أسلفنا , فبعد الإعتراف الرسمي من جانب السعودية بمقتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده باستانبول التركية بات من الطبيعي التحقيق عن الجناة مرتكبي تلك الجريمة , فإذا تمّت العملية دون علم وتوجيه القيادة العليا للسلطة (الملك أو ولي العهد أو مدير الاستخبارات أو وزير الخارجية إلخ …) هذا يعني فشل السلطة وترهلها وانفراط منظومتها بحيث لم تعد مؤتمنة على مصالح الشعب والبلاد وغير جديرة بالبقاء في سدة الحكم وهي على هذه الحالة المزرية من التفلّت . أمّا إذا تمّت الجريمة بتوجيه أو معرفة أي شخص في الموقع القيادي فهذا يعني مباشرة تورطه الجنائي فيها , هنا يأتي الدور الأخلاقي وتعظم مهمة الشعوب المتقدمة والإعلام الحر في كل أنحاء العالم للضغط على الحكومات الديمقراطية في بلدانهم من أجل عمل ملموس ضد الجناة , فالحكومات الديمقراطية ذاتها عرضة للإبتزاز والمساومات المالية والسياسية , وما بدر من ترامب مثلا في حديثه المسبق عن صفقات الأسلحة بمئات المليارات من الدولارات مع النظام السعودي واستثنائها من أي إجراءات عقابية من جانب الكونغرس الأمريكي ؛ مثل هذا الحديث المقلق يعود بنا إلى المحنة الأخلاقية ثانية , فأنظمة القمع والقهر تستثمر  في هذه السوق الرائجة من الجوانب اللا أخلاقية في تعامل حكومات العالم , وهو ما يبرر استمرار أنظمة سياسية بالية ومهترئة تعود إلى حقب مظلمة في التاريخ البشري , ما تزال تمارس تغييبها للشعوب المقهورة والتي يتبارى معظمها في استمراء القمع والقهر حد معاقبة الضحايا ولومهم على التطاول على الجلادين .وحالة السودان ماثلة دوما بين يدينا , فشرطة النظام العام التي تقهر الناس وخاصة النساء تجد الإستحسان من كثيرين لأنّها تحفظ المجتمع وتصون شرفه وعرضه وتحميه من شرور الفسوق والمعاصي إلخ…. تتطابق مع ما يردده النظام وهو يعرف أنّها أحد أدوات حمايته وذراع من أذرع قهره ليس إلاّ .

  لقد نهضت حركة تضامن وضغط عالميين بصورة هائلة في العالم الحُر , وتشهد أوروبا تحركات عاتية في قضية خاشقجي , بينما هنا في المنطقة لا يبدو ذات التحرك القوي وكأن القضية لا تلمس الإنسان , تتدنى قيمة حقوق الإنسان هنا إلى درجة فظيعة وحرية التعبير تتعرض للتضييق والقمع والقهر وتموت القضايا أو تُستغل للإبتزاز كما في حالة قناة الجزيرة القطرية فيما قيمة البشر تتدحرج من سيئ إلى أسوأ , فهل تكون حادثة خاشوقجي فاصلة على المستوى القيمي والأخلاقي في العالم  أم تنتهي مثلها مثل كل فاجعة تمرّ ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى